
التمهيد الجوي.. خلفيات ومآلات الغارات الأمريكية على اليمن
بدأت وزارة الدفاع الأمريكية في 16 مارس 2025 سلسلة من العمليات الجوية، ضد أهداف محددة تشمل معظم المحافظات التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله “الحوثيين” بالمناطق الجنوبية والغربية في اليمن. تفاصيل وتوقيت هذه العمليات المتواصلة تطرح في مجملها تساؤلات عدة بشأن الهدف الأمريكي منها، بالنظر إلى عدم تمكن الضربات الجوية الأمريكية والبريطانية السابقة من تحجيم أو إنهاء التهديد الذي تمثله حركة الحوثي على الملاحة في البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب.
وعلى الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها القدرات العسكرية الأمريكية الأراضي اليمنية، فإن العمليات الجوية الجارية حاليًا في هذا النطاق تكتسب أهمية خاصة، وتختلف في أسبابها وأهدافها بشكل كبير عن أسباب وأهداف العمليات الجوية والبحرية الأمريكية السابقة ضد الحوثيين، خاصة أن واشنطن تخوض هذه العملية بمفردها وبمعزل عن تحالف “حارس الازدهار”، وهو ما يوجب البحث بشكل معمق في خلفيات ومآلات التصعيد الأمريكي الأخير ضد الحوثيين، ومدى ارتباطه بتصعيد عسكري “محتمل” ضد إيران.
سياقات “الموجة الأولى” من الهجوم الأمريكي على الحوثيين
تأتي الضربات الجوية الأمريكية على الحوثيين ضمن إطار عدة سياقات ترتبط بالملف اليمني والموقف الاستراتيجي في منطقة البحر الأحمر والخليج العربي بشكل عام، ويمكن إجمال هذه السياقات فيما يلي:
1. عدم فاعلية المقاربة الأمريكية للتعامل مع التهديدات التي تمثلها قدرات الحوثيين العسكرية:
أظهرت مجريات الأشهر السابقة فشل الولايات المتحدة الأمريكية -رغم تعدد الغارات الجوية التي نُفّذت على مواقع ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من مناطق سيطرة الحوثيين- في إنهاء أو تحجيم الخطر الذي تمثله القدرات المسيرة والصاروخية التي تمتلكها هذه الجماعة، خاصة أن المقاربة الأمريكية في هذا الشأن كانت تركز -لدواعٍ ترتبط بالموقف الميداني الذي كان مشتعلًا آنذاك في لبنان وقطاع غزة- على عدم الانخراط بشكل واسع النطاق على المستوى العسكري في اليمن، والاكتفاء بدور “رد الفعل” على محاولات الحوثيين استهداف الملاحة المدنية والعسكرية في البحر الأحمر، عبر استهداف مواقع ومنصات الإطلاق، ثم تطوير عمليات الاستهداف لتشمل المرافق البحرية واللوجستية في الموانئ التي تسيطر عليها جماعة الحوثي.
وقد ثبتت فاعلية هذه المقاربة في ظل احتفاظ الحوثيين بقدرات عسكرية كبيرة تسمح لهم بالعمل على مسارين متوازيين: الأول تستهدف فيه الحركة الملاحة بمختلف أنواعها في البحر الأحمر ومحيطه انطلاقًا من منصات الإطلاق الثابتة والمتحركة في المرتفعات الجبلية اليمنية الغربية المطلة على سواحل تهامة والبحر الأحمر، والتي تمتد من المديريات الغربية لمحافظات تعز وذمار وريمة والمحويت وصولًا إلى محافظة حجة؛ أما المسار الثاني فتمتلك الحركة من خلاله القدرة المستمرة على تنفيذ عمليات صاروخية ومسيرة بعيدة المدى باتجاه إسرائيل.
لذا بدأت ملامح مقاربة أمريكية جديدة حيال حركة الحوثي، عبر إعادة تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية (FTO)، ثم عبر العمليات الجوية الجارية حاليًا ضد مواقعها، والتي سنعرض في سطور لاحقة للتغيرات الأساسية التي طرأت عليها، بالمقارنة بالعمليات الجوية السابقة.
2. تصاعد متوقع في مستوى ومواصفات الوسائط القتالية للحوثيين:
في وقت سابق من الشهر الجاري، تمكنت حركة الحوثي من إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار من نوع “MQ-9” أثناء تحليقها في أجواء مدينة الحديدة، وهي تعد الطائرة المسيرة الخامسة عشرة التي يسقطها الحوثيون في اليمن، وهو الأمر الذي بدأ يشكل تهديدًا جديًا على العمليات الجوية الأمريكية في اليمن، سواء تلك المرتبطة بعملية “بوسايدون أرتشر” الأمريكية – البريطانية التي تستهدف الحوثيين بشكل أساسي، أو العمليات الجوية التي تستهدف أنشطة تنظيم القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى.
يضاف إلى ذلك استمرار عمليات تهريب قطع الغيار المتقدمة الخاصة بالطائرات المسيرة إلى اليمن، وفشل الجهود الأمريكية في الحد من هذه العمليات. واللافت هنا أن خطورة هذا الأمر قد تكشفت بشكل أكبر مؤخرًا بعد أن كشف تقرير صادر عن منظمة “Conflict Armament Research” البريطانية شمول عمليات التهريب هذه على مكونات خلايا وقود الهيدروجين، وهي خلايا تسمح للطائرات المسيرة بالتحليق لمسافات أبعد، مع تقليل فرص اكتشافها. وقد اكتُشفت مكونات هذه الخلايا في أغسطس الماضي بعد أن جرى اعتراض زورق صيد قبالة السواحل اليمنية كان يحملها ضمن شحنة من الأسلحة والذخائر ومحركات الطائرات المسيرة.
جانب آخر مهم في هذا السياق هو رصد الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا كبيرًا في حجم التعاون بين صنعاء وموسكو، وقد سبق وقالت وزارة الخزانة الأمريكية، أن وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) باتت تقدم مساعدات تقنية واستخباراتية مباشرة إلى الحوثيين، بجانب تقديم أنظمة تتبع بيانات متطورة لهم، ما عزز من قدرتهم على الاستهداف الدقيق للملاحة في البحر الأحمر خلال الأشهر الماضية، وهو الأمر الذي عادت المخاوف الأمريكية بشأنه بقوة، بعد قرار الحوثيين منذ أيام استئناف عمليات استهداف الملاحة في البحر الأحمر.
3. سياق تصعيدي للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة:
في وقت سابق من الشهر الجاري، دخلت حاملة الطائرات الأمريكية “هاري ترومان” إلى البحر الأحمر، تصاحبها المجموعة التكتيكية البحرية الخاصة بها، وقوامها أربع مدمرات وسفينة إمداد ودعم، بجانب غواصة الصواريخ الموجهة “جورجيا”. هذا التطور في حد ذاته لا يمثل “تصعيدًا”؛ بالنظر إلى أن القيادة الوسطى للقوات البحرية الأمريكية تحرص بشكل دائم على وجود حاملة طائرات ومجموعتها القتالية في منطقة الشرق الأوسط، علمًا أنه خلال التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال العام المنصرم تمركزت حاملتا طائرات أمريكيتان في المنطقة.
لكن ما يجعل وجود الحاملة “ترومان” في البحر الأحمر لافتًا في هذا التوقيت هو إعلان البنتاجون في وقت سابق نيته إرسال ثلاث حاملات طائرات إلى منطقة الشرق الأوسط، وتشير المعلومات المتوفرة إلى وجود احتمالية كبيرة لإرسال حاملتي الطائرات “دوايت آيزنهاور” و”أبراهام لينكولن” إلى المنطقة لتنضما إلى الحاملة “ترومان”، وهو ما يؤشر في مجمله إلى احتمالية كبيرة لتصعيد ميداني ما، قد يتجاوز حتى استهداف الحوثيين، ليشمل استهداف إيران.
هنا لابد من الإشارة إلى أن القوة البحرية الأمريكية الموجودة في المنطقة تضم أيضًا وسائط قتالية مهمة في الخليج العربي والبحر المتوسط؛ ففي البحر المتوسط تمتلك البحرية الأمريكية مدمرتين وسفينة دعم وإمداد وسفينة إنزال برمائي والغواصة النووية “أنديانا”، في حين تمتلك في الخليج العربي حاليًا مجموعة مهام بحرية مكونة من أربع مدمرات وستة زوارق للدورية الساحلية وسفن دعم متنوعة.
هذه المجموعة من السفن تضاف إليها قطع بحرية أخرى تابعة لدول حليفة للولايات المتحدة الأمريكية أهمها حاملة الطائرات البريطانية “برينس أوف ويلز” التي ستتحرك خلال الأيام المقبلة في اتجاه البحر المتوسط، من أجل عبور البحر الأحمر في اتجاه شرق آسيا، مع وجود احتمالية كبيرة لانخراطها في أية عمليات بحرية أمريكية واسعة النطاق في المنطقة، في حال حدوثها.
مجريات العمليات الجوية الأمريكية في اليمن
تركز الثقل الأساسي للوسائط الجوية الأمريكية التي بدأت في 16 مارس 2025 في استهداف المناطق الغربية والجنوبية من اليمن في المجموعة الجوية القتالية المتمركزة على سطح حاملة الطائرات “هاري ترومان” التي كانت في بداية العمليات متمركزة على بعد نحو 700 كيلو متر من السواحل اليمنية، في النطاق الأوسط من البحر الأحمر، ثم عدلت تموضعها عقب تعرضها لمحاولات هجومية من الحوثيين لتصبح على بعد يقدر بـ 1300 كيلو متر من الساحل اليمني. المقاتلات المنفذة لهذه العمليات، هي من نوع “F/A-18E/F Super Hornet” تابعة للسرب القتالي 143، وعاونتها مقاتلات متخصصة في مهام الحرب الإلكترونية وإحباط الدفاعات الجوية، من نوع “EA-18G Growler”، تابعة للسرب القتالي 144.
على مستوى المهام المعاونة، شاركت وسائط جوية أمريكية متعددة في دعم عمليات القصف الجوي، حيث نفذت طائرات الدورية البحرية الأمريكية “P-8” عمليات استطلاع القطاع الشمالي المحاذي للأراضي اليمينية انطلاقًا من البحرين، في حين شاركت طائرات التزويد بالوقود “KC-135 R” وطائرات الاستطلاع الإلكتروني “RC-135 V” انطلاقًا من قاعدة العديد الجوية في قطر، وطائرات الاستطلاع بدون طيار “MQ-4” انطلاقًا من قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات العربية المتحدة. يضاف إلى ما سبق مشاركة طائرات التزويد بالوقود “KC-2” التابعة لسلاح الجو البريطاني في دعم المقاتلات الأمريكية، انطلاقًا من قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص.
الضربات الجوية التي رُصدت حتى الآن في اليمن شملت بشكل أساسي محافظات صعدة وحجة وصنعاء ومأرب وذمار والبيضاء وتعز، بجانب محافظات الحديدة والجوف وآب. محافظة صعدة -التي تشكل ثقلًا سياسيًا وعقائديًا أساسيًا لحركة الحوثي- كانت أكثر محافظة تعرضًا للغارات الجوية الأمريكية خلال الأيام الماضية، وشملت هذه الغارات مواقع متعددة في مديريات الصفراء وقحزة، ومنطقة علاف في مديرية سحار، بجانب معسكري “الصيفي” و”كهلان” الواقعان شرق مدينة صعدة، ومحطة كهرباء مديرية ضحيان الواقعة أقصى شمال المحافظة.
في صنعاء، تعرضت سلسلة من المواقع المهمة لغارات أمريكية على رأسها منطقة حي الجراف الواقع شمال العاصمة، والذي يضم مواقع ومباني استراتيجية بالنسبة لجماعة الحوثي، سواء على المستوى الحكومي أو العسكري أو السياسي، من بينها مقر المخابرات العامة. كما تعرضت منطقة “فج عطان” الجبلية -التي تعد معقلًا تاريخيًا لألوية الصواريخ اليمنية- لقصف مركز أسفر عن انفجار ضخم يُعتقد أنه ناتج عن اصابة أحد مخازن الصواريخ التحت أرضية.
يضاف إلى هذه المواقع مواقع أخرى قُصفت داخل العاصمة صنعاء، من بينها مقر الفرقة الأولى المدرعة، ومنطقة جربان في مديرية سنحان وبني بهلول جنوب العاصمة -والتي تضم معسكرات متعددة- بجانب مناطق أخرى في شمال غرب وشمال شرق العاصمة.
يضاف إلى ما سبق استهداف عدة مواقع مرتبطة بعمليات استهداف الملاحة في البحر الأحمر، تقع تحديدًا في محافظة البيضاء، منها معسكر “القصير” قرب مديرية رداع، وأحد المعاهد التقنية في مديرية القريشية، ومواقع أخرى في مديرية مكيراس. كذلك الأمر في محافظة الحديدية التي استُهدفت فيها مرافق صناعية متعددة في مديريتي باجل وزبيد، وكذا استهداف مواقع ذات طابع خدمي في محافظات أخرى هي محافظة ذمار “مواقع جنوب المحافظة وفي مديرية عنس شرقها”، ومحافظة مأرب “مديرية مجزر”، ومحافظة حجة “مديرية مبين”، ومحافظة الجوف “المجمع الحكومي في مديرية الحزم”.
المحور الأكثر أهمية فيما يتعلق بالضربات الجوية الأمريكية الأخيرة على الحوثيين أنها تضمنت استخدام ذخائر “نوعية” يمكن من خلالها استخلاص وجود نوايا أمريكية لإلحاق اضرار أكبر بالبنية التسليحية للحوثيين من جهة وإجراء ما يشبه “تدريبًا قتاليًا” على قصف الأهداف التحت أراضية المحصنة من جهة أخرى، وهذا يمكن فهمه أكثر من خلال المقارنة بين ما استُخدم من ذخائر في هجمات الأيام الماضية وما استُخدم خلال العمليات الجوية الأمريكية والبريطانية المشتركة على اليمن في 12 يناير 2024، أو الضربة الأمريكية التي نُفّذت في 16 أكتوبر 2024.
في ضربات يناير 2024، اقتصرت الذخائر المستخدمة على القنابل الموجهة من نوع “Paveway IV”، بجانب الصواريخ البحرية الجوالة من نوع “توماهوك”. أما في ضربة أكتوبر 2024 فقد استخدمت القوات الجوية الأمريكية القاذفات الاستراتيجية الشبحية “B2-A” وذخائر جوية لم يُعلن عنها لاستهداف خمسة مواقع تحت أرضية في اليمن، وهو ما اعتُبر حينها بمثابة بوادر لتغير التكتيكات الأمريكية المستخدمة في الضربات الجوية على أهداف تابعة للحوثيين، وهذا تم التأكيد عليه بشكل واضح خلال الغارات الأخيرة.
فقد استخدمت المقاتلات المشاركة في عمليات الأيام الماضية ثلاثة أنواع من الذخائر، وهي القنبلة الانزلاقية الموجهة “AGM-154” التي تبلغ زنة الواحدة منها نحو نصف طن، وحملت بعض المقاتلات المنفذة للعمليات في اليمن أربعة قنابل من هذا النوع؛ والقنبلة الموجهة “GBU-31″، والصاروخ الجوال “AGM-84”. وهي ذخائر جميعها استُخدمت بشكل تبادلي تبعًا للأهداف المراد تدميرها.
وهو ما يكشف عن أن العمليات الجوية الأمريكية خلال اليومين الماضيين في اليمن كانت تتم بناء على معلومات استخباراتية جُمعت مسبقًا، واستهدفت بنك أهداف محددًا يضم -كما سبق ذكره- مرافق أساسية وحيوية بالنسبة للحوثيين، ولم تعد العمليات الجوية الأمريكية مرتبطة باستهداف منصات إطلاق للصواريخ، أو أهداف بحرية أو تجارية كما كان الحال عليه خلال الفترات الماضية.
رغم ضخامة النشاط الجوي الأمريكي في الأجواء اليمنية فإن الحوثيين نجحوا في تنفيذ عدة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، على نطاق وجود المجموعة البحرية لحاملة الطائرات هاري ترومان، دون أن يتمكنوا من تحقيق إصابات ناجحة. وقد نشرت وزارة الدفاع الأمريكية لقطات لعملية اعتراض بعض هذه الطائرات المسيرة، وهو ما أكد استمرار أنشطة الحوثيين القتالية -رغم غارات الأيام الماضية- خاصة أن حاملة الطائرات “ترومان” وسعت قوس تحركها ليتراجع بشكل أكبر نحو القسم الشمالي من النطاق الأوسط للبحر الأحمر. يجدر بالذكر هنا أن الحوثيين أطلقوا صاروخًا باليستيًا أمس باتجاه الأراضي الإسرائيلية، واعتُرض فوق البحر الأحمر، وهو تطور لافت رغم ارتباطه بشكل أكبر بتجدد العمليات العسكرية في قطاع غزة.
المنظور الاستراتيجي للغارات الجوية الأمريكية
من منظور استراتيجي، يمكن النظر للعمليات الجوية الأمريكية المستمرة حاليًا على مناطق سيطرة الحوثيين جنوب وغرب اليمن من زاويتين أساسيتين؛ الأولي مفادها تعديل المقاربة الأمريكية العسكرية حيال الحوثيين، لتنتقل من خانة رد الفعل على عمليات استهداف الأراضي الإسرائيلية والملاحة في البحر الأحمر إلى مرحلة الاستهداف “المستدام” والمركز والتدريجي للقدرات العسكرية للحوثيين، بشكل يرجى من خلاله إحداث آثار أكثر وضوحًا وفاعلية على هذه القدرات.
هذه المقاربة الجديدة تتضمن في ثناياها استهداف جوهر المرافق التصنيعية والتخزينية الخاصة بالقدرات الصاروخية والمسيرة الخاصة بالحوثيين، واستهداف العنصر البشري القائم على هذه القدرات، سواء على المستوى التطويري والتصنيعي أو على المستوى القيادي، وصولًا إلى احتمالية تنفيذ عمليات خاصة على الأراضي اليمنية، لاغتيال شخصيات عالية المستوى. هنا لابد من ملاحظة أن البنتاجون ينفذ هذه العملية من منطلق أنها عملية عسكرية واسعة النطاق، وهو ما يخالف كافة العمليات السابقة في اليمن والتي كانت تتم تحت عنوان أنها “عملية دفاعية” لحماية الملاحة في البحر الأحمر.
أما الزاوية الثانية فترتبط بتزايد احتمالات تجهيز الولايات المتحدة لضربة شاملة على إيران، وهي زاوية تحمل اتجاهين أساسيين كلاهما يرتبط بحجم الحشد الأمريكي في المنطقة الذي سبق ذكره، وكذا تصاعد عمليات الاستطلاع الجوي الأمريكي للساحل الإيراني خلال الأيام الأخيرة. الاتجاه الأول يشير إلى أن العمليات الجوية الأمريكية في اليمن هي بمثابة “تدريب ميداني” على استهداف الأراضي الإيرانية، ويحاكي العمليات الجوية الجراحية في بيئة تتواجد بها دفاعات جوية. أما الاتجاه الثاني فيشير إلى أن هذه العمليات -وإن كانت تخدم في جزء منها المقاربة الأمريكية العسكرية الجديدة حيال الحوثيين- تمثل جانبًا من جوانب الضغط الأمريكي على إيران؛ لحلحلة موقفها الحالي فيما يتعلق بالاتفاق النووي، وهو ضغط يعمل على إدامة الضغط على طهران، في ظل خسائرها الاستراتيجية مؤخرًا في عدة جبهات.
خلاصة القول، إن العمليات الأمريكية الجارية حاليًا في اليمن تعد أول اختبار ميداني للإدارة الأمريكية الجديدة التي حتى الآن كان رهانها ناجحًا في عدم خروج رد الفعل من جانب الحوثيين عن الحدود السابقة. لكن يطرأ تحدٍ أساسي أمام واشنطن في هذه المرحلة، وهو أن قدرات الحوثيين العسكرية في النهاية لا تزال موجودة وبشكل فعال -كما أثبتت الأيام الأخيرة- ومن ثم يتوقع أن تعمل واشنطن على تصعيد عملياتها العسكرية في اليمن بشكل أكبر وبصورة متعددة الاتجاهات، وإلا ستكون هذه المواجهة بمثابة انتكاسة كبيرة لواشنطن أمام الجماعة المدعومة من طهران. والمعيار هنا يبقى في قدرة واشنطن على إدامة عملياتها الجوية في اليمن، والحد بشكل متدرج من قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات جديدة.
Sources:
Ian Williams and Shaan Shaikh, Report: The Missile War in Yemen, Missile Threat, June 9, 2020, https://2u.pw/MhuMGliKJ (accessed March 17, 2025).
WEAPON SEIZURES IN BAHRAIN, Conflict Arm, March, 2025, https://2u.pw/Wv4Nk6NI (accessed March 17, 2025).
A Maritime Menace: The Houthi Navy, Oryx, January 02, 2023, https://2u.pw/qVRMKOwu (accessed March 17, 2025).
Yemen Live map, Live Universal Awareness Map, March, 2025, https://2u.pw/4f8yQLV69, (accessed March 17, 2025).
باحث أول بالمرصد المصري



