ليبيا

ما قبل الوطية وما بعدها … بداية مرحلة جديدة في معارك غرب ليبيا

ربما كان تصريح عميد بلدية تاجوراء حسين بن عطية، المقرب من إحدى الفصائل الإرهابية المنضوية تحت لواء حكومة الوفاق في طرابلس، وهي الجماعة الإسلامية المقاتلة، والذي وجه فيه التحية للرئيس التركي، ناسبًا إليه الفضل في دخول ميليشيات الوفاق والمرتزقة السوريين لقاعدة الوطية الجوية غربي البلاد، هو التصريح الأكثر تعبيرًا عن حقيقة ما حدث خلال الساعات الماضية غربي البلاد، ودليلًا أضافيًا على أن المعركة في ليبيا باتت ما بين الجيش الوطني وبين الجيش التركي، أكثر منها معركة بين الجيش وبين بعض الميليشيات المدعومة بمئات المرتزقة.

هذا التصريح، وتصريحات مماثلة لعدد من أقطاب حكومة الوفاق، أكدت على أن الدور التركي في السيطرة على قاعدة الوطية الجوية كان أساسيًا، وهو التطبيق العملي للإستراتيجية التركية الجديدة في ليبيا، والتي سبق وتمت الإشارة إليها في مادة سابقة بعنوان (المقاتلات التركية تقترب.. مرحلة استراتيجية وعسكرية جديدة في طرابلس). 

لكن هذه التصريحات تحاول في نفس الوقت، طمس حقيقة ما حدث خلال هذه العملية، وتحاول تصويره على أنه (انتصار) لحكومة الوفاق وقواتها، ونجاح في هزيمة قوات الجيش الوطني، مع أنه بقليل من الواقعية والتجرد، سنجد أن هذا ربما يكون مختلفًا قليلًا عن ما تم بالفعل خلال الساعات الماضية.

بالعودة إلى مجريات الأحداث خلال الشهرين الماضيين، سنجد أن وحدات الجيش الوطني المتواجدة داخل القاعدة، وعلى مدار شهرين كاملين منذ انطلاق هجمات الميليشيات والمرتزقة على هذه القاعدة خاصة، وعلى مواقع تمركز الجيش في شمال غرب البلاد بشكل عام، تمكنت من الصمود بشكل ناجح جدًا، أمام سيل متصل من الهجمات، والتي كان أبرزها هجومين الأول كان أواخر مارس الماضي، والثاني كان في منتصف أبريل الماضي، وقد فشلت ميليشيات الوفاق بشكل كامل في تحقيق هدفها الأساسي، الذي أطلقت من أجل تحقيقه عملية عسكرية أسمتها (غضب البركان)، وهو السيطرة على قاعدة الوطية الجوية، بل أن الأمر تعدى هذا ليصل إلى خسارة هذه الميليشيات لبعض المدن التي تسيطر عليها في الغرب، مثل مدن الجميل ورقدالين والعسة، التي دخلتها وحدات الجيش الوطني عقب صدها للهجوم الواسع على القاعدة أواخر مارس الماضي.

منذ ذلك التوقيت، بدأت وحدات الجيش الوطني في إستشعار تصاعد مستمر في التدخل العسكري التركي، الذي أنتقل إلى مرحلة بات فيها مباشرًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وبدأت مؤشرات هذا التدخل في التراكم بشكل أوضح، منذ الهجوم الرئيسي الثاني على قاعدة الوطية منتصف أبريل الماضي، وهو الهجوم الذي خسرت فيه وحدات الجيش الوطني، المدن التي سيطرت عليها في الشهر السابق، ويمكن تلخيص هذه المؤشرات في ما يلي.

منذ أوائل أبريل الماضي، تم تسجيل تواجد دائم ومستمر، للفرقاطات تابعة للبحرية التركية، بأعداد تتراوح ما بين فرقاطة واحدة إلى أربعة فرقاطات، خلال هذه الفترة وحتى الآن، قامت هذه الفرقاطات بإسناد ميليشيات الوفاق ناريًا عن طريق صواريخ الدفاع الجوي متوسطة المدى (RIM-66E-5)، التي تم بها إستهداف مقاتلات سلاح الجو الليبي وطائراته المسيرة، وهذا تواكب مع عمليات تشويش وإعاقة إلكترونية على مدار الساعة، أنطلاقًا من هذه الفرقاطات، مما ضاعف من الصعوبات التي تواجه وحدات الجيش الوطني في قاعدة الوطية، في ظل كثافة الغارات التي تم شنها على القاعدة ومحيطها، بإستخدام طائرات الدرونز التركية، التي باتت تقلع من مدينة زوارة شمالي القاعدة.

يضاف إلى ذلك، إدخال تركيا لنوع جديد من أنواع الذخائر التي لم يسبق استخدامها في ليبيا، وهي الذخيرة الجوالة الإسرائيلية الصنع (هاروب)، التي عثرت وحدات الجيش الوطني، على حطامها في منطقة تبعد نحو 300 كيلو متر، جنوب شرق مدينة درج القريبة من المثلث الحدودي مع الجزائر وتونس. وهذا لو وضعناه جنباً إلى جنب، مع التحركات الجوية التركية قبالة الساحل الليبي، ونحو المطارات التونسية، (وهنا نشير إلى تهنئة زعيم حركة النهضة التونسية، التابعة للإخوان المسلمين راشد الغنوشي، لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في طرابلس بدخول ميليشياته قاعدة الوطية)، سنصل إلى خلاصة مفادها أن القرار التركي كان حاسمًا، بإستخدام كافة الإمكانات العسكرية المتوفرة، من أجل السيطرة على الغرب الليبي، وهنا أتخذ الجيش الوطني قراره بإخلاء قاعدة الوطية بصورة تدريجية، خاصة بعد خسارة المدن الواقعة شمالي القاعدة، وتحسبًا لتطويقها أو قطع طريق إمدادها الجنوبي.

قرار الأنسحاب التدريجي من القاعدة، ومن ثم دخول نحو ألف مرتزق وميليشياوي إليها، بعد فشلهم على مدار يومين، في الاقتراب من محيطها، وبعد تنفيذ نحو مائة غارة جوية على وحدات الجيش الموجودة داخل القاعدة، وبعد أن أضطرت الفرقاطات التركية إلى أطلاق صواريخ سطح – أرض لأول مرة على الدشم الموجودة داخل القاعدة، كل هذه الأحداث أكدت ان قرار الإنسحاب كان مقررًا منذ فترة طويلة، خاصة وأن الموقف الميداني في محيط القاعدة كان حتى الساعات الأخيرة جيدًا، رغم كل ما سبق ذكره.

الدليل الأساسي على هذا كان نوعية وكمية العتاد والأسلحة التي صادرتها الميليشيات بعد دخولها القاعدة، حيث قام الصحفيون المرافقون لهذه الميليشيات، بالتصوير بجانب الطائرات والاعتدة الموجود بالقاعدة، على أنها غنائم ستتم الاستفادة منها، لكن حقيقة الأمر أنه لا يوجد بالقاعدة حالياً أية مقاتلة أو مروحية صالحة اللتشغيل، 

وبالتالي هذا يؤكد أنه تم بالفعل سحب كافة الطائرات ذات الحالة الفنية الجيدة، ونقلها إلى قاعدتي سرت والجفرة الجويتين. بعض هذه الطائرات، مثل المروحيات الظاهرة في الصورة عاليه، تعد من أسلحة الجيش الليبي العتيقة، وهي النسخ التصديرية الأولى من المروحية السوفيتية (مي 24 أيه)، كما ظهرت في صور أخرى، أجزاء من مقاتلتين من نوع (سوخوي 22) و(ميج 23)، كانتا في الخدمة خلال السنوات الماضية، وتم تفكيكها للاستفادة من أجزائها كقطع غيار بعد تناقص جاهزيتهما الفنية.

عدم العثور على ذخائر جوية (قنابل – صواريخ) صالحة للأستخدام داخل القاعدة، كان دليلًا أخر على أنه تم بالفعل سحب هذه الذخائر إلى قواعد أخرى، لأنه لو كان الانسحاب قد تم تحت نيران الميليشيات، لكانت القاعدة بطائراتها وذخائرها في قبضة هؤلاء الآن. لهذا، اهتمت الميليشيات التي دخلت القاعدة، بشكل رئيسي بمنظومة الدفاع الجوي ذاتية الحركة  (بانتسير)، التي قامت عربتين منها خلال الشهرين الماضيين، بإسقاط عشرات الدرونز التركية، وأفشلت أية محاولة للإغارة على القاعدة، أو إطلاق صواريخ من على متن الفرقاطات التركية في أتجاه مباني القاعدة، ولم تتمكن هذه الفرقاطات من أستخدام صواريخها إلا بعد تدمير أحدى هاتين العربتين، وإعطاب الأخرى خلال الغارات المستمرة على القاعدة أول أمس.

الموقف الميداني الحالي غربي ليبيا

بانسحاب وحدات الجيش الوطني من قاعدة الوطية، ثم من المدن الواقعة جنوبها وهي (تيجي – الجوش – بدر – الريانية)، بدأ الجيش الوطني في إعادة الانتشار في محاور جنوب طرابلس الجنوبية، خاصة محور مطار طرابلس والطريق المؤدى إليه، لأنه من الواضح أن ميليشيات الوفاق ستعمل خلال الفترة المقبلة على اتجاهين رئيسيين، تستهدف من خلالهما السيطرة على مطار طرابلس الدولي، ومدينة ترهونة.

 في الأتجاه الأول، تقوم بتطوير تحركاتها باتجاه الشرق، وتحديدًا نحو منطقتي الكليبة والأصابعة وغوط الريح، لإنهاء تواجد وحدات الجيش الوطني جنوبي مدينة غريان، وبالتالي تأمين حدود المدينة بشكل كامل، وهذا يعني بالضرورة تطوير الهجوم في اتجاه الشرق، وقطع طريق الإمداد الجنوبي لمقر القيادة المتقدم للجيش الوطني في مدينة ترهونة. واليوم تم بالفعل تنفيذ هجوم على مدينة الأصابعة، لكن تمكنت وحدات الجيش الوطني من صده.

في الأتجاه الثاني، ستقوم الميليشيات، مستفيدة من الوضع الجديد في الغرب، بضخ المزيد القوات باتجاه محور طريق المطار، ومحور السواني – العزيزية، لممارسة مزيد من الضغوط الميدانية على المحاور الشمالية والغربية لمطار طرابلس، بهدف إسقاطه.

مكاسب تركيا من سيطرتها على الغرب الليبي

تركيا من خلال تنفيذها الفعلي لهذا الهجوم المستمر منذ شهرين على الغرب الليبي، أرادت تحقيق عدة أهداف أستراتيجية وميدانية، منها تأمين قاعدة متقدمة لها في الغرب، تسمح لها بتشغيل الدرونز القتالية، وتأمين وإعاشة عناصر جيشها المتواجدين في ليبيا، بشكل يمكنهم من تنفيذ المهام الموكلة إليهم، كما أن قرب هذه القاعدة من الحدود التونسية والجزائرية، يمثل دفعة أخرى للجهود التركية في تثبيت أقدامها في شمال أفريقيا، حيث ستمثل هذه القاعدة، في حالة استمرار التواجد التركي فيها، مركزًا لإدارة العمليات التركية على كافة المستويات السياسية والعسكرية في هذه المنطقة. 

استمرارية وجود هذه القاعدة في الحوزة التركية، سيمثل حافز كبير لتفعيل أكثر لبنود الإتفاقية الأمنية والعسكرية بين حكومة السراج وأنقرة، خاصة في ما يتعلق بالشق الاستخباري، حيث ستتحول هذه القاعدة بمرور الوقت، إلى بؤرة أساسية للنشاط الاستخباري التركي في شمال أفريقيا، وهو ما يمثل مخاطر إضافية على الأمن القومي العربي بصفة عامة. ناهيك عن زيادة الضغوط التركية على الداخل الجزائري والتونسي، بعد أن يتسرب له انطباع أن الطرف الرابح في الملف الليبي هو تركيا، وأنه من الحكمة أن يتم دعمه. 

استمرار الوضع القائم في هذه المنطقة، سيجعل الغرب الليبي مسرح لعمليات بحرية وجوية تركية غير محدودة، ستمثل في هذا التوقيت ضربة قوية لعملية (إيريني) البحرية، حيث ستتحجج تركيا بالإتفاقية العسكرية الموقعة مع حكومة السراج، لتبرير تصاعد حركة طائرات النقل العسكري في اتجاه قاعدة الوطية مستقبلًا، وهو ما يعني بالتبعية، شرعنة كاملة للتدخل العسكري التركي في ليبيا، قد يتبعه مزيد من الأسلحة والمنظومات القتالية التركية، التي سيتم ضخها في ليبيا، والتي ستكون قاعدة الوطية، هي منفذ إدخالها للبلاد.

انعكاس هذا الوضع على التموضع التركي في شرق المتوسط سيكون أساسيًا، حيث ستتحول الموانئ الليبية، خاصة ميناء الزاوية، إلى قاعدة بحرية تركية بحكم الأمر الواقع، (وقد يتم هذا بصورة رسمية وتحت ستار الإتفاقية العسكرية بين البلدين)، وستكون هذه القاعدة في تلك الحالة، معززة جويًا عن طريق قاعدة الوطية، وهو ما سيساهم في فرض أمر واقع شرقي المتوسط، سيعزز الرغبة التركية في التنقيب عن الغاز في المياه الاقتصادية الليبية، وسيضيف نقطة أخرى للنقاط التركية في هذا الصدد، بعد تمكنها سابقًا من التنقيب عن الغاز شمال وغرب قبرص، دون أية عوائق.

غضب روسيا المكتوم … وصبر الأقليم يوشك على النفاذ

كان واضحًا من خلال تصريحات مندوب روسيا الإتحادية في مجلس الأمن اليوم، في معرض تعليقه على التطورات الأخيرة في ليبيا، أن غضب موسكو من النهج التركي في ليبيا بشكل عام، وتركيزها بشكل خاص على الدور الروسي، يتزايد يومًا بعد أخر، فقد قال المندوب نصًا “من يطلقون الشائعات عن وجود مرتزقة روس في ليبيا، هم من يعملون على إرسال المرتزقة لها و هي طريقة للتغطية على جرائمهم”، في إشارة لا يمكن أن يحدث جدال حولها لدور أنقرة المدمر في الملف الليبي، وموسكو هنا تستشعر بوادر حملة تركية جديدة على روسيا، أستغلالًا لموضوع منظومة البانتسير التي تم الاستيلاء عليها في قاعدة الوطية.

اللافت في كلام المندوب أيضًا، كانت إشارته لرئيس مجلس النواب الليبي، المستشار عقيلة صالح، حين قال “كل الاطراف في ليبيا تتبنى التصعيد العسكري، وحده عقيلة صالح هو من دعا الى حلول سياسية و هدنة شاملة”، وهذا ربما يكون مؤشر على مراهنة روسية على صالح لإيجاد مخرج سياسي للأزمة الحالية، تضاف إلى مراهنتها من حيث المبدأ على الجيش الوطني الليبي، وهنا لابد من الإشارة إلى أن المستشار صالح تلقى دعوة لزيارة إيطاليا، لبحث الموقف الراهن. 

أهمية هذه المواقف، تأتي من أنها تدعم التقارب الذي حدث بين قيادة الجيش الوطني ومجلس النواب، بعد فشل محاولات بث الخلافات بينهما، على خلفية دعوة المشير حفتر الشعب الليبي، كي يفوضه لإدارة المرحلة القادمة، وهي دعوة أكدت قيادة الجيش الليبي بعد ذلك، أنها لن تكون أبدًا محاولة لإيجاد بديل لمؤسسة ديمقراطية منتخبة مثل مجلس النواب.

ماذا يوجد في جعبة الجيش الوطني

عقب إنهاء الجيش الوطني، لعمليات إعادة انتشاره في محاور العاصمة الجنوبية، خلال الساعات المقبلة، وكذا تأمينه لقاعدتي الجفرة وسرت الجويتين، اللتين تعرضتا أمس لغارتين نفذتهما الدرونز التركية، خاصة قاعدة سرت، التي يجب الإشارة إلى أنها تعد بديلًا ممتازًا لقاعدة الجفرة، نظرًا لسهولة خطوط مواصلاتها، وقصرها بالمقارنة بقاعدة الوطية. بدأت بالفعل منذ مساء أمس، عمليات جوية مكثفة من جانب سلاح الجو الليبي، الذي استخدم قاعدة الوطية، كمصيدة استغل من خلالها تدفق مئات المرتزقة إلى داخلها، من أجل إلحاق خسائر فادحة بهم.

يضاف إلى ذلك، أنه من المتوقع أن تبدأ وحدات الجيش في تركيز جهودها على جبهات جنوب العاصمة، وعلى رأسها (محور صلاح الدين – بوسليم – مشروع الهضبة، ومحور أبو قرين شرقي مصراتة)، مع تفعيل محاور أخرى مهمة، مثل (محور القره بوللي) شرقي العاصمة، وهو محور في حال تم التقدم فيه، سيتم قطع التواصل بين العاصمة ومدينة الخمس.مع العمل على تأمين مدينة ترهونة ومطار طرابلس بشكل أكبر، وذلك عبر عمليات عسكرية خاصة، مدعومة جويًا، بهدف منع إرسال تعزيزات من غرب البلاد إلى هذه الجبهات.

حقيقة أن الجيش الوطني الليبي يسيطر على 90 بالمائة من مساحة ليبيا، تجعل وضعه الميداني الحالي بشكل عام على حاله، حتى وإن تأثر موقفه الميداني في معركة طرابلس بالإنسحاب من قاعدة الوطية، لكن كان لهذا الإنسحاب أسباب وجيهة، على رأسها التدخل التركي المباشر، الذي قد يجعل من تدخل دول الإقليم في ليبيا بشكل مباشر، أمرًا محتومًا وقريبًا جدًا، وربما في الأيام المقبلة، نرى تنفيذ الجيش الوطني الليبي، لعمليات بحرية خاصة، ضد الفرقاطات التركية المتواجدة على الساحل، سواء كانت عمليات صاروخية أو بحرية، وهي عمليات ستؤدى إلى نتائج ممتازة في هذا التوقيت، لأنها من جهة ستؤكد تواجد هذه الفرقاطات ودورها، ومن جهة أخرى ستؤدي إلى خسائر بشرية تركية، وتضرر واضح في (الهيبة) البحرية لأنقرة شرقي المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى