ليبيا

القاهرة والأزمة الليبية .. “نزاهة المواقف وفعالية التدابير “

لا يخفى على كل متابع للشأن الليبي خلال السنوات الماضية، حجم تأثير الدور المصري في مسار الأحداث السياسية والميدانية في هذا البلد، الذي ظل منذ عام 2011، رهناً للتوترات والصراعات الداخلية، والتدخلات الإقليمية غير البناءة والتي لم تكن تهدف إلا لإغراق ليبيا أكثر في مستنقع العنف والدماء، لتسهيل مهمة اختطاف ثروات هذا البلد ومقدراته.

كان الدور المصري في ليبيا نموذجاً لكيفية التعاطي الموضوعي والنزيه مع الشؤون العربية، بحيث يتم الدفع قدماً نحو السلام والتنمية، دون أن يعني ذلك فرض الإرادة أو تحصيل مقابل.

حاولت القاهرة مبكراً الدفع بالوضع الداخلي الليبي نحو الهدوء والإستقرار، وذلك عبر مشاركتها الفعالة في تجمع “دول جوار ليبيا”، الذي تأسس عام 2014، أثناء القمة العربية الإفريقية التي تم عقدها في غينيا الإستوائية، وضم في عضويته بجانب مصر كلا من الجزائر وتونس والسودان وتشاد والنيجر، بالإضافة إلى ليبيا، وذلك بهدف بغرض تقديم الدعم السياسي والأمني لليبيا، وقد عقدت هذه المجموعة منذ ذلك التوقيت سلسلة من الاجتماعات، التي تم من خلالها تقييم الموقف في ليبيا، وبحث سبل تحسين الأوضاع هناك على كافة المستويات.

لم تكتف القاهرة بهذا الإجراء، بل انطلقت في عدة اتجاهات من أجل تهدئة الأوضاع في ليبيا، فشكلت “اللجنة المصرية المعنية بليبيا”، لتكون نقطة إنطلاق لكل الجهود المصرية الرامية إلى إيجاد حلول للمعضلات المختلفة في ليبيا.

فعلى المستوى العسكري، كانت القاهرة سباقة في التنبه إلى خطورة الإنقسام الذي تعاني منه هذه المؤسسة، ما بين شرق ليبيا وغربها، لهذا أطلقت مسارا لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، عبر سلسلة من جولات المحادثات بين ممثلي القيادة العسكرية الليبية في كل من الشرق والغرب، كانت بدايتها في  الثامن عشر من سبتمبر عام 2017، وانعقدت الجولة السابعة من هذه المحادثات في أكتوبر 2018.

كانت حصيلة هذه الاجتماعات هي الأساس الذي تم البناء عليه خلال الاجتماعات العسكرية المشتركة التي احتضنتها مدينة الغردقة المصرية يومي 28 و29 سبتمبر عام 2020، بين وفدين يضمان ضباطاً من الجيش والشرطة يمثلان حكومة الوفاق الوطني والقوات المسلحة الليبية، برعاية بعثة الأمم المتحدة.

وأفضت هذه الاجتماعات إلى تنظيم عدة اجتماعات للجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5)، للمرة الأولى على التراب الليبي، وآخر هذه الاجتماعات احتضنته مؤخراً مدينة سرت، وأسفر عن تقدم كبير في هذا المسار الذي يعتبر أساسياً لتهدئة الأوضاع العسكرية والأمنية في البلاد.

على المسار السياسي، بدأت القاهرة في ديسمبر 2016، بحث إمكانية التوصل لحل سياسي للأزمة الليبية، حيث استضافت عددا من الشخصيات الليبية المهتمة بالشأن العام، بحضور رئيس الأركان المصري آنذاك محمود حجازي، ووزير الخارجية سامح شكري.

واتفق المجتمعون على أن اتفاق “الصخيرات” يعد أساسا للحل السياسي في ليبيا، مع إدخال بعض التعديلات عليه. في فبراير 2017، احتضنت القاهرة عدة اجتماعات ضمت عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي، وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية آنذاك، وعددا من أعضاء المجلس الرئاسي والقائد العام للجيش الليبي، وأعضاء من مجلسي النواب والأعلى للدولة، وممثلي أعيان وقبائل ليبيا، وقد تم خلال هذه الاجتماعات الاتفاق على البدء في مراجعة تشكيل وصلاحيات المجلس الرئاسي، ومنصب القائد الأعلى للجيش الليبي، والتجهيز لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في غضون عام.

ادى بدء معركة طرابلس في أبريل 2019، إلى تجميد الجهود المصرية لدفع المسارات السياسية والعسكرية الليبية قدماً، لكن لم تتوقف المحاولات المصرية لإنهاء المعارك وإيقاف نزيف الدم، ويمكن اعتبار مواقف الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي صرح بها خلال كلمته ضمن فعاليات قمة رؤساء دول وحكومات الإتحاد الإفريقي، وقمة مجلس السلم والأمن الإفريقي حول ليبيا ومنطقة الساحل، اللتين عقدتا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في فبراير 2020، بمثابة المحددات الأساسية لموقف القاهرة من الأزمة الليبية في ظل المستجدات التي طرأت بعد بدء معارك طرابلس.

حيث حذر الرئيس السيسي مبكراً من الخروقات التركية للتوافق الدولي الذي تم التوصل إليه خلال مؤتمر برلين حول ليبيا في يناير 2020، خاصة ما يتعلق بالخط الجوي والبحري الذي دشنته تركيا، لنقل المرتزقة من الأراضي السورية إلى ليبيا، وأكد أن هذا النهج ستكون له تداعيات خطيرة على الداخل الليبي، وسيتسبب في استمرار المعارك الميدانية، وفي تهديد أمن دول جوار ليبيا، ودول الساحل والصحراء.

تحدث السيسي أيضاً عن الملف الإقتصادي الليبي، وأكد حينها ضرورة ضمان التوزيع العادل للثروة، واللافت هنا أنه بالتزامن مع مشاركة مصر في هذا الأجتماع، كانت القاهرة تحتضن أولى جولات بحث المسار الإقتصادي الليبي، برعاية البعثة الأممية للدعم في ليبيا، والتي تم خلالها مناقشة مسألة توزيع الثروة، جانب قضايا أخرى مثل توحيد المؤسسات الاقتصادية والنفطية، وعلى رأسها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.

تلا هذا الموقف من جانب مصر، سلسلة من المواقف المفصلية الحاسمة، التي فرضت بشكل نهائي وقفاً دائماً لإطلاق النار، بعد نحو عام من المعارك التي شهدتها التخوم الجنوبية والغربية للعاصمة الليبية. نقطة الإنطلاق في هذه المواقف كانت في شهر يونيو 2020، عبر إعلان الرئيس المصري عن فرض القاهرة “خط أحمر” أمام القوات المتقاتلة في غرب ليبيا، يشمل مدينتي سرت والجفرة وسط البلاد، وذلك بهدف فرض إيقاف القتال على كافة الأطراف المتحاربة، وترافق هذا الإعلان مع كشف النقاب عن مبادرة مصرية تحت اسم “إعلان القاهرة”، تم فيها التأكيد على وحدة وسلامة الأراضي الليبية، واحترام كافة الجهود والمبادرات الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والدعوة إلى وقف كامل لإطلاق النار في ليبيا، كما تضمنت بنوداً تتعلق بـ المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية، كانت بمثابة خريطة طريق متكاملة للتسوية النهائية للأزمة الليبية، وأساساً تم البناء عليه في كافة الخطوات اللاحقة لحل الملف الليبي.

في يوليو 2020، أضافت القاهرة إلى خطواتها المتسارعة للحل في ليبيا، مبادرة غير مسبوقة، أستضافت من خلالها ممثلي قبائل وأعيان ليبيا، تحت شعار (مصر وليبيا شعب واحد.. مصير واحد)، وقد أرادت من هذه الخطوة توسيع دائرة تواصلها في ليبيا لتشمل كافة مكونات المجتمع الليبي، وترسيخ عدة قيم ومبادئ مهمة في العلاقات العربية – العربية، منها إعادة الاعتبار لدور القبائل الليبية، كلاعب أساسي ومهم لاغني عنه في المعادلة الليبية، تعرض للتهميش طيلة السنوات الماضية، من المجتمع الدولي وبعض الدول الأقليمية، وهذا كان سبباً أساسياً في استفحال الأزمة الليبية طيلة السنوات الماضية، كذلك تريد القاهرة التأكيد على أن المحدد الأساسي والوحيد لأي انخراط لها في الميدان الليبي، هو تواجد توافرت له الشرعية الكاملة، ممثلة في الثالوث الليبي (البرلمان – القبائل – الجيش الوطني)، وبالتالي يعد تجاوب مصر مع مطالب هذه الأطراف، هو ترسيخ التوجه المصري نحو تفعيل الإرادة الحرة الليبية، التي ترفض الإرهاب والإحتلال، وتدعم العمل العربي المشترك، لإيصال ليبيا إلى بر الأمان.

وقد أكد السيسي خلال هذا اللقاء، أن مصر ملتزمة بحفظ وحماية الأمن القومي الليبي، وأنها ستتحرك بكل قوة في حالة محاولة أي طرف اختراق خط سرت – الجفرة، وحينها سيكون التدخل المصري مؤثراً بشكل سيغير المشهد العسكري على الأرض بحسم وسرعة فائقة، نظراً لأن القوة العسكرية المصرية مصنفة ضمن أقوى القوى العسكرية في المنطقة، وقال حرفياً “إن الخطوط الحمراء التي أعلناها في سيدي براني هي بالأساس دعوة للسلام وإنهاء الصراع في ليبيا، إلا أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة أية تحركات تشكل تهديداً مباشراً قوياً للأمن القومي ليس المصري والليبي فقط وإنما العربي والإقليمي والدولي”.

حصيلة المواقف السالف ذكرها كان توصل الأطراف المتقاتلة في ليبيا لاتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، وقد سارعت القاهرة إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات للبناء على هذا التطور المهم في الأزمة الليبية، والذي كان إعلان القاهرة وخط سرت – الجفرة الأحمر من أهم أسبابه، فاستضافت في نفس الشهر اجتماعات بحث المسار الدستوري الليبي، وبدأت في نفس التوقيت في خطوات سياسية لبناء الثقة مع بعض المكونات الليبية التي شابت علاقاتها مع القاهرة بعض الشوائب خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً المكونات الموجودة في العاصمة الليبية طرابلس، فاستضافت في سبتمبر 2020، وفد غير مسبوق من الغرب الليبي، يضم في عضويته خمسة من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، مضافاً إليهم أربعة من نواب البرلمان عن طرابلس، وقد كانت هذه الإستضافة مفصلية، لإنها أكدت أن القاهرة ترغب في إستيعاب كافة المكونات الليبية بلا إستثناء أو إقصاء، وقد تم خلال هذه الزيارة، مناقشة عدة ملفات أساسية منها مسألة الإنتخابات التشريعية، وإعادة تفعيل مشروع الدستور، وملف إعادة هيكلة المجلس الرئاسي.

وطدت القاهرة بشكل اكبر علاقاتها مع غرب ليبيا، فأرسلت في ديسمبر 2020، وفداً رفيع المستوى، ترأسه مدير إدارة ليبيا في وزيرة الخارجية المصرية، السفير محمد أبو بكر عبد الفتاح، إلى العاصمة الليبية، وعقد هذا الوفد سلسلة من المباحثات مع كبار المسئولين في حكومة الوفاق آنذاك، على رأسهم وزير الخارجية محمد سيالة، ووزير الداخلية فتحي باشاغا، ونائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق، وقد كانت هذه الزيارة بمثابة نقطة أساسية في الدفع نحو مزيد من حلحلة القضايا العالقة في ليبيا على كافة المستويات، خاصة وانه أثبتت للمكونات الليبية في الغرب الليبي أن القاهرة منفتحة على كافة الأطراف الليبية، وان رعايتها للمساعي الرامية إلى إيجاد حلول شاملة للأزمات الليبية هي رعاية نزيهة وصادقة، لا تقصى أحداً. خلال هذه الزيارة تم بحث آليات إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها بين الجانبين، وبحث إمكانية عودة السفارة المصرية في طرابلس إلى مزاولة نشاطها، ومناقشة سبل تدعيم وقف إطلاق النار.

بالنظر لما سبق، لم يكن مستغرباً أن تكون القاهرة هي أولى المحطات الخارجية لرئيس المجلس الرئاسي الليبي الجديد محمد المنفي، الذي زار القاهرة في مارس الماضي، وعبر عدة مرات عن امتنانه للدور المصري، الذي ساهم بشكل رئيسي في تشكيل حكومة جديدة ومجلس رئاسي جديد في ليبيا، وطلب المنفي في هذه الزيارة من القاهرة أن توسع من دائرة دعمها لليبيا على كافة المستويات، لإكمال المسار السياسي الذي تستهدف من خلاله الحكومة الجديدة، الوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية في ديسمبر 2021.

.

عززت القاهرة علاقاتها مع الغرب الليبي، عبر زيارة قام بها إلى العاصمة الليبية في أبريل الماضي، وفد وزاري مصري كبير  برئاسة رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، تضمنت هذه الزيارة البحث في سبل دعم الدولة الليبية على كافة المستويات، وتم خلالها توقيع احدى عشر وثيقة للتعاون بين الجانبين في مجالات المواصلات والنقل، ومشروعات الطرق والبنية التحتية، والقطاع الصحي، وهو ما تحتاجه ليبيا بشدة في المرحلة الحالية، نظراً لما أصاب بنيتها التحتية من أضرار بالغة نتيجة سنوات الصراع الميداني الطويلة.

أخر مظاهر الدعم المصري لليبيا، تمثلت في زيارة هامة قام بها الشهر الجاري، مدير جهاز المخابرات العامة المصرية، الوزير عباس كامل، إلى العاصمة الليبية طرابلس، ومدينة بنغازي شرقي البلاد، عقد خلالها سلسلة من اللقاءات مع كافة مراكز صنع القرار الليبية، حيث التقى برئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر.

هذه الزيارة تضمنت عدة جوانب هامة تمثل جوهر الذهنية المصرية الحالية في ما يتعلق بالملف الليبي،أبرزها التأكيد على توجهات القاهرة الدافعة في اتجاه دعم التوافق بين الليبيين – كل الليبيين بلا استثناء – وهو توجه لا يتوقف فقط على مجرد الإعراب عن الآمال والأمنيات، بل يتعداه ليصل إلى حد العمل الفعلي على الأرض لتجميع الليبيين على أرضية توافقية واحدة، يضاف إلى ذلك دعم الشعب الليبي فعلياً عن طريق تفعيل مذكرات التفاهم الإقتصادية بين مصر وليبيا، والمساهمة بشكل أكبر في الجهود المبذولة لإيصال المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى نتائج إيجابية نهائية.

من النقاط اللافتة في التعاطي المصري مع الملف الليبي، أن القاهرة كانت دوماً حريصة على تحفيز دور المؤسسات الدولية، والعمل على إنجاح كافة المبادرات السياسية الدولية والإقليمية الرامية لحل الملف الليبي، فشاركت بفعالية في مؤتمر باريس حول ليبيا، الذي تم عقده في مايو 2018، وكذلك في مؤتمر باليرمو الذي عُقد في نوفمبر من نفس العام، ثم كانت مشاركتها الفعالة في مؤتمر “برلين-1” الذي عُقد في شهر يناير 2020، بمثابة أولى خطوات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في ليبيا، وبدء مسارات سياسية وأقتصادية وعسكرية لحل الملفات العالقة، وهو ما عرضته القاهرة خلال هذا المؤتمر، الذي شارك فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأبرز حينها خطورة التدخلات الأقليمية الغير بناءة في الملف الليبي، ودشن تفاهمات أساسية مع دول مثل روسيا وفرنسا وإيطاليا بشأن سبل الحل في ليبيا، ساهمت في توسيع دائرة الثقة الدولية في قدرة مصر على تصدر جهود الحل في ليبيا، ولهذا تمت دعوة القاهرة للمشاركة في اجتماع “برلين-2” حول ليبيا، الذي سيعقد الشهر الجاري، بهدف بحث ما تبقى من ملفات عالقة، وعلى رأسها ملف المرتزقة والقوات الأجنبية، وهو ملف للمفارقة كان قد حذر منه الرئيس السيسي أوائل عام 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى