الأزمة الأوكرانيةأوروباروسيا

المقاربات البعيدة… الأزمة الأوكرانية بين شتاء فنلندا وربيع براغ

دخلت الأوساط الغربية -السياسية منها والعسكرية- خلال الأسابيع الأخيرة، في خضم مقاربات معمقة، تستشرف من خلالها ماهية التكتيكات التي تستهدف الولايات المتحدة وحلف الناتو دعم كييف بها في حالة بدء الغزو العسكري الروسي لأراضيها. السواد الأعظم من هذه المقاربات اتخذ من “حرب الشتاء” التي دارت رحاها بين القوات السوفيتية والجيش الفنلندي أواخر نوفمبر 1939 نموذجًا يمكن البناء عليه في تحديد الرؤية الغربية في كيفية مواجهة التحرك الهجومي الروسي “المرتقب”.

هذه المقاربة، تتجاهل بشكل تام فوارق عديدة بين الحالة السوفيتية في ذلك التوقيت، والحالة الروسية في الوقت الحالي. ناهيك عن تجاهلها أيضًا لعدة أزمات سابقة، أثبتت موسكو فيها القدرة على المضي قدمًا في تحركاتها العسكرية الميدانية، بتكتيكات هجينة تجمع بين مبدأ “الحرب الخاطفة”، الذي اتبعته القوات النازية في الحرب العالمية الثانية، وبين المبادئ العسكرية الحديثة، المستقاة من تجارب موسكو في الميادين القتالية المشابهة للميدان الأوكراني، مثل حرب “أوسيتيا الجنوبية”، وعملية السيطرة على شبه جزيرة القرم، ومؤخرًا التدخل العسكري السريع في  كازاخستان، ناهيك عن الخبرة الروسية في الميادين القتالية غير المتماثلة، مثل أفغانستان وسوريا، وبعض الدول الأفريقية.

دروس الماضي.. حرب الشتاء الفنلندية وربيع براغ

المقارنة التي يعقدها البعض بين أوضاع القوات الفنلندية والسوفيتية في شتاء عام 1939 وبين أوضاع القوات الأوكرانية والروسية في الشتاء الحالي ربما تكون منطقية بشكل عام؛ إذ كانت القوات السوفيتية تناهز ثلاثة أضعاف القوات الفنلندية، عشية بدء العمليات السوفيتية بهدف السيطرة على كامل الأراضي الفنلندية بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بثلاثة أشهر فقط. 

ورغم أن التفوق السوفيتي كان كاسحًا، سواء فيما يتعلق بأعداد الجنود، أو فيما يتعلق بالدبابات والطائرات القاذفة، إلا أن القوات الفنلندية -قليلة العدد- تمكنت من التماسك نتيجة لعدة عوامل، منها فاعلية نظام التعبئة العامة الذي كانت فنلندا تطبقه في ذلك التوقيت، وسمح لها بالتجنيد السريع لكافة الوحدات الاحتياطية المتوفرة لديها.

يضاف إلى ذلك إجبار الظروف الميدانية القوات السوفيتية على تنفيذ تحركاتها الهجومية من اتجاه واحد فقط وهو الخط الحدودي الفاصل بين الاتحاد السوفيتي وشرقي فنلندا، والذي أقام الجيش الفنلندي على كامل نقاطه خطًا دفاعيًا تمت تسميته “خط مانرهيم”. 

التضاريس وحالة خطوط المواصلات في مناطق الانفتاح القتالي السوفيتي كانت عاملًا أساسيًا في عدم الاستفادة الميدانية من التفوق السوفيتي في أعداد الدبابات، سواء لعدم توفر خطوط السكك الحديدية الكافية لنقل الوحدات المدرعة إلى قرب الخطوط الأمامية، أو قلة أعداد الطرق المعبدة.

هذه العوامل جميعها، تضاف إلى ضعف البنية القيادية في الجيش السوفيتي، بعد عمليات التطهير واسعة النطاق التي تمت قبل هذا الهجوم بنحو عامين، من جانب المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية، وفيها تم عزل وسجن وإعدام آلاف الضباط السوفييت ذوي الأصول البولندية أو الذين كانت لهم ميول معارضة للحزب الشيوعي السوفيتي، وهو ما أثر بشكل كبير على أداء الوحدات السوفيتية في هذه الحرب.

وهذا كان واضحًا خلال مسار المعارك؛ إذ خسرت الجيوش السوفيتية الأربعة التي شاركت في الحرب أعدادًا كبيرة من جنودها، فقط لأن هؤلاء الجنود كانوا يلجؤون بعد دخولهم إلى قرية او مدينة ما إلى الراحة وعدم تأمين المحيط الخارجي، ما أوقعهم في عدة كمائن مميتة، مثل ما حدث في معركة مدينة “إيلومانتسي” في ديسمبر 1939، التي خسر فيها السوفييت عشرات الجنود، وكانت وغيرها من المعارك التي خسرها الجيش السوفيتي في هذه الحرب التي امتدت لنحو 3 شهور، من أهم أسباب قيام الرايخ الثالث في ما بعد بغزو الأراضي الروسية، اعتمادًا على أن المعركة ستكون سهلة نظرًا لضعف أداء الجيش السوفيتي بشكل عام أمام القوات الفنلندية.

على الجانب الآخر، تطرح بعض الأوساط الغربية نموذج تدخل حلف وارسو في تشيكوسلوفاكيا السابقة، في أغسطس عام 1968، كمثال قريب لما يمكن أن يكون الحال عليه إذا ما تدهورت الأوضاع الميدانية بين موسكو وكييف. هذا المثال يحمل في طياته عنصرين أساسيين ربما يرتبطان بشكل او بأخر بالأزمة الأوكرانية، الأول هو حقيقة أن التحرك العسكري لقوات حلف وارسو، وبشكل محدد القوات السوفيتية والبولندية والمجرية والبلغارية في اتجاه مدينة براغ، جاء بعد أن قامت هذه القوات بعمليات تمويه تم فيها جمع القوات المشاركة في الهجوم تحت ستار تنفيذ “عمليات تدريبية”.

العنصر الثاني يكمن في أن بعض المحللين يرون إمكانية كبيرة لحدوث “مقاومة مدنية” من جانب السكان الأوكرانيين في حالة ما إذا اجتاح الجيش الروسي مدنهم، على غرار ما قام به السكان في تشيكوسلوفاكيا، حين قاموا بتضليل القوات السوفيتية وذلك بأن غيروا أسماء بعض القرى والمدن والشوارع. 

ورغم بعض التشابهات النظرية بين حرب الشتاء الفنلندية وتدخل حلف وارسو في تشيكوسلوفاكيا، وبين الحالة المعاشة حاليًا بين موسكو وكييف، إلا أن واقع الحال يشير إلى تباينات جذرية بين هذه الحالات التاريخية وبين الوضع القائم حاليًا، منها: ما يتعلق بخريطة الانتشار العسكري الروسي الحالي في المحيط الإقليمي لأوكرانيا، وتعدد الاتجاهات المحتمل انطلاق القوات الروسية منها في اتجاه العمق الأوكراني، وهو ما لم يتوفر في الحالات السابق ذكرها.

يضاف إلى ذلك عوامل أخرى أهمها وجود “قوات رديفة” للجيش الروسي في منطقة الدونباس شرقي أوكرانيا (لوهانسك – دونيتسك)، انخرطت بشكل فعلي في المعارك ضد القوات الأوكرانية منذ عام 2015 وحتى الآن، وباتت لها مواقع ثابتة وخطوط دفاعية مستدامة، تجعل من السهل على القوات الروسية -في حالة ما إذا كان الهدف المرحلي لهجومها هو تأمين النطاق الشرقي الأوكراني- أن تدخل إلى هذه المواضع دون مقاومة تذكر.

التكتيك الروسي في الحشد العسكري واسع النطاق

بالعودة إلى المقارنات التاريخية، سيكون من المنطقي أيضًا أن نقارن بين الحشود الروسية الحالية على التخوم الأوكرانية، والحشود التي تم الدفع بها في مارس الماضي، وهي مقارنة تُظهر بشكل واضح أن الأعداد التي تستهدف موسكو حشدها في كافة نقاط الحشد هي فعليًا أكبر بكثير من العدد الذي تم حشده العام الماضي وبلغ ما بين 80 و120 ألف جندي، حيث تشير التقديرات الغربية إلى أن موسكو تستهدف بحلول نهاية الشهر الجاري حشد مائة كتيبة كاملة التجهيز في المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية والجنوبية الغربية لأوكرانيا، بإجمالي يتراوح بين 170 و200 ألف جندي.

على مستوى تكتيكات التحرك، يبدو من النمط المتبع من جانب الوحدات العسكرية الروسية الجاري نقلها، أنها تتبع أسلوبًا يجعل من الصعب تحديد حجم التشكيلات التي يتم حشدها وعديدها وعتادها بشكل دقيق، وهو أسلوب يضع الطرف الآخر تحت ضغط مستمر نتيجة علنية هذه الحشود.

يلاحظ أيضًا منذ مارس الماضي، أن أي انسحاب لأي وحدة قتالية من مواقعها قرب الحدود مع أوكرانيا، يتم بالأفراد فقط دون المعدات، التي يتم تركها في أماكنها بشكل واضح وظاهر لعمليات الاستطلاع الجوي المعادية، وهذه النقطة بالذات يمكن ملاحظتها من خلال التسجيلات الوفيرة للوحدات العسكرية الروسية التي يتم نقلها عبر السكك الحديدية؛ إذ يبدو أن عمليات الحشد السابقة أعطت الجيش الروسي القدرة على رصد وتتبع وسائط نقل المعلومات عن تحركات قواته، بحيث يستخدم هذه الوسائط لنقل الرسائل الإعلامية التي يريدها إلى الطرف الآخر، وهذا ربما يفسر ظهور بعض المنظومات النوعية والقديمة ضمن المعدات التي يتم نقلها.

يضاف إلى ما سبق، أن الوحدات الروسية أثناء تحشدها الحالي، تستخدم نفس مسارات ونقاط التجميع التي كانت متبعة العام الماضي، حيث تم نقل الوحدات التابعة للمنطقة الجنوبية والمنطقة الغربية ومنطقة موسكو نحو مواقعها قرب الحدود الأوكرانية، انطلاقًا من نقاط حشد أساسية وهي مدن “فولجوجراد” و”فورونيج” و”يلينا”، حيث تم توزيع القوات انطلاقًا من هذه النقاط في عدة اتجاهات تشترك جميعها في أنها تحيط بالأراضي الأوكرانية.

ففي اتجاه الشمال الشرقي، تم الدفع بالقوات إلى مدن “بيلوجراد” و”لاجوف” و”كليموفو”، وتبعد تلك الأخيرة عن الحدود مسافة 18 كيلو مترًا فقط. أما في اتجاه شرق الحدود الأوكرانية، يتم الدفع بالقوات باتجاه مدينتي “روستوف دون” و”تاجنوروج”، ومنها بحرًا نحو التخوم الشرقية لمدينة “ماريوبل” التي تسيطر عليها أوكرانيا. 

أما جنوبًا، فتم الدفع بالقوات في اتجاه مدينتي “ستافروبول” و”كراسوندار”، ومن ثم عبر الجسر العابر لمضيق كيرتش في اتجاه شبه جزيرة القرم. يضاف إلى ما سبق، حشود إضافية تم الدفع بها في اتجاه المناطق القريبة من المثلث الحدودي بين أوكرانيا وروسيا وروسيا البيضاء، خاصة مدينة “كلينتسي”. وهنا يجب الإشارة إلى الوجود العسكري الروسي في جمهورية “ترانسنيستريا” الانفصالية شرقي مولدوفا، وتحديدًا تمركز مجموعة عمليات خاصة مكونة من 1500 جندي في مدينة “تيراسبول”. ويعد هذا الاتجاه هو المحور الهجومي الروسي الوحيد المحتمل في الجهة الغربية لأوكرانيا.

روسيا البيضاء وخطوة التطويق شبه الكامل لكييف

النقطة الأساسية التي يمكن عدّها اختلافا جوهريًا بين الحشد الروسي الحالي وحشود مارس الماضي هي دخول أراضي روسيا البيضاء، كمحور جديد للهجوم الروسي المحتمل على أوكرانيا، حيث بدأت موسكو منذ أوائل الشهر الجاري، في نقل وحدات جوية وبرية تابعة للمنطقة الشرقية العسكرية، نحو أراضي روسيا البيضاء؛ بدعوى إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع جيش روسيا البيضاء الشهر المقبل، في نطاق القسم الغربي من البلاد. هذا التطور جعل الشكوك الغربية في احتمالية تحول عمليات الحشد الروسية إلى هجوم واسع النطاق على أوكرانيا تتزايد، خاصة بعد وصول سربين من مقاتلات “سوخوي-35” وقاذفات “سوخوي-25” إلى روسيا البيضاء، وكذا ظهور عدة مستجدات مقلقة لكييف فيما يتعلق بالحشد الروسي في روسيا البيضاء.

الملاحظة الأولى في هذا الصدد كان انتشار الوحدات الروسية التي وصلت إلى روسيا البيضاء، في مقاطعات أخرى بخلاف المقاطعات الثماني التي من المقرر أن تحتضن مناورات الشهر القادم، حيث اقتربت هذه الوحدات حثيثًا من خط الحدود بين أوكرانيا وروسيا البيضاء، ووصلت إلى بلدة “يالسيك”، التي تبعد 18 كيلو مترًا فقط عن الحدود. 

الملاحظة الثانية تتعلق بأعداد القوات التي تم نقلها إلى روسيا البيضاء، فقد تحدثت نقابة السكك الحديدية في البلاد عن أن إجمالي عدد القطارات التي ستنقل معدات وأفراد الجيش الروسي المشاركين في المناورات المرتقبة، يصل إلى 200 قطار، يتزود كل منها بمتوسط عدد عربات ومقطورات يبلغ 57 عربة لكل قطار، وهو ما يعني عمليًا أن الكتائب الروسية التي تم نقلها تتراوح بين مائة ومائة وأربعين كتيبة، وهذا عدد كبير من الوحدات العسكرية، خاصة لو وضعنا في الاعتبار أنه خلال المناورات المشتركة بين روسيا وروسيا البيضاء عام 2017، تم استخدام 46 قطارًا فقط لنقل الوحدات الروسية.

الملاحظة الثالثة تتعلق بعامل مهم كان ينقص الحشد الروسي السابق في مارس الماضي، ألا وهو منظومات الدفاع الجوي ذاتية الحركة، حيث نقل الجيش الروسي إلى روسيا البيضاء وأيضًا إلى نطاق الحدود مع أوكرانيا عشرات وسائط الدفاع الجوي المختلفة، على رأسها بطاريتين من منظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى “إس-400″، تم نقلها إلى روسيا البيضاء، بجانب منظومات أخرى من بينها منظومة “بوك-إم2″ و”بانتسير” و”أوسا”، مع ملاحظة أن الجيش الروسي دفع أيضًا بمنظومة تعد هي الأفضل والأحدث ضمن المنظومات المتوسطة المدى، وهي منظومة “بوك-إم3”.

بالإضافة إلى المنظومات الهجومية الثقيلة من مدفعية وراجمات صواريخ ودبابات وناقلات جند مدرعة، لوحظ في الحشد الحالي الدفع بمنظومات نوعية لم تظهر خلال الحشود السابقة، منها الجسور الميدانية “PP-2005” والعربات البرمائية “PTS-2″، وكليهما تم استخدامه في عمليات الجيش الروسي في سوريا، وتستخدمان في عبور الموانع المائية “مثل الأنهار”. 

يضاف إلى ذلك منظومة الاستطلاع المقاومة للهجمات الكيميائية “Kashalot” وهي مخصصة لتنفيذ عمليات الاستطلاع في المناطق المشعة او التي تنشط فيها عوامل كيمائية مميتة، وربما يكون لوجودها علاقة بعامل ميداني أساسي فيما يتعلق بالحدود بين روسيا البيضاء وأوكرانيا، ألا وهو منطقة “تشيرنوبل”، التي تقع بين العاصمة كييف والحدود مع روسيا البيضاء، وتعاني من تلوث إشعاعي منذ عقود بسبب انفجار مفاعل نووي سوفيتي فيها. كذلك ظهر خلال عمليات النقل عبر السكك الحديدية، عربات الحرب النفسية “ZS-88” وهي نوع من ناقلات الجند المدرعة، مثبت عليها مكبرات صوت بهدف بث الرسائل الصوتية المستمرة للتأثير على معنويات جنود العدو.

منظومات الحرب الإلكترونية كانت حاضرة بشكل واضح في المعدات التي يتم نقلها إلى الحدود الأوكرانية وأيضًا إلى روسيا البيضاء، من بينها منظومة “Borisoglebsk-2” ومنظومة “كراسوخا” التي تمت تجربتها في سوريا. اللافت هنا أن المناورات الروسية الأخيرة في نطاق المنطقة العسكرية الغربية قامت بتنفيذ تدريبات مخصصة للتعامل مع الطائرات القتالية بدون طيار من نوع “بيرقدار”، عن طريق التشويش على مستشعراتها الكهروبصرية بواسطة منظومة الحرب الإلكترونية “Palantin”، وهو ما يشير بوضوح إلى وعي موسكو بنقاط القوة التي تمتلكها كييف حاليًا، خاصة أن الجيش الأوكراني استخدم قتاليًا هذا النوع من الطائرات للمرة الأولى في أكتوبر الماضي، لقصف بطارية مدفعية ميدان تابعة للانفصاليين في منطقة الدونباس شرقي البلاد. 

التحرك الروسي في روسيا البيضاء جعل السيناريو الأقرب للتحقق ميدانيًا في حالة بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، هو السيناريو الذي ستشمل التحركات الروسية فيه كافة الأراضي الواقعة شرق نهر “دنيبر”، بما في ذلك المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية والشمالية الشرقية لأوكرانيا، والعاصمة كييف. 

وذلك عبر تحركات متزامنة من المحور الشمالي، سواء من خلال ممر “تشيرنوبل” الذي يعد هو الأقصر للوصول إلى العاصمة من الشمال، أو من خلال ممرات أخرى مماثلة، يتزامن التحرك فيها مع اجتياح للمقاطعات الشرقية، بجانب تحرك مزدوج من شبه جزيرة القرم؛ بهدف خلق اتصال جغرافي مع منطقة الدونباس، وكذا تأمين منطقة سد “خيرسون”، الذي يهدد المصدر الأساسي لمياه الشرب الخاصة بشبه الجزيرة. هذا السيناريو قد يحدث أيضًا لكن بدون التوجه إلى العاصمة. جدير بالذكر، أن كييف قامت منذ نحو شهرين، بنشر نحو 7500 فرد إضافي في نطاق الحدود مع روسيا البيضاء، بما في ذلك منطقة تشيرنوبل.

هامش مناورة ضيق لحلف الناتو وواشنطن

في ظل التعزيزات الروسية المتلاحقة، يجد الرئيس الأمريكي جو بايدن نفسه مضطرًا لإبداء ردود فعل ميدانية، من أجل طمأنة الحليف الأوكراني من جهة، ومن جهة أخرى عدم إرسال رسائل مغلوطة إلى موسكو، مفادها أن الغرب سيقف موقف المتفرج كما حدث عندما تم ضم شبه جزيرة القرم لموسكو. المعضلة في هذا الصدد تكمن في أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول أن تكون منضبطة في ردود فعلها، كي لا تستفز موسكو بشكل قد يدفعها إلى تصعيد الأمور أكثر في هذه المرحلة.

بشكل عام، يبحث بايدن في إمكانية توسيع الدور الغربي في أوكرانيا ودول أوروبا الشرقية، كورقة أساسية للمناورة ضد روسيا في هذا المضمار. تفعيل هذه الورقة يضمن عدة خيارات، من بينها أرسال ما بين 1000 و5000 جندي أمريكي إلى أوروبا الشرقية، وهنا لابد من ملاحظة ان واشنطن لا ترغب في نشر هؤلاء في أوكرانيا نفسها، وهو ما تفهمه موسكو جيدًا. 

وجاهة هذا المقترح تكمن في أن نشر هؤلاء الجنود، في دول مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، سيرسل رسائل لموسكو تتضمن إمكانية توسيع انخراط حلف الناتو في هذه الدول، وهو ما يمثل هاجسًا استراتيجيا بالنسبة لصانع القرار في الكرملين. جدير بالذكر أنه ينتشر في أوكرانيا حاليًا 150 مستشارًا عسكريًا أمريكيًا، وفي بولندا نحو 4000 جندي أمريكي و1000 جندي من حلف الناتو، بجانب 4000 جندي من الحلف ينتشرون في مناطق متفرقة في دول بحر البلطيق.

الخطوة الأمريكية الميدانية الأساسية التي تم اتخاذها دعمًا لأوكرانيا حتى الآن تتلخص في إقرار مساعدات عسكرية عاجلة بقيمة 200 مليون دولار، وقد بدأت واشنطن إرسال هذه المساعدات بالفعل إلى أوكرانيا، حيث وصلت الشحنة الأولى منها مساء السبت الماضي، ووصلت الثانية مساء أمس، وتضمنت صواريخ “جافلين” المضادة للدبابات وذخائر أخرى. وكذا، منحت واشنطن الإذن لبعض الدول الحليفة كي تزود أوكرانيا بمساعدات عسكرية طارئة، إذ ستقوم إستونيا بتزويد أوكرانيا بالمزيد من صواريخ “جافلين”، في حين تقوم كل من ليتوانيا ولاتفيا بتزويدها بصواريخ “ستينجر” المضادة للطائرات. بريطانيا كذلك دخلت ضمن قائمة الدول التي ستزود أوكرانيا بصواريخ مضادة للدبابات، بواقع 2000 صاروخ سويدي الصنع من نوع “NLAW”.

بطبيعة الحال لا توازي هذه القدرات والجهود الحشد العسكري الروسي الجاري منذ أشهر طويلة حول أوكرانيا، وهذا يمكن تفسيره بما سبق ذكره حول الرغبة في عدم استفزاز روسيا. يضاف إلى ذلك وجود بعض الأصوات الأوروبية التي تحذر من مغبة استفزاز موسكو، وعلى رأسها ألمانيا التي كان لكل من وزيرة دفاعها وقائد بحريتها تصريحات لافتة تتحدث عن عدم وجود فائدة تذكر من تسليم منظومات قتالية لأوكرانيا في هذه المرحلة، ناهيك عن رفض برلين توريد أي أسلحة تحمل مكونات ألمانية الصنع إلى أوكرانيا. 

على المستوى الميداني، أمرت قيادة البحرية الأمريكية حاملة الطائرات “يو إس إس هاري ترومان” ومجموعتها القتالية التي تتكون من فرقاطة وأربعة مدمرات صاروخية، بالتمركز في الوقت الحالي في البحر المتوسط. ستشارك هذه الحاملة في التدريب البحري “نبتون سترايك”، الذي سينفذه حلف الناتو بداية من اليوم وحتى الرابع من الشهر المقبل، بالتزامن مع تدريب مماثل ستجريه وحدات بحرية تابعة لأسطولي بحر الشمال وبحر البلطيق الروسيين، سيجري في بحر البلطيق.

احتمالات التصعيد تتزايد في شرق أوروبا

يظهر بشكل واضح من خلال عمليات الاستطلاع الإلكتروني الجوي المستمرة والمكثفة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو في الأجواء الأوكرانية، أن النوايا الروسية خلال الأيام المقبلة ستظل الشغل الشاغل لعواصم القرار الغربية. يشير الموقف الحالي للقوات الروسية في محيط أوكرانيا إلى تزايد احتمالات تنفيذ تحرك هجومي بري للسيطرة على المنطقة الشرقية الأوكرانية. 

يحتمل أن تتخذ القوات الروسية في هذا الإطار نموذج حرب أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عام 2008، حين تلقت القوات الجورجية ضربات عنيفة من الجيش الروسي، لكن في حالة أوكرانيا ستكون العملية الروسية خاطفة وسريعة بشكل مماثل لعملية السيطرة على شبه جزيرة القرم، وذلك بهدف خلق أمر واقع جديد، والاستفادة من وجود قوات رديفة للجيش الروسي بالفعل في شرق البلاد، واستباق أي محاولات أمريكية لتعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية، وبالتالي تزايد إمكانية حصول روسيا على تنازلات كبيرة من الغرب.

وهنا لابد أن نتذكر أن حرب أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بين موسكو وتبليسي اندلعت خلال الألعاب الأولمبية المقامة في الصين، ولعلها مصادفة ذات مغزى أن يكون تاريخ 20 فبراير المقبل، هو موعد حفل ختام أولمبياد بكين الشتوية، وهو نفس اليوم المقرر فيه انتهاء المناورات العسكرية المشتركة بين روسيا البيضاء وروسيا.

بالتالي يمكن اعتبار الأيام المقبلة بمثابة اختبار حقيقي لمدى قدرة كل طرف على فرض رؤيته الاستراتيجية ميدانيًا، في وقت تبدو حظوظ روسيا في هذا الصدد أكبر، بالنظر إلى نجاحها السابق في شبه جزيرة القرم، والذي قد يتكرر في حالة ما إذا ظلت الولايات المتحدة وحلف الناتو تنظر إلى موسكو بنفس النظرة التي نُظر بها للاتحاد السوفيتي خلال غزوه لأفغانستان، فحينها كان لصواريخ “ستينجر” دور حاسم في هزيمة السوفييت، في حين يبدو الجيش الروسي اليوم مستفيدًا بشكل واسع من تجربته الميدانية في سوريا، والتي تضمنت التعامل مع تشكيلة من الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى