تركيا

بيرات البيرق… الصهر الفاسد والخليفة المنتظر

من أهم ملامح الحياة السياسية والحزبية في تركيا خلال الحقبة الحالية من حكم أردوغان الاعتماد على معيار (الثقة) بدلًا عن المعايير التي يفترض اختيار المعاونين والوزراء والقياديين على أساسها مثل (الكفاءة) و(الخبرة). أردوغان في هذا النهج يسير على خطى أنظمة شمولية عديدة في المنطقة كان ينتقدها هو وإعلامه خلال السنوات الماضية. لهذا لم يعد غريبًا أن نجد في السلك السياسي والحكومي التركي أسماء لا تاريخ سياسي يذكر لها ولا تتمتع بأية مؤهلات واضحة سوى الولاء الأعمى للرئيس والحزب، وفي بعض الأحيان تعتبر صلة القرابة أو النسب من أهم المؤهلات التي تضمن لصاحبها تبوء أعلى المناصب في بلاد الأناضول.

من أبرز الأسماء التي تُعدُّ دليلًا واضحًا على هذا التوجه الذي تلعب في أسرة أردوغان وأصهاره أدوارًا سياسية واقتصادية واجتماعية تتجاوز بمراحل مؤهلاتهم وسماتهم الشخصية هو صهر الرئيس التركي بيرات البيرق الذي يعد مثالًا على كيفية الصعود (صاروخيًا) في الحياة السياسية التركية دون امتلاك حتى القدرة على (التحليق).

نشأة محافظة تحت ظلال حزب الرفاه

ولد بيرات البيرق في الأول من يناير عام 1978، ووالده هو الصحفي وعضو البرلمان السابق والقيادي البارز في حزب الرفاه المنحل صادق البيرق. شكلت تعاليم الحزب وأيديولوجيته ذهنية بيرات خلال نشأته وصولًا إلى تخرجه من جامعة إسطنبول حيث درس إدارة الأعمال، ومن ثم انخرط فور تخرجه لفترة قصيرة ضمن صفوف حزب الرفاه كما عمل لبعض الوقت بالصحافة.

سافر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة أواخر تسعينيات القرن الماضي للحصول على درجة الماجستير من كلية إدارة الأعمال التابعة لجامعة (بيس) بولاية نيويورك الأمريكية، وتدرج خلال هذه الفترة في المناصب الإدارية بمجموعة شركات (تشاليك) إلى أن تم تعيينه عام 2002 في منصب المدير التنفيذي للمجموعة.

وجوده في الولايات المتحدة منحه فرصة ذهبية للتعرف على ابنة أردوغان (إسراء) التي كانت تدرس في جامعة بيركلي في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وتمكن بالفعل من الزواج بها عقب عودته مباشرة إلى تركيا عام 2006 حيث عقد قرانه عليها في حفل ضخم حضرته شخصيات سياسية واقتصادية رفيعة فيما بدا وكأنه تدشين لمرحلة مقبلة من الصعود الصاروخي في الأوساط السياسية والاقتصادية التركية.

2006 … بداية الصعود الصاروخي للصهر العتيد

عقب عودته إلى تركيا تولى بيرات منصب نائب مدير الشؤون المالية لمجموعة شركات (تشاليك) وفي العام التالي لعودته 2007 تم تعيينه رئيسًا تنفيذيًا لكامل شركات المجموعة وقد ركز كامل مجهوداته خلال هذه الفترة على الأعمال والصفقات التجارية، بما في ذلك محاولة الاستحواذ على بعض وسائل الإعلام المحلية مثل صحيفة (صباح) وقناة (خبر) التلفزيونية، وهذا كله كان يتم ضمن استراتيجية يتجهز فيها للحظة المناسبة التي سيدخله فيها أردوغان إلى الساحة السياسية التركية.

حانت هذه اللحظة بالفعل في ااأنتخابات التشريعية التركية التي أقيمت عام 2015 حين تم انتخاب بيرات عضوًا في البرلمان عن إحدى دوائر إسطنبول ممثلًا لحزب العدالة والتنمية. المفارقة أنه بمجرد انتهاء هذه الانتخابات تم تعيينه أيضًا كوزير للطاقة والموارد الطبيعية دون أن تكون له خبرة فعلية في هذا المجال، وقد استغل هذا المنصب الوزاري لدعم أعماله الخاصة في مجموعة شركات (تشاليك).

استمر بيرات في منصبه هذا حتى يوليو 2018 حين فاز للمرة الثانية في الانتخابات التشريعية، وعقبها مباشرة تم تعيينه وزيرًا للخزانة والمالية وهو المنصب الذي مازال مستمرًا فيه حتى اليوم رغم شبهات الفساد التي طالته منذ دخوله الحياة السياسية التركية، ورغم عدم الكفاءة طيلة مدة انخراطه في المجال السياسي. ويلاحظ هنا أنه لم يتنازل عن نشاطه في مجموعة شركات (تشاليك)، كما أنه ظل مداومًا على كتابة مقالات دورية في صحيفة (صباح).

فساد ظل أردوغان … وضوح الشمس ليس كافيًا

خلال مسيرته السياسية الطويلة نسبيًا لاحقته شبهات الفساد المحلية والدولية في معظم مراحل هذه المسيرة، وفي كل مرة كان يلجأ هو ووالد زوجته إلى لجم الصحافة وتكميم الصحفيين وترهيب القضاء والنيابة من أجل التغطية على أية محاولات لكشف أوجه الفساد المالي والإداري التي تفنن فيها بيرات.

البداية كانت خلال فترة توليه منصب وزير الطاقة والموارد الطبيعية، إذ بدأت ملامح سياسته الاقتصادية المتهورة في الانكشاف بعد أن أوعز إلى وزارته أن تفرض زيادات غير مبررة على أسعار بيع الطاقة بمختلف أنواعها، وأن تتوسع في الاستدانة من البنوك المحلية من أجل تغطية صفقات الاستحواذ وشراء الشركات والأسهم في قطاع الطاقة والوقود دون أدنى دراسة لتبعات هذا التوسع، وهذا جعل قطاع الطاقة التركي الذي استدان من البنوك المحلية أكثر من 20 مليار دولار من أبرز القطاعات المساهمة في أزمة الديون الداخلية التي اندلعت منذ عام 2018 وحتى الآن. وللمفارقة كانت هذه المساهمة سببًا رئيسيًا في تولي بيرات بعد ذلك منصب وزير المالية والخزانة للتغطية على ما تسبب هو نفسه فيه من انهيار للوضع الائتماني والبنكي في تركيا.

فترة توليه منصب وزير الطاقة شهدت تفجر عدة فضائح فضيحة مالية كبيرة كان اسمه واسم أفراد من عائلته ضمن المنخرطين فيها، الفضيحة الأولى حمل فيها بيرات لقب (وزير نفط تنظيم داعش) بعد أن ورد اسمه عام 2016 ضمن تسريبات موقع (ويكيليكس) الذي نشر أكثر من 55 ألف رسالة بريد إلكتروني أرسلها بيرات إلى عدد من الشخصيات السياسية والاقتصادية في تركيا، وتضمنت تفاصيل عديدة عن دوره في تركيا حتى في الفترة التي سبقت توليه لمنصب وزير الطاقة.

الرسائل المنشورة تم إرسالها في الفترة ما بين منتصف عام 2000 وأواخر عام 2016 وقد ظهر من خلال بعضها أن صهر أردوغان قام بعقد صفقات مع أطراف مرتبطة بتنظيم (داعش) الإرهابي من خلال شركة (باور ترانس) النفطية التركية التي تولت مهمة شراء النفط السوري والعراقي ونقله إلى داخل تركيا. هذه التفاصيل تقاطعت مع معلومات مشابهة سبق ونشرتها مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية وصحيفة (الإندبندنت) البريطانية اللتان أبرزتا تساؤلات عديدة حول حقيقة دور هذه الشركة في تركيا، خاصة وأنه تم استثناؤها من قرار الحكومة التركية عام 2011 بحظر استيراد أو تصدير النفط.

وثائق ويكليكس تضمنت تفاصيل أخرى حول محاولات بيرات لجم الإعلام التركي والسيطرة على الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي لصالح حزب العدالة والتنمية، وذلك شمل شن حملات مضادة على هذه الصحف والمواقع، وتخصيص موارد مالية وبشرية للتأثير على رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

لم تقتصر فضائح بيرات في فترة ما قبل 2018 على ملف النفط فقد نشرت مجلة (دير شبيجل) الألمانية عام 2017 عدة تقارير تناولت فيها دوره في دعم مجموعة شركات (تشاليك) عن طريق تسهيل إقرار قانون المحاسبة الضريبية الذي يعطي إعفاءات ومزايا للشركات الكبرى المماثلة لهذه الشركة، كما أن الصحيفة تناولت تفاصيل مساهمة بيرات في إعفاء (تشاليك) من دفع أية رسوم ضريبية على تحويلاتها المالية الواردة من الخارج.

من الفضائح الأخرى التي تفجرت عام 2017 ورود اسم بيرات وأخيه صالح ضمن أكثر من 120 ألف اسم وردت في وثائق ما يعرف ب (أوراق الجنة)، وهي فضيحة مالية دولية تم الإعلان عنها في نوفمبر 2017 وتتضمن أكثر من 13 مليون وثيقة تتعلق جميعها بعمليات غسيل الأموال الدولية والتهرب من الضرائب عن طريق شركات وهمية أشرفت على إنشائها شركة سنغافورية بمساعدة مكتب محاماة يقع في جزيرة برمودا. صحيفة (جمهوريت) التركية نشرت في نفس الشهر الذي تفجرت فيه هذه الفضيحة تفاصيل تورط بيرات وأخيه في عمليات غسيل أموال لصالح مجموعة شركات (تشاليك) ناهيك عن عقد بعض الصفقات النفطية المشبوهة تجاوزت قيمتها 30 مليون يورو، علمًا ان بيرات قام بمقاضاة الصحيفة في العام التالي لنشر هذه التفاصيل.

قبل أن ينتهي عام 2017 تفجرت مصادفة قضية فساد أخرى وذلك خلال جلسة لمحاكمة عدد من رجال الأعمال الإيرانيين المتورطين في إحدى قضايا الفساد المتعلقة بتجارة النفط؛ إذ تضمنت هذه الجلسة اتهامُا صريحًا من جانب المؤسسة الوطنية الإيرانية للنفط لبيرات البيرق بالاستيلاء على ملايين الدولارات من حصيلة بيع النفط الإيراني، وتدويرها في نشاطات صناعية لصالح شركات تركية.

2018 وما بعدها … مسلسل الفساد يستمر

مرحلة ما بعد تولي بيرات منصبه كوزير للخزانة والمالية لم تختلف كثيرًا عما سبقها من مراحل، بل أنها اتسمت بمزيد من الفساد الذي أضيف إليه بداية أزمة مالية مزمنة كان بيرات من ضمن المساهمين فيها قبل حتى أن يتولى منصبه.

تولى بيرات منصبه كوزير للمالية من أجل محاولة حصار الأضرار التي تسببت بها أزمة الاقتراض الداخلي التي بدأت تأثيراتها منذ ذلك الوقت في ضرب العملة التركية في مقتل. ونظرًا لخبرته الاقتصادية المحدودة لجأ إلى محاولة تحسين الوضع الاقتصادي التركي عن طريق استغلال أسعار الفائدة المنخفضة التي فرضها البنك الفيدرالي الأمريكي، وقام بتحفيز البنوك التركية على اقتراض العملة الصعبة من الخارج مما أدى إلى وجود سيولة دولارية كبيرة لدى هذه البنوك.

في المرحلة التالية بدأت البنوك في استثمار هذه السيولة الدولارية عن طريق تمويل وإقراض الشركات التجارية، خاصة تلك التي تعمل في القطاعات الكبرى مثل السياحة والنفط والعقارات، وهذه الشركات أقبلت بنهم على القروض الدولارية نظرًا لأسعار الفائدة المنخفضة التي فرضها البنك المركزي التركي، لكن لم يضع بيرات وطاقمه الاقتصادي في حسبانهم أن قيمة الليرة التركية ستنخفض أمام الدولار بوتيرة سريعة للغاية، وهو ما أدى إلى عجز الشركات التركية عن تسديد ديونها الدولارية، كما أن هذا الوضع أصاب الأتراك المقترضين من البنوك لشراء عقارات أو سيارات بنفس الحالة من العجز عن السداد.

حاولت البنوك تدارك الموقف ففتحت المجال للمقترضين كي يسددوا ما عليهم من ديون بالليرة التركية، لكنها فاقمت الموقف أكثر نظرًا لأن هذا أدى إلى ارتفاع أسعار الفائدة، وبالتالي تخفيض أرباح البنوك؛ لأن البنوك اضطرت لدفع رسوم إضافية خاصة بسعر الفائدة على الليرة الذي حدده البنك المركزي التركي.

دخول جائحة كورونا على خط الداخل التركي أدى إلى مزيد من الخسائر لليرة التركية أمام الدولار بعد أن اضطر البنك المركزي التركي لضخ احتياطاته الدولارية في الدورة الاقتصادية المحلية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية وعزوف المستثمرين الأجانب عن دخول السوق التركية، وهو ما مثل ضربة قوية لما روج له بيرات ووالد زوجته حول قدرات الأول الاقتصادية، خاصة وأن كافة إجراءاته الاقتصادية ومنها فرض عقوبات على القروض منخفضة الفائدة المصدرة من البنوك المملوكة للدولة والتخفيضات الضريبية ودعم البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة وأخيرًا خطته المعلنة في يوليو الماضي والتي تتضمن إلزام البنوك التركية بإعادة هيكلة وشطب ديون متعثرة تتعدى قيمتها 20 مليار دولار أمريكي مستحقة على قطاع الطاقة التركي كلها إجراءات لم تؤتي أكلها وهذا دفع بيرات إلى الاعتراف ضمنًا بفشله وطلب مهلة حتى عام 2023 من أجل تحقيق نتائج ملموسة في مواجهة هذا الانهيار.

هذه المرحلة تضمنت أيضًا مزيدًا من الفضائح المالية لبيرات فقد كشف معهد بحوث الشرق الأوسط البريطاني عن ورود اسم بيرات في تسريب لمكالمة هاتفية جمعت بين أردوغان وابنه بلال تمت في ديسمبر 2013 وتحدث فيها الأب وابنه عن تفاصيل قيام الشرطة بمداهمة منزل تابع لبلال وطلب أردوغان منه إخفاء كل ما هو موجود داخله، ورد عليه بلال قائلًا إن لديه أموال كثيرة في خزانة داخل المنزل، وأن منزل بيرات يحتوي على خزانة مماثلة ممتلئة بالأموال.

يضاف إلى ذلك فضيحة أراضي مشروع (قناة إسطنبول) التي كشفت عدة تحقيقات صحفية أن بيرات ووالده قاما بشراء ستة عشر فدانًا في منطقة (أرناؤوط كوي) التي تقع في نطاق هذا المشروع في الفترة ما بين عامي 2003 و2011، علمًا منهم أن سعر الفدان في هذه المنطقة سوف يرتفع بشكل جنوني عقب الإعلان عن المشروع الذي تم بالفعل الحديث عنه عام 2011 عندما كان أردوغان رئيسًا للوزراء، وهو ممر مائي اصطناعي يربط بحر مرمرة بالبحر الأسود بموازاة مضيق البوسفور وبطول 45 كيلو متر، وهو مشروع يواجه معارضة شديدة من نقابة المهندسين التركية ونشطاء البيئة نظرًا لأضراره الشديدة على البيئة والطبيعة.

زوجة بيرات إسراء لم تكن خارج دائرة الاتهامات بالفساد، فقد تم اتهام مؤسسة (أنصار) الخيرية التي تتولى مسؤولية إدارتها بأنها تساهم في عمليات غسيل أموال وعمليات أخرى لنقل تبرعات مشبوهة بالتعاون مع الهلال الأحمر التركي إلى مؤسسات خيرية أخرى في الولايات المتحدة تم استخدام بعضها لشراء أراضي وبناء شقق سكنية في أحياء رئيسية في الولايات المتحدة.

هل يفلح التجميل … في إصلاح ما أفسدته سنوات الفساد؟

بعد أن تزايدت حملات الانتقاد والاتهام مؤخرًا ضد بيرات أطلق حزب العدالة والتنمية ولجانه الإلكترونية حملات للتضامن معه تحت وسم #BeratAlbayrakınYanındayız شارك فيه معظم أقطاب النظام التركي ومنهم مستشار أردوغان ياسين أقطاي، كما نشر وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة تغريدة دعم فيها بيرات قائلًا “يجب أن نحترم أولئك الذين يقعون تحت مسؤولية كبيرة في ظل هذه الظروف العصيبة التي يشهدها العالم. نحن نقف بجانب صديقي بيرات البيرق للتغلب على تلك الأيام الصعبة”. وزير الداخلية التركي سليمان صويلو شارك بدوره في هذه الحملة رغم الخلافات المعروفة بينه وبين بيرات والتي وصلت إلى حد تقديم الأول استقالته وقال “نحن جميعنا على قلب رجل واحد من أجل تركيا”. الأكيد أن حملات التجميل والعلاقات العامة لن تكون ذات تأثير طالما ظل الاقتصاد التركي في طور السقوط الحر الصاروخي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى