آسيا

“ناجورنو قره باغ”… السلاح الإسرائيلي والتركي في الميزان

أبرزت المعارك التي دخلت أسبوعها الأول بين وحدات الدفاع عن إقليم ناجورنو قره باغ، مدعومة بالجيش الأرميني من جهة، والجيش الأذربيجاني من جهة أخرى دور تركيا وإسرائيل في التسليح الحالي لجيش باكو، ومدى رغبة كلا البلدين في استغلال المواجهات العسكرية الحالية؛ لوضع اليد على مميزات وعيوب الأنظمة الهجومية المنتجة محليًا في تل أبيب وأنقرة، والترويج لهذه المنظومات على المستوى الدولي.

تبدو الرغبة التركية في هذا الصدد أكثر وضوحًا من الرغبة الإسرائيلية، فأنقرة التي ضخت في الميدان الليبي عدة أنواع من أسلحتها المحلية الصنع، لم تصل إلى النتيجة المرجوة من جراء هذا الضخ، خاصة بعد تواضع أداء بعض هذه الأسلحة والمنظومات القتالية، مثل العربات المدرعة (كيربي) و(ڤوران)، والنسخ المنتجة محليًا من منظومات الدفاع الجوي (هوك)، ناهيك عن إسقاط عشرات الدرونز القتالية من نوع (بيرقدار) ويعد هو العدد الأكبر الذي يتم إسقاطه من الطائرات دون طيار خلال أية حرب سابقة.

السلاح التركي الأبرز والأول الذي ظهر منذ بداية هذه الجولة من المعارك في ناجورنو قرة باغ، هو الدرونز القتالية (بيرقدار)، التي تم استخدامها من جانب القوات الأذرية، بشكل مكثف منذ بداية العمليات القتالية. ظهور هذه الدرونز في حوزة الجيش الأذربيجاني شكل مفاجأة لدى البعض، لكن واقع الأمر أن مؤشرات تزود باكو بهذا النوع من أنواع الدرونز القتالية بدأت في التصاعد أواخر يونيو الماضي، حين صرح وزير الدفاع الأذربيجاني بأن بلاده تخطط لشراء عشرات الدرونز تركية الصنع، لكنه حينها لم يتحدث عن نوع هذه الدرونز بشكل محدد، لكن أشار إلى أن شراء هذه الدرونز سيكون وفقًا لنصوص القانون الذي أقره البرلمان الأذربيجاني مؤخرًا، بشأن مساعدات تركية مخصصة لشراء ذخائر وأسلحة لصالح الجيش الأذربيجاني.

على المستوى العملياتي تم استخدام درونز بيرقدار في عدة مهام قتالية، منها عمليات تصحيح نيران المدفعية، وذلك عن طريق تقديم صور مباشرة لنتائج الضربات المدفعية الأذرية، وتحديد ما إذا كانت إحداثيات التهديف تحتاج إلى تعديلات أم لا. الدور الأهم لهذه الدرونز كان هجوميًا بحتًا، حيث نفذت ضربات إجهاضية استهدفت الدفاعات الجوية التابعة للوحدات المدافعة عن الإقليم، خاصة المنظومات الروسية الصنع ذاتية الحركة “أوسا” و”ستريلا 10″، وكذلك استهداف القطاعات الأرمينية المدرعة، خاصة دبابات (تي 72) وناقلات الجند المدرعة بمختلف أنواعها، وذلك باستخدام صواريخ (مام – أل) المضادة للدروع، والتي سبق استخدامها في ليبيا.

على ذكر ليبيا، كان لافتًا حضور اللواء في سلاح الجو التركي جوكسل كاهيا، الذي تولى إدارة غرفة عمليات الدرونز التركية في ليبيا اللقاء الذي تم في أغسطس الماضي بين وزير الدفاع التركي ورئيس أذربيجان ووزير دفاعه في ختام المناورات المشتركة التي تمت بين البلدين على مدار عدة أسابيع، وهذا قد يكون مؤشرًا على دور تركي مباشر في إدارة عمليات الدرونز القتالية في إقليم ناجورنو قره باغ.

المثير للانتباه في هذا الصدد، هو أن هذه الدرونز قامت باستهداف الدفاعات الجوية الأرمينية، ضمن خطة أكبر تم فيها استخدام وسائط عسكرية أخرى؛ بهدف كشف مواقع مرابض الدفاع الجوي الأرمينية، واستهدافها بشكل دقيق. هذه الوسائط تمثلت في الطائرات السوفيتية القديمة من نوع (أنطونوف – 2)، التي تم تعديل آلية التحكم بها، بحيث تقلع من مطار (يفلاخ) وسط البلاد، باستخدام طيار بشري، ومن ثم عندما تقترب الطائرة من أجواء إقليم ناجورنو قره باغ، يقوم الطيار بالقفز بالمظلة من الطائرة، بعد أن يقوم بتثبيت مقود توجيه الطائرة باستخدام أربطة خاصة، للحفاظ على ارتفاع واتجاه الطائرة ثابتين في اتجاه أجواء الإقليم، مما يستنفر وحدات الدفاع الجوي الموجودة في الإقليم، ويدفعها للاشتباك مع هذه الطائرة ومحاولة إسقاطها، وبالتالي تتمكن الدرونز التركية الصنع، من التحديد الدقيق لأماكن تواجد وحدات الدفاع الجوي النشطة.

من ضمن الوسائط القتالية التي استخدمها الجيش الأذربيجاني، في دعم عمليات درونز بيرقدار، الذخائر الجوالة (الانتحارية) إسرائيلية الصنع، من نوع (اوربيتر- 1 كي)، التي استهدفت بشكل مركز قطع المدفعية والدبابات التابعة لقوات الدفاع عن الإقليم، وظهرت إحداها خلال عملية استطلاع نفذتها درون بيرقدار في الأيام الأولى للمعركة.

تسلم الجيش الأذربيجاني خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2019، مئة ذخيرة جوالة من هذا النوع، وقام بتصنيع أعداد منها محليًا تحت اسم (زيربا). تحمل كل ذخيرة جوالة من هذا النوع، ما بين 1 و2 كيلو جرام من المواد المتفجرة، وقد استخدمها الجيش الأذربيجاني بصورة خاصة، لاستهداف شاحنات نقل الذخيرة، وأكداس قذائف المدفعية التي تكون ملحقة بمرابض مدفعية الميدان. وقد حققت هذه الذخائر إصابات مباشرة، لكن تم إسقاط أعداد كبيرة منها خلال المعارك.

استخدم الجيش الأذربيجاني أيضًا الذخائر الجوالة الإسرائيلية (هاروب)، التي حصل على دفعة أولى منها تقدر ب 50 طائرة ما بين عامي 2015 و2016، وقد سبق وتم استخدام هذا النوع من الذخائر الجوالة من جانب الجيش الأذربيجاني ضد مواقع الوحدات المدافعة عن الإقليم، وذلك خلال معارك أبريل 2016، وحينها كما في الجولة الحالية من المعارك تم إسقاط عدد منها قبل الوصول إلى أهدافها.

يتميز هذا النوع عن الذخائر الجولة الإسرائيلية الصنع الأخرى بحمولة كبيرة من المواد المتفجرة تقدر ب 16 كيلو جرام، ومدى تحليق أكبر يصل إلى 200 كيلو متر، ويمتلك هذا النوع القدرة على التحليق المتواصل لتسع ساعات، والهجوم بأي زاوية على الهدف المراد تدميره. 

تمتلك تركيا أيضًا منذ عام 2005 هذا النوع من الذخائر الإسرائيلية الجوالة، وعلى ما يبدو فإن الجيش الأذربيجاني قد تلقى دفعات جديدة من هذا النوع، نظرًا لأن الأنواع التي كان يمتلكها منه سابقًا كانت محدودة العدد، وسبق واستخدمها في عدة مناسبات، وهذا ربما يفسر النشاط الملحوظ لطائرات الشحن الأذرية في اتجاه المطارات الإسرائيلية، خاصة قاعدة عوفدا الجوية منذ الرابع والعشرين من الشهر الماضي وحتى الآن.

رغم تعرض الجيش الأرميني ووحدات الدفاع عن الإقليم، لخسائر واضحة جراء هذه الاستراتيجية الهجومية الجوية المتعددة المراحل من جانب الجيش الأذربيجاني، إلا أن الجيش الأرميني نجح بشكل أو بآخر في امتصاص هذا التفوق الجوي المعادي، وذلك عبر عدد من الإجراءات، أهمها استخدام بعض وسائل التمويه، مثل تثبيت أسلحة قديمة وخارجة عن الخدمة في مواضع قتالية، للإيحاء أنها أسلحة عاملة، مثل مدافع (أم-30) المتقادمة من عيار 122 ملم، التي تعود لحقبة الحرب العالمية الثانية، وكذا وضع أجسام هيكلية مشابهة لمنظومات الدفاع الجوي التي يمتلكها الجيش الأرميني، مثل المنظومات الروسية (أوسا).

وهذا تسبب في استنزاف عدد من الذخائر الجوالة التي أطلقها الجيش الأذربيجاني، دون تحقيق فائدة ميدانية حقيقية، وهذا يضاف إليه لجوء الجيش الأذربيجاني في التسجيلات المصورة التي نشرها لعمليات الدرونز الهجومية الخاصة به، إلى بث بعض الغارات التي تم تنفيذها، عدة مرات من زاويا مختلفة في كل مرة للإيحاء بأنها غارات متفرقة ولا علاقة لها ببعضها البعض.

استخدم الجيش الأذربيجاني في هجماته على الإقليم عدة أنظمة صاروخية إسرائيلية وتركية، إذ استخدم راجمات الصواريخ تركية الصنع من عياري 122 و300 ملم، لقصف عاصمة الإقليم (ستيبانكرت)، واللافت هنا أن هذه الصواريخ كانت ممهورة بأختام تدل على أنها من المخزون الخاص بالقوات البرية التركية، وبالتالي هذا قد يعد دليلًا على وصول دفعات جديدة من الأسلحة التركية على وجه السرعة إلى باكو قبيل بدء المعارك. وقد حصل الجيش الأذربيجاني على 60 راجمة تركية من هذين النوعين (20 من عيار 300 ملم، و40 من عيار 122 ملم)، ما بين عامي 2012 و2016، ضمن صفقة بلغت قيمتها 244 مليون دولار، تضمنت أيضًا الحصول على راجمات أصغر من عيار 107 ملم.

السلاح الأكثر أهمية الذي تم استخدامه من جانب القوات الأذرية خلال الجولة الحالية من المعارك، وهو الصاروخ الباليستي التكتيكي إسرائيلي الصنع (لورا)، الذي تزودت به باكو عام 2018، واستخدمته للمرة الأولى في استهداف جسر في منطقة (آساجي سوس)، يربط بين الأراضي الأرمينية وأراضي إقليم ناجورنو قره باغ. 

وعلى الرغم من السمات المتفوقة لهذا النوع من الصواريخ، الذي تبلغ زنة رأسه المتفجر أكثر من نصف طن ومداه الذي يصل إلى 400 كيلومتر إلا أنه فشل بشكل واضح في تحقيق الهدف الذي تم من أجله إطلاقه، وهو تدمير الجسر بشكل كامل؛ إذ أظهرت الصور أضرارًا طفيفة تعرض لها الجسر الذي مازال صالحًا للاستخدام، وهذا يعزى بشكل أساسي إلى أن هذا النوع من أنواع الصواريخ التكتيكية، مخصص بشكل أكبر لاستهداف المواقع الاستراتيجية كبيرة المساحة، حيث يبلغ هامش الخطأ الخاص به عشرة أمتار فقط، وهذا جيد جدًا فيما يتعلق بالأهداف الكبيرة، لكنه معوق في حالة استهداف مواقع محدودة المساحة، مثل هذا الجسر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى