روسيا

موازنة الضغط.. قراءة في العقيدة البحرية الروسية الجديدة

في خطوة متوقعة و”متأخرة” في آن واحد، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس، ملامح الاستراتيجية البحرية الروسية الجديدة، وإطار عمل الأساطيل البحرية المختلفة التابعة لسلاح البحرية الروسية خلال المرحلة المقبلة، وذلك عبر وثيقتين قام بتوقيعهما بالتزامن مع الاحتفال بيوم القوات البحرية الروسية.

وعلى الرغم من عدم احتواء هذه الاستراتيجية -بشكل عام- على أية بنود مفاجئة أو مختلفة عن الإطار الاستراتيجي الذي كانت البحرية الروسية تعمل على أساسه خلال العقد المنصرم، إلا أنها تمثل في حد ذاتها انعكاسًا لمجريات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وما صاحبها من تحركات عسكرية متعددة الطبقات بين موسكو وحلف الناتو.

التأثيرات الميدانية والتكتيكية الناجمة عن معارك أوكرانيا -خاصة الجانب البحري من هذه المعارك- ظهرت ملامحها بشكل كبير في معظم بنود هذه الاستراتيجية، فقد رأت موسكو -طبقًا لمجمل ما ورد في العقيدة البحرية الجديدة- أن التهديدات البحرية التي تواجه الاتحاد الروسي تتمحور حول دائرتين أساسيتين: الأولى هي الدائرة الإقليمية التي تشمل البحار والمضايق المتاخمة للحدود الروسية، والثانية دائرة إقليمية ودولية تشمل الممرات البحرية والمسطحات التي تمثل أهمية استراتيجية -عسكرية أو اقتصادية- لموسكو.

الدائرة البحرية الإقليمية.. زخم أكبر في القطب الشمالي

فيما يتعلق بالدائرة البحرية الإقليمية، تنص الاستراتيجية الروسية الجديدة على أن توسيع البنية التحتية العسكرية لحلف الناتو -بما في ذلك البنية التحتية الخاصة بالتسليح البحري- قرب الحدود والسواحل الروسية يعد تهديدًا عسكريًا رئيسًا أمام سلاح البحرية الروسية، ويمثل عنصرًا حاسمًا يجب وضعه في الحسبان خلال رسم موسكو للحدود الجديدة لعلاقاتها مع الحلف.

بطبيعة الحال -وبالنظر إلى الوضع الحالي في أوكرانيا- لا يمثل هذا البند مفاجأة كبيرة؛ فواقع الحال أن موسكو قد بدأت منذ سنوات في اتخاذ إجراءات وتدابير مختلفة المستويات للتعامل مع الآثار الممتدة -على الجانبين الجيوسياسي والاستراتيجي- لانهيار الاتحاد السوفيتي، والتي كان تمدد حلف الناتو عسكريًا نحو التخوم الروسية أحد أبرز هذه الآثار. اللافت في هذا الصدد أن نص العقيدة البحرية الروسية الجديدة يتضمن تكثيف الوجود البحري وتنويعه في عدة مناطق، تم ذكر بعضها بشكل محدد، وهي تحديدًا المفاصل الاستراتيجية في منطقة القطب الشمالي، وهذا يمكن عدّه إعلانًا عن تبوء هذه المنطقة رأس الأولويات البحرية الروسية خلال المدى المنظور.

مناطق القطب الشمالي التي تضمنها نص العقيدة البحرية الروسية الجديدة شملت أرخبيل “نوفايا زيمليا”، وأرخبيل “جوزيف لاند” الواقع شماله، بجانب جزيرة “رانجل” القريبة جدًا من الولايات المتحدة الأمريكية، وأرخبيل “سبيتسبيرجين” الذي تطلق عليه النرويج اسم “سفالبارد”، ويعد نقطة حدودية فاصلة بين الأراضي النرويجية والأراضي الروسية في القطب الشمالي. 

سبق وكان هذا الأرخبيل، وتحديدًا الجزيرة الأساسية فيه المسماة “سبيتسبيرجين”، محل عدة نزاعات اقتصادية ودبلوماسية بين الجانبين منذ القرن السادس عشر، خاصة فيما يتعلق بحقوق التعدين والصيد، وظلت هذه النزاعات مستمرة رغم توقيع الجانبين معاهدة “سفالبارد” عام 1925، والتي أقرت سيادة النرويج على هذا الأرخبيل، مع إعطاء عدة دول -من بينها روسيا- حق دخول جزر هذا الأرخبيل، واستغلال مواردها بالمشاركة مع النرويج.

جدير بالذكر أن هذا النزاع حول هذا الأرخبيل قد عاد خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ عام 2017، بعد أن حذرت موسكو حلف الناتو من محاولات تغيير الواقع الحالي لهذا الأرخبيل. يضاف إلى ذلك قيام السلطات النرويجية مؤخرًا بمنع عبور شاحنات نقل البضائع إلى البلدات الروسية الموجودة في جزر هذا الأرخبيل، وتحديدًا جزيرة “سبيتسبيرجين”.

وهو ما فتح باب الجدل مرة أخرى حول تبعية جزر هذا الأرخبيل، خاصة في ظل وجود بعض الآراء -خاصة الأوروبية- التي ترى أن مدة معاهدة “سفالبارد” قد انتهت بعد مرور مائة عام على توقيعها، وهو ما تم الرد عليه من جانب روسيا بأنها قد تطالب بإعادة النظر في اعترافها بملكية النرويج لهذه الجزر. الإصرار الروسي على تأمين وجوده على هذه الأرخبيل يرجع إلى إطلالة القسم الجنوبي منه، وتحديدًا جزيرة “بير”، على الممر الأساسي لتحرك الغواصات النووية الروسية التابعة لأسطول بحر الشمال، نحو المحيط الأطلنطي.

التركيز الروسي الواضح على منطقة القطب الشمالي في الاستراتيجية البحرية الجديدة لا يعد وليد الظروف المستجدة حاليًا على المستوى الدولي، بل كان وليد ملاحظة موسكو بدء الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو في تعزيز وجودهم العسكري في هذا النطاق؛ مثل تمركز قاذفات القنابل الأمريكية الاستراتيجية “بي-1 لانسر” في قاعدة “أورلاند” الجوية النرويجية، والدوريات المتتابعة للغواصات الأمريكية قبالة الساحل النرويجي، وكذا اعتزام الولايات المتحدة إعادة فتح بعض المنشآت العسكرية في القطب الشمالي التي قامت بإغلاقها عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، مثل قاعدة مشاة البحرية في منطقة “كيفلافيك” في ألاسكا.

لذا، دشنت موسكو عام 2014 مركز قيادة استراتيجية مخصص لإدارة الوجود العسكري الروسي في القطب الشمالي، وبدأت في تقييم حالة المنشآت العسكرية التابعة لها في هذا النطاق، من أجل تحديثها وإدامة تمركز أسلحة نوعية بها، وقد سرعت موسكو هذه العملية بشكل واضح منذ أوائل العام الماضي، حيث بدأت في إعادة تأهيل المنشآت العسكرية والمطارات والموانئ التي أنشأها الاتحاد السوفيتي السابق في مناطق سيطرته في هذه المنطقة، وأضافت إليها منذ ذلك التوقيت ما يقرب من 16 ميناءً ونقطة تمركز بحرية، ونحو 500 موقع عسكري جديد.

النقطة الأساسية في عمليات إعادة التأهيل العسكري هذه هي في تركيزها بشكل واضح على المناطق التي ورد ذكرها في الاستراتيجية البحرية الروسية الجديدة، فأرخبيل “نوفايا زيمليا” مثلًا تلقى العام الماضي تعزيزات جوية نوعية، تمثلت في وصول أربع مقاتلات اعتراضية من نوع “ميج-31″، لقاعدة “روجاتشيفو” الجوية التي تقع في هذا الأرخبيل، لتضاف إلى طائرات أخرى ومروحيات مخصصة لمهام النقل والدوريات البحرية، تتمركز بشكل دائم داخل هذه القاعدة التي تضم أيضًا بطاريات منظومة “إس-400” للدفاع الجوي بعيد المدى داخل المطار.

أهمية هذا الأرخبيل العسكرية تتجاوز هذا المدى، فهو يعد منذ عام 1954، أحد مواقع الاختبار النووية الروسية الأساسية، واحتضن منذ ذلك التاريخ وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي نحو 224 تفجيرًا نوويًا. بعد عام 1991، أجرت البحرية الروسية سلسلة من التجارب النووية المحدودة تحت الماء قرب هذا الأرخبيل، إلى أن أعلنت لاحقًا، وتحديدًا أواخر عام 2012، أنها ستستأنف التجارب النووية المحدودة في هذا الأرخبيل.

جزيرة “رانجل”، التي تقع على بعد 400 كيلومتر من ألاسكا، تعد أيضًا من النقاط الأساسية في العقيدة الروسية الجديدة، وقد سبق وأعلنت موسكو عام 2014 عن خطة لإنشاء قواعد عسكرية دائمة في هذه الجزيرة، بما في ذلك قاعدة بحرية، وهو ما قد يتم تفعيله بشكل أكبر خلال المدى المنظور، خاصة أن قوات الدفاع الجوي الروسية نشرت بالفعل على الجزيرة عام 2016، منظومة “سوبكا-2” للرصد الراداري بعيد المدى.

أرخبيل “جوزيف لاند” بدوره كان ضمن اهتمامات موسكو منذ عام 2012، حين قررت القوات الجوية الروسية إعادة فتح مطار “جراهام بيل” العسكري الواقع في هذا الأرخبيل، بالتزامن مع افتتاح قاعدة عسكرية جديدة يمكن أن يتمركز بداخلها 150 جنديًا، وقد زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه المنشآت عام 2017، التي احتضنت بعد ذلك عام 2020، وحدات المظلات الروسية التي نفذت تدريبات على القفز المظلي من ارتفاعات شاهقة.

هذه المناطق السالف ذكرها لا تعد الوحيدة في الذهنية العسكرية الروسية التي لها أهمية استراتيجية في القطب الشمالي؛ إذ تضاف إليها مناطق أخرى أهمها جزيرة “ألكسندرا” الواقعة شمال شرق بحر بارنتس، وتضم قاعدة “ناجورسكوي” الجوية، وجزيرة “كوتيلني” التي تضم مطار “تيمب” العسكري، ومواقع تمركز بطاريات الصواريخ المضادة للقطع البحرية من نوع “باستيون”.

هذا بجانب مواضع تمركز أسطول بحر الشمال في شبه جزيرة “كولا”، حيث خضعت المنشآت البحرية في شبه الجزيرة لعمليات تحديث مكثفة خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك توسيع قاعدة “جادجييفو” للغواصات، والمرافق التابعة لأسطول الشمال الروسي في خليج “أوكولنايا” ومنطقة “بولشوي”، وقاعدة “سيفرومورسك -1” الجوية، ناهيك عن احتضان شبه الجزيرة لموقع اختبار الصواريخ الاستراتيجية الروسية المسمى “بليستيك”.

مناطق أخرى في الذهنية البحرية الروسية

تضمنت العقيدة البحرية الروسية الجديدة أيضًا الإشارة إلى بحر البلطيق والبحر الأسود وبحر آزوف وجزر الكوريل وشرق البحر المتوسط كمرتكزات أساسية لضمان الأمن البحري الروسي، ضمن الدائرة الإقليمية التي دخل القطب الشمالي في إطارها كما سبق ذكره. هذه المناطق، وإن كانت متضمنة في النسخ السابقة من العقيدة البحرية الروسية، خاصة النسخة الصادرة عام 2001، إلا أن وضعها الحالي، في ضوء العمليات في أوكرانيا والتوتر الذي يشوب منطقة البلطيق، يجعل من الضروري النظر لهذا الملف من زاوية أخرى.

حقيقة الأمر أن هذه النطاقات الجغرافية تشهد حاليًا توترًا بين موسكو وأطراف محسوبة على الجانب الغربي؛ فجزر الكوريل -التي تضم نحو 56 جزيرة، وتمتد على مسافة 1200 كيلومتر- تربط بين الطرف الجنوبي لشبه جزيرة “كامتشاتكا” الروسية والطرف الشمالي الشرقي لجزيرة “هوكايدو” اليابانية، وتشكل فاصلًا طبيعيًا بين بحر “أوخوتسك” الروسي والمحيط الهادئ. 

تتنازع موسكو وبكين على ملكية أربعة عشر جزيرة من هذه الجزر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتجدد هذا النزاع بعد بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، بعد إعلان موسكو الانسحاب من مباحثات السلام مع اليابان بشأن هذه الجزر، احتجاجًا على ردود الفعل اليابانية حيال التطورات في أوكرانيا، وعلى التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الياباني الحالي، فوميو كيشيدا، في مارس الماضي، وأكد فيها أن الجزر الأربعة هي جزء لا يتجزأ من الأراضي اليابانية.

أهمية هذه الجزر لموسكو كانت سببًا رئيسًا في إعادة تفعيل “الفرقة الثامنة عشر”، وهي القوة العسكرية الروسية الأساسية التي تتمركز في جزر “أيتوروب” و”كوناشير” و”سيكوتان”، وتلقت هذه الفرقة المزيد من الجنود والعتاد ووحدات الدفاع الجوي والساحلي منذ عام 2011، حيث وصل إلى جزيرتي “كوناشير” و”إيتوروب” عام 2016 وحدات الدفاع الساحلي الصاروخية من نوعي “باستيون” و”بال”، بالتزامن مع تأسيس أسطول المحيط الهادئ الروسي عدة مرافق للصيانة والإعاشة خاصة بهذه المنظومات، التي تم تعزيزها أواخر عام 2021 بمنظومات إضافية من نوع “باستيون”، التي يصل مداها إلى 450 كيلو متر. على مستوى الدفاع الجوي، خدم في هذه الجزيرة منذ عام 2016، منظومات الدفاع الجوي “تور-إم” و”بوك-إم”، وتم تعزيزها أواخر عام 2020، ببطاريات الدفاع الجوي بعيدة المدى “إس-300 في4”.

ما سبق يضاف إلى عمليات التحديث والإنشاء المستمرة للمواقع العسكرية الجديدة في الجزر الأربع، وهو ما أثار عام 2018 احتجاج طوكيو التي سبق واحتجت على قيام أسطول المحيط الهادئ الروسي بإرسال بعثة إلى جزر الكوريل الجنوبية، لبحث إمكانية إنشاء قاعدة بحرية في جزيرة “ماتوا”، وهو ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنه جارٍ بالفعل عام 2017.

بحر البلطيق الذي يضم القاعدة الرئيسة لأسطول بحر البلطيق الروسي يتسم بأهمية خاصة على المستوى البحري بالنسبة لموسكو؛ خاصة أنه يرتبط بعدة نقاط للتوتر بين روسيا والغرب، مثل احتمالية انضمام كل من السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، وامتلاك السويد لنقطة ارتكاز مهمة قرب قاعدة “بالتيسيك” البحرية، وهي جزيرة “جوتلاند”، ناهيك عن تلويح بولندا بالعودة للمطالبة بالسيادة على إقليم “كالينجراد” الذي يعد التمركز البري الوحيد لروسيا على بحر البلطيق.

قاعدة أسطول بحر البلطيق في “بالتييسك” تبقى من أهم القواعد البحرية الروسية، لكنها تعد الأضعف من حيث حجم التسليح البحري، مقارنة بالقواعد التابعة لأساطيل روسية أخرى، حيث تمتلك القاعدة الرئيسة لأسطول بحر البلطيق، مجموعة متنوعة من الوحدات البحرية المهمة، على رأسها مدمرة الصواريخ الموجهة من الفئة “Sarych” وفرقاطتين من الفئة “Yastreb”، ونحو 20 كورفيت صاروخي متنوع. 

وقد بدأت موسكو منذ عام 2020، في خطة شاملة لتحديث تجهيزات وتسليح هذه القاعدة، سواء عبر صيانة وتوسيع أرصفة السفن، أو إعادة تأهيل ورش الصيانة والإصلاح، أو البدء في بناء فرقاطات جديدة من الفئة “22800”، لإدخالها إلى الخدمة في أسطول بحر البلطيق. يضاف هذا إلى إجراء البحرية الروسية تجارب على إمكانية إقامة حقول ألغام بحرية ذكية، بحيث يتم نشرها في حالات الطوارئ لحماية محيط القاعدة البحرية.

البحر الأسود وبحر آزوف يمثلان كذلك أهمية استراتيجية كبيرة لموسكو، تزايدت بعد عملية ضم شبه جزيرة القرم، ثم السيطرة هذا العام على كامل الساحل الأوكراني على بحر آزوف، الذي كانت تعده موسكو دومًا بحرًا داخليًا لا يجب السماح بسيطرة أي دولة أخرى عليه. أهمية البحر الأسود كونه يحتضن القاعدة البحرية الأساسية لأسطول البحر الأسود في “سيباستوبول”، بجانب ثلاث قواعد بحرية أخرى في “نوفوروسيسك” و”فيدويسيا” و”تيمريوك”، وهي قواعد كانت لها أدوار أساسية في العملية العسكرية الحالية للجيش الروسي في أوكرانيا.

أهمية كلا البحرين بالنسبة لموسكو تكمن في أن السيطرة عليهما بشكل كامل يضمن تأمين قاعدة “سيباستوبول”، ويضمن حرية تحرك الأساطيل الحربية والتجارية الروسية المتجهة إلى الشرق الأوسط، وكذا يؤمن سلاسة نظام الملاحة النهرية الداخلية المرتبط ببحر آزوف، خاصة قناة “فولجا-دون” التي تربط بين بحر قزوين وبحر آزوف، وما يرتبط بها من مرافئ وبنى تحتية، خاصة أن هذه القناة تعد ممرًا بديلًا يمكن لبعض القطع البحرية الروسية أن تستخدمه للوصول إلى البحر الأسود في حال تعذر عبورها من مضيق البوسفور.

شرق المتوسط، أو بمعنى أخر القاعدة البحرية الروسية في “طرطوس” السورية، كانت من ضمن المفاصل الاستراتيجية التي تضمنتها العقيدة البحرية الروسية، علمًا بأنها كانت ضيفًا دائمًا على النسخ السابقة من هذه العقيدة، لكن يتوقع أن تحظى بزخم أكبر في المدى المنظور، بفعل عمليات التوسيع التي بدأت فيها العام الماضي؛ إذ تعمل البحرية الروسية على توسيع القدرات الفنية لهذه القاعدة لتصبح بمثابة قاعدة متكاملة، عبر تزويد منشأة الإصلاح الخاصة بها برصيف عائم، بحيث يتم تفادي استقدام ورش فنية عائمة من روسيا إلى هذه القاعدة لتنفيذ الإصلاحات الجسيمة، كما كان الحال عليه سابقًا. 

هنا لابد من ملاحظة أن الوجود البحري الروسي في سوريا يرتبط ببنود أخرى تم ذكرها في العقيدة البحرية الجديدة كتحد رئيسٍ للأمن القومي لروسيا، من بينها مواجهة المحاولات الأمريكية “للهيمنة” على المحيطات العالمية، والسيطرة على سلاسل النقل وممرات التجارة.

تضمنت العقيدة الجديدة كذلك إشارة واضحة لمعضلة عدم وجود عدد كافٍ من القواعد ونقاط التمركز البحرية المخصصة لتموين السفن التابعة للقوات البحرية الروسية في البحار البعيدة، خاصة في البحر الأحمر، وهي نقطة مهمة؛ خاصة وأن اتفاقية إنشاء قاعدة الإمداد البحري الروسية في السودان، والتي تم توقيعها عام 2020، ما زالت خارج الإطار التنفيذي، بعد أن طلبت الخرطوم العام الماضي بإدخال تعديلات جوهرية عليها. 

طرح هذا الملف للمرة الأولى في العقيدة البحرية الروسية، ربما يشي بأن موسكو ستسعى خلال الأشهر المقبلة إلى إيجاد صيغة توافقية مع السودان للشروع في تأسيس هذه القاعدة، وربما تسعى -في حالة تعذر القيام بذلك- إلى إيجاد بديل للسودان.

هذا البند قد يعني أيضًا شروع موسكو مستقبلًا في إنشاء القواعد البحرية التي كانت تعتزم تأسيسها في جزر الكوريل وجزيرة “رانجل”، بالإضافة إلى اتفاقيات “محتملة” لإنشاء قواعد بحرية في منطقة أمريكا الوسطى واللاتينية، خاصة في دول مثل فنزويلا ونيكاراجوا، وهذه الأخيرة بالتحديد تعد خيارًا مفضلًا بالنسبة لموسكو؛ فقد كانت روسيا من ضمن الدول التي تضمنها قرار حكومة نيكاراجوا أواخر عام 2013، والذي أجاز لمجموعة من الدول من بينها كوبا والمكسيك وفنزويلا إرسال وحداتها الجوية والبحرية لزيارة نيكاراجوا.

ووقع الجانبان عام 2015 اتفاقية تسمح بدخول القطع البحرية الروسية إلى موانئ البلاد، واتفاقية أخرى تم بموجبها تأسيس عدة منشآت عسكرية، من بينها محطة أرضية خاصة بمنظومة “جلوناس” الروسية الملاحية العاملة بالأقمار الصناعية. تجديد نيكاراجوا مؤخرًا للقرار الخاص بمنح بعض الدول -ومن بينها روسيا- تصريحًا لإدخال وحداتها البحرية والجوية إلى البلاد فتح الباب واسعًا أمام احتمالات قيام روسيا، التي يوجد لها عشرات الفنيين والخبراء على أراضي نيكاراجوا، بتأسيس وجود بحري دائم هناك.

التسليح البحري.. دفعة كبيرة إلى الأمام

لم يغب الجانب التسليحي عن العقيدة البحرية الروسية الجديدة، فنصت على ضرورة العمل على تكثيف القدرات العملياتية للبحرية الروسية، عبر رفع القدرات القتالية، وتطوير مرافق الإنتاج لبناء حاملات الطائرات والسفن عالية التقنية ذات الإزاحة الكبيرة. كان ملف حاملات الطائرات بمثابة نقطة ضعف دائمة للقوة البحرية الروسية على مدار تاريخها المعاصر؛ إذ لم يسع الاتحاد السوفيتي بشكلٍ حثيث إلى بناء أسطول ضخم من حاملات الطائرات، على عكس الولايات المتحدة، نظرًا إلى أسباب عديدة، منها تكاليف بنائها وصيانتها الباهظة، ناهيك أن العقيدة العسكرية للبحرية السوفيتية كانت تفضل التركيز على بناء الطرادات الضخمة المُزودة بالصواريخ المضادة للسفن.

لهذه الأسباب وغيرها لم يكن لدى البحرية السوفيتية ولو حامِلة طائرات واحدة خلال الحرب العالمية الثانية، ولم تمتلك خلال الفترة التي تلت هذه الحرب وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي سوى ست حاملات طائرات. في الوقت الحالي، لا تمتلك البحرية الروسية سوى حامِلة طائرات واحدة فقط هي “الأدميرال كوزينتسوف”، وهي تخضع منذ عام 2017 لعمليات إصلاح وتحديث مكثفة، تشمل تسليحها بصواريخ “كاليبر” الجوالة و”أونيكس” المضادة للقطع البحرية، وصواريخ “تسيركون” الفوق صوتية، بجانب النسخة البحرية من منظومات الدفاع الجوي “بانتسير”، بجانب تحديث معدات الملاحة والتوجيه، والمعدات الخاصة برصد واستقبال الطائرات، ويتوقع أن تعود هذه الحاملة للخدمة مرة أخرى عام 2024.

عدم وجود أي حاملة طائرات عاملة حاليًا في البحرية الروسية -في ظل عمليات التحديث المتعثرة لحاملة الطائرات الروسية الوحيدة- جعل وزارة الدفاع الروسية تبدأ منذ عام 2016 في دراسة عدة تصاميم لحاملات طائرات نووية جديدة، من بينها مشروع حاملة الطائرات “شتورم”، التي تبلغ إزاحتها 80 ألف طن، وتتزود بثلاث مفاعلات نووية، ومشروع “فاران” الذي يتضمن بناء حاملة طائرات قادرة على تشغيل مقاتلات الجيل الخامس “باك فا – 50″، ويتوقع أن تحفز العقيدة البحرية الجديدة القيادة العسكرية الروسية على اختيار تصميم من هذه التصميمات قبل نهاية العام الجاري.

تعمل موسكو كذلك منذ عام 2015 على برنامجها الخاص لإنتاج سفن للهجوم البرمائي حاملة للمروحيات، تحت اسم الفئة “بريبوي”، حيث تم إدراج مشروع تصنيع سفينتين من هذا النوع تحت اسم “إيفان روغوف” و”متروفان موسكالينكو”، ضمن البرنامج الحكومي للتسلح الممتد بين عامي 2018 و2025، وقد بدأت عمليات بنائهما بالفعل في شبه جزيرة القرم عام 2018، ويتوقع أن تدخلا إلى الخدمة خلال العامين المقبلين، لتمثلا بذلك الظهور الأول لسفن الهجوم البرمائي الحاملة للمروحيات في البحرية الروسية.

تضمن خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال احتفال البحرية الروسية أمس إشارة لافتة لمنظومة الصواريخ الفوق صوتية “تسيركون”، حيث ذكر أن دخولها إلى الخدمة سيتم رسميًا خلال الأشهر المقبلة، علمًا بأن كافة الاختبارات الخاصة بهذا النوع من الصواريخ قد تم إتمامها في أغسطس 2021، وكانت فرقاطة “الأدميرال جورشكوف” من الفئة “22350” هي منصة هذه الاختبارات؛ نظرًا إلى أنها تتسلح بست عشرة خلية إطلاق صاروخية عمودية، وستكون هذه الفرقاطة أول قطعة بحرية روسية تتزود بهذا النوع من الصواريخ.

تعد صواريخ “تسيركون” بمثابة نقلة ضخمة في عالم التسليح البحري، نظرًا إلى خصائصها الفريدة على مستوى المدى والدقة وطريقة التحليق، وهذا ظهر خلال التجربة التي تمت على إطلاقه في أكتوبر 2020، حيث تمكن من قطع مسافة تبلغ 450 كيلومترًا، في زمن قدره 4 دقائق ونصف الدقيقة فقط، وهو ما لا يتيح للدفاعات المعادية سوى أجزاء من الثانية للتصدي له، حيث تصل سرعته القصوى إلى تسعة أضعاف سرعة الصوت، ناهيك بأنه حلق خلال هذه التجربة على ارتفاع 28 كيلومترًا. تشير التقديرات إلى أنَّ مدى هذا الصاروخ يصل إلى 1000 كيلومتر، وسقف تحليقه الأقصى يتراوح بين 35 و40 كيلومترًا.

لا تتوفر معلومات كافية عن الرأس الحربي الخاص بصواريخ “تسيركون”، لكن تشير التقديرات إلى أن زنته تتراوح بين 300 و400 كيلوجرام، وأنه قد يكون معتمدًا على تقنية “الطاقة الحركية”؛ إذ يتم استغلال السرعة الفائقة لهذا الصاروخ في تحويل كتلة معدنية صلبة متركزة في مقدمة الصاروخ إلى مقذوف مدمر له القدرة على تدمير الهدف بشكل كامل ومماثل لما قد تتسبب به الرؤوس الحربية التقليدية، وهذه تقنية مستخدمة في بعض أنواع قذائف الدبابات.

جدير بالذكر أن الإعلان عن العقيدة البحرية الروسية الجديدة تزامن مع تسلم البحرية الروسية أوائل الشهر الماضي للغواصة النووية “بيلغورود”، التي تعد القطعة البحرية الأولى التي تتسلح بالطوربيد النووي بعيد المدى “بوسايدون”، حيث تمتلك القدرة على حمل ستة طوربيدات من هذا النوع الذي لا يمتلك حلف الناتو عمليًا أي قدرة على اعتراضه أو إيقافه. 

الإعلان الأول عن هذا الطوربيد كان على لسان الرئيس الروسي في يوليو 2018، وهو يتميز بمداه البالغ عشرة آلاف كيلو متر، وسرعته الكبيرة البالغة 200 كيلو متر في الساعة، وقدرة رأسه المتفجر التي تصل إلى 2 ميجا طن، والذي يستطيع إحداث صدمة انفجارية تتسبب في هزات أرضية ينتج عنها موجات تسونامي كبيرة. المفارقة هنا أن التجربة الأساسية على هذا الطوربيد تمت في القطب الشمالي في شهر مارس من العام الماضي.

خلاصة القول، إن القراءة المتأنية في العقيدة البحرية الروسية الجديدة تؤكد على أنها بمثابة رد فعل روسي على التوترات المتزايدة بين موسكو وحلف الناتو، سواء على خلفية معارك أوكرانيا، أو عودة المحاولات الأوروبية لتصعيد الموقف الاستراتيجي في القطب الشمالي، خاصة في ظل تزايد احتمالات دخول النرويج وفنلندا للحلف. كذلك تضع موسكو أمام ناظريها حقيقة أن الوضع التكتيكي بالنسبة للبحرية الأمريكية في البحار المختلفة يبدو أفضل بكثير من الوضع الروسي، خاصة بعد أن قامت واشنطن بإعادة تفعيل “الأسطول الثاني” أو ما يعرف بـ “أسطول الأطلسي” بهدف أساسي وهو التصدي للأنشطة البحرية الروسية. الأكيد أن التغيرات التي نجمت عن الحرب في أوكرانيا والدروس التي تلقتها البحرية الروسية خلال هذه الحرب كانت من أبرز المكونات التي استندت إليها موسكو خلال إعداد عقيدتها البحرية الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى