ليبيا

تكرار الأخطاء.. تداعيات الخلط “الإقليمي” للأوراق الليبية

ربما يمكن أن نعد “تكرار الأخطاء” إحدى أهم سمات التدخلات الإقليمية في الشأن العربي بشكل عام، وبشكل خاص الملف الليبي الذي كلما اقترب من الوصول إلى مسار سياسي واضح -بدعم عربي وأممي- ما يلبث ويتعرض لنكسات خطيرة، تعيده أشهرًا -وربما سنوات- إلى الخلف، بشكل تتم فيه إعادة مشاهد سابقة لم ينتج عنها سوى تأثيرات سلبية عميقة الوطأة على مستقبل الأوضاع الليبية بشكل عام.

وعلى الرغم من الدور الأساسي للخلافات الداخلية الليبية في تكريس الوضع الحالي، فإن التدخلات الإقليمية “السلبية” في الشأن الليبي أفضت إلى سلسلة من التفاعلات العكسية، بدءًا من تعذر إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية أواخر العام الماضي، مرورًا بالعودة إلى حالة “الثنائية الحكومية”، بعد تمسك حكومة “الوحدة الوطنية” في غرب البلاد بموقعها، رغم انتهاء ولايتها القانونية، وكذا التظاهرات الشعبية التي خرجت في عدة مدن ليبية تطالب بإيجاد حلول لحالة الانسداد السياسي الحالي، وصولًا إلى المشاهد الدامية التي شهدتها العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية عدة مرات خلال الفترة الأخيرة.

تكرار الأخطاء السابقة لم يقتصر فقط على إعادة إنتاج حالة ازدواج حكومي -كما حدث سابقًا بين حكومتي “الثني” و”السراج”- بل تجاوز هذا الحد ليصل إلى استنساخ أحد أهم الخطوات الخاطئة التي أقدمت عليها حكومة السراج عام 2019 وهي التوقيع -بشكل منفرد وغير قانوني- على اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع دول أخرى تتعلق بالثروة الليبية وحدودها البحرية، دون أي التفات لحقيقة الوضع القانوني لهذه الحكومة، أو دور البرلمان في مراقبة وفحص هذه الاتفاقيات، أو حتى الحقوق الأخرى للدول المحيطة بالساحل الليبي. 

أسست حكومة “الدبيبة” منتهية الولاية على اتفاقية السراج، واستندت إليها من أجل تكرار نفس هذه الخطوة، عبر إبرام اتفاق مماثل مع نفس الدولة –تركيا- ووقعت معها في الثالث من شهر أكتوبر الجاري اتفاقية -على شكل “مذكرة تفاهم”- في مجال الموارد الهيدروكربونية “النفط والغاز الطبيعي”، وذلك خلال زيارة أجراها وفد تركي رفيع المستوى إلى العاصمة الليبية برئاسة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، وعضوية وزراء الدّفاع خلوصي آكار والطاقة فاتح دونماز، والتجارة محمد موش، ورئيس الأركان العامّة ياشار غولر، ورئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية فخر الدّين ألتون، والمستشار الأوّل للرئيس التركي إبراهيم كالن.

اتفاقية مجهولة المضمون حتى لمن قام بتوقيعها

لعل النقطة الأبرز فيما يتعلق بالاتفاقية الجديدة الموقعة بين الجانبين هي عدم إعلان بنودها بشكل واضح -على عكس ما حدث فيما يتعلق باتفاقية الحدود البحرية عام 2019- ناهيك عن عدم اطلاع عدة وزراء بحكومة الدبيبة على بنود هذه الاتفاقية، مثل وزير النفط محمد عون الذي من المفترض أنه طرف أصيل في بحث وتوقيع هذه الاتفاقية، لكن لم يتم الالتفات لملاحظاته على هذه الاتفاقية، وتم استغلال وجوده خارج ليبيا، وتكليف وزير الاقتصاد والتجارة محمد الحويج بمهام منصبه، في سابقة لافتة. 

وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش كانت أكثر وضوحًا في هذا الصدد، حين أقرت خلال مؤتمرها الصحفي مع وزير الخارجية التركي أنها لم تطلع على بنود هذه الاتفاقية، بجانب أنها تحدثت سهوًا عن أن هذه الاتفاقية تنتظر “التصديق عليها” في الأمم المتحدة، ثم عادت وتداركت هذا الخطأ، وقالت إنها قصدت “تسجيل” الاتفاقية، وهو ما عكس أجواء الارتباك التي شابت هذا الاجتماع.

على المستوى العام وإذا ما نحينا جانبًا حقيقة أن حكومة الدبيبة هي حكومة منتهية الولاية، يجب أن نضع في الحسبان الوضع القانوني لهذه الحكومة حتى في حالة ما إذا كانت مستمرة الولاية؛ إذ تنص الفقرة العاشرة من المادة السادسة من خارطة الطريق على “ألا تنظر السلطة التنفيذية خلال المرحلة التمهيدية في أي اتفاقيات أو قرارات جديدة أو سابقة بما يضر باستقرار العلاقات الخارجية للدولة الليبية أو يلقي عليها التزامات طويلة الأمد”.

وهو ما يطرح مسألة الأسباب الموجبة لتوقيع هذه الاتفاقية في هذا التوقيت بالتحديد، وهي أسباب ربما ترتبط بشكل وثيق وأساسي بحسابات إقليمية وليس بالمصلحة الليبية، خاصة وأن الهدف المعلن من جانب كافة القوى – بما في ذلك حكومة الدبيبة – هو الوصول إلى الانتخابات، أي أن المسار هو سياسي في الأساس ولا ارتباط له بتوقيع اتفاقيات خارجية، لن يكون لها دور سوى خلط الأوراق داخليًا، وإدخال ليبيا بشكل أكبر في دائرة الصراعات الإقليمية التي تتفجر حينًا وتخفت حينًا آخر.

وفي انتظار الإعلان “الواضح” عن بنود الاتفاق الذي نحن بصدده، تسربت بعض المواد التي تحمل في طياتها التزامًا دائمًا بين ليبيا وتركيا فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز والنفط؛ إذ تتضمن هذه المواد شمول الأنشطة المتفق عليها الاستكشاف والإنتاج والنقل والتكرير وتوزيع وتجارة النفط والغاز والبتروكيماويات، بجانب تعهد ليبيا بضمان دعوة مؤسستها الوطنية للنفط نظيرتها التركية و”شركائها” للمشاركة في المشاريع البرية والبحرية المتعلقة بالتنقيب عن النفط.

وهنا نلاحظ ذكر كلمة “شركائها”، وهي كلمة فضفاضة وتحمل معاني لافتة. وتضمن المؤسسة الليبية للنفط إبرام الاتفاقات والعقود مع مؤسسة النفط التركية لتنفيذ العمليات البترولية، بما في ذلك التقييم والتنقيب والتطوير والإنتاج والفصل والمعالجة والتخزين والنقل في الحقول والمناطق البرية والبحرية الحالية والمستقبلية. ومن البنود “المسربة” اللافتة في هذه الاتفاقية كذلك البند المتعلق بـ “أن إنهاء أو انتهاء صلاحية هذه الاتفاقية لا يؤثر على الأنشطة والمشاريع الجارية بالفعل أو المنفذة، حيث ستستمر هذه العقود حتى نهاية مدتها”.  

ردود فعل محلية رافضة لهذه الاتفاقية

اتحدت بشكل لافت كافة ردود الفعل الدولية والإقليمية والمحلية على هذه الاتفاقية، رافضة بشكل قاطع الخطوة التركية الجديدة في ليبيا. فمحليًا، رفض مجلس النواب الليبي -عبر تصريحات لرئيسه المستشار عقيلة صالح، بجانب عدة بيانات أصدرتها لجان المجلس- خطوة توقيع هذه الاتفاقية، فقال المستشار صالح في تصريحات صحفية، إنّ “أي اتفاقية أو معاهدة أو مذكرة تفاهم يتم إبرامها من حكومة الدبيبة منتهية الولاية مرفوضة وغير قانونية، وغير ملزمة لدولة ليبيا والشعب الليبي”.

كذلك أرسل المستشار صالح إلى الأمين العام للأمم المتحدة رسالة تحمل نفس المضمون السابق، وأصدر 90 عضوًا بالمجلس بيانًا عبروا فيه عن رفضهم توقيع هذا الاتفاق. وأصدرت كل من لجنة الشؤون الخارجية ولجنة الطاقة والموارد الطبيعية بالمجلس، بيانين منفصلين حول نفس الموضوع. 

حكومة “الاستقرار” برئاسة فتحي باشاغا عبرت من جانبها عن رفضها الشديد لاستمرار الحكومة منتهية الولاية في اغتصاب السلطة، وأشارت الحكومة إلى أنها ستبدأ في التشاور المباشر مع الشركاء الوطنيين والإقليميين والدوليين للرد بالشكل المناسب على هذه التجاوزات المهددة لمصلحة الأمن والسلم في ليبيا بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، مع الاحتفاظ بحقها في اللجوء إلى القضاء لإيقاف هذه الخطوة. موقف باشاغا في هذا الإطار يبدو أكثر أهمية؛ بالنظر إلى أنه كان من ضمن الموقعين -بصفته وزيرًا للداخلية في حكومة السراج- على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية عام 2019، وبالتالي يبدو موقعه الحالي متوافقًا مع تموضعه السياسي القائم، وإدراكه حجم الأضرار التي سببها اتفاق 2019، ومنها تمهيد الطريق نحو الاتفاق الذي نحن بصدده.

موقف المجلس الأعلى للدولة من هذه الاتفاقية شابته بعض التباينات الداخلية؛ الرأي الغالب، والذي عبر عنه بيان لـ 73 عضوًا بالمجلس، كان رافضًا لهذه الاتفاقية، لكن لم يرفض رئيس المجلس خالد المشري -بشكل واضح- هذه الاتفاقية، خاصة أنه التقى ونائبه عمر بوشاح كافة أعضاء الوفد التركي الزائر لطرابلس، لكن ذكر أحد أعضاء المجلس -سعد بن شرادة- أن لقاء الوفد التركي مع رؤساء لجان مجلس الدولة تضمن إشارة من جانب المجلس لعدم جواز إبرام اتفاقيات أو تفاهمات في ظل الوضع الراهن، وأن ما أقدمت عليه تركيا من اتفاقات مع حكومة الدبيبة سوف يقود الشعب إلى مراجعة العلاقة مع تركيا.

موقف المجلس الرئاسي -الذي تقابل أعضاؤه ورئيسه أيضًا مع الوفد التركي الزائر لطرابلس- كان “شبه متوازن”، حيث أصدر أمس بيانًا قال فيه إن التعاون بين الدول تنظمه مواثيق وأعراف دولية، وقوانين محلية، وهي تهدف جميعها إلى مصلحة الشعوب أولًا، وما تجتهده الحكومات عبر توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بينها يهدف إلى تعزيز التعاون، ولِتدخلَ الاتفاقيات حيز التنفيذ يتطلب اعتمادها “التصديق” من المجالس التشريعية، وأضاف: “وإذ يتطلب إبرام الاتفاقيات التشاور مع المجلس الرئاسي، فإنه يؤكد على أهمية التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة كافة، بما يخدم مصلحة الشعب الليبي ومستقبل بلاده”.

على المستوى الحزبي، أعلنت 3 أحزاب ليبية هي: حزب الاتحادي الوطني، وليبيا الكرامة، وليبيا للجميع، رفضها للاتفاقيات التي وقعتها حكومة الدبيبة خلال زيارة الوفد التركي، وقالت الأحزاب إن التوقيع على مثل هذه الاتفاقيات هي “خيانة عظمى”، مشيرة إلى أن حكومة الوحدة رهنت مقدرات الوطن للدول الأجنبية ودفعته في آتون الصراعات العالمية. وأشارت الأحزاب إلى خارطة الطريق الصادرة عن اتفاق جنيف، مؤكدة أنه لا يحق لحكومة الدبيبة النظر في الاتفاقيات الجديدة أو السابقة.

ردة فعل إقليمية ودولية منددة باستمرار النهج التركي في ليبيا

سارعت كل من القاهرة وأثينا للتنديد بهذه الاتفاقية، سواء عبر بيان لوزارة الخارجية المصرية عقب الاجتماع الذي جمع أول أمس بين وزيري الخارجية المصري واليوناني، أكدت فيه على أن حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها في طرابلس لا تملك صلاحية إبرام أية اتفاقات دولية أو مذكرات تفاهم، أو عبر بيان أصدرته الخارجية اليونانية أمس، أكدت فيه أن هذا الاتفاق ينتهك حقوق اليونان السيادية، وأن أثينا تنوى الدفاع بكل السبل عن هذه الحقوق، وان هذا الاتفاق غير قانوني، ويجب أن يكون للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو رد فعل عليه. 

المواقف المصرية واليونانية في هذا الملف تتطابق مع مواقفهما السابقة من اتفاقية ترسيم الحدود البحرية عام 2019، والتي تنتهك الحقوق اليونانية، وفي نفس الوقت تكرس الانقسام والخلاف الداخلي في ليبيا، بشكل لا يساعد في دفع الجهود الأممية والمصرية لإيجاد حل للأزمة الليبية إلى الأمام.

الاتحاد الأوروبي من جانبه أكد رفضه لهذا الاتفاق، وعبر عن هذا الناطق باسم الاتحاد للشؤون الخارجية، بيتر ستانو، الذي قال إن الاتفاقية الموقعة بين ليبيا وتركيا تتطلب مزيدًا من التوضيحات، معتبرًا أنها تستند إلى مذكرة تفاهم تتعارض مع قانون البحار وتنتهك حقوق الدول الأخرى. وأضاف ستانو، أن موقف المجلس الأوروبي حول مذكرة ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا الموقع عام 2019 لم يتغير، والمتمثل في كون هذه المذكرة وكل ما يترتب عليها لا يمتثل لقانون البحار، ويمثل انتهاكًا للحقوق السيادية للدول الأخرى، داعيًا إلى إيجاد مزيد من الإيضاحات حول محتوى الاتفاقية الجديدة.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية لم يخرج عن هذا الإطار؛ فقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أمس، إن حكومة الدبيبة ملزمة من قبل منتدى الحوار السياسي الليبي بعدم التوقيع على اتفاقيات جديدة من شأنها أن تخل بالعلاقات الخارجية للبلاد أو من شأنها أن تؤدي إلى التزامات طويلة الأجل. نفس الموقف اتخذته الخارجية القبرصية، التي أصدرت بيانًا يشكك بقانونية الاتفاق الجديد؛ كونه يستند إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2019 الذي تعدّه قبرص غير قانوني أيضًا.

إذًا، نصل إلى خلاصة مفادها أن الاتفاقية الجديدة -مثلها مثل اتفاقية عام 2019 – لا تتعلق بأي حال من الأحوال بالمصلحة الليبية او بجهود إيجاد حلول لأزمة استفحلت على مدار السنوات الماضية، بل هي فصل جديد من فصول الصراع الإقليمي تفتتحه أنقرة رغم محاولة دول الإقليم إيجاد صيغ للتعاون البناء معها. 

الاتفاقية الجديدة تمت -للمفارقة- بالتزامن مع الذكرى الـ 100 لاتفاقية “أوشي”، التي تم توقيعها بين الدولة العثمانية وإيطاليا عام 1912، وخلالها تم الاتفاق على الترتيبات الخاصة بليبيا بين البلدين، وهو تزامن تعمدت أنقرة -كعادتها- وجوده بما يعكس الذهنية المحركة لخطواتها الإقليمية، والتي تستمد من التاريخ العثماني مسوغاتها ومبرراتها، لكن سيبقى السؤال، هل تسهم الخطوة التركية الأخيرة في إيجاد حل للأزمة الليبية؟

الأكيد ان هذه الخطوة تجعل الحل في ليبيا أبعد مما كان عليه الحال، خاصة وأن التداعيات المقبلة لهذه الخطوة، سواء من جانب الغرب الليبي أو الشرق لم تتضح بشكل كامل، في ظل عدم إعلان الجيش الوطني عن موقفه الذي يُتوقع ألا يختلف عن موقفه الرافض لاتفاقية عام 2019. الخطوة التركية، وإن كانت خلطًا إضافيًا للأوراق في ليبيا، إلا أنها تعد مساهمة فعالة في دفع البلاد أكثر نحو سيناريو تم طرحه بشكل متزايد على المستوى الداخلي، ألا وهو “الفيدرالية”، وهو ما يفتح الباب أكثر أمام تقسيم البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى