ليبيا

خلط الأوراق… ليبيا بين أزمة الشرعية واختلاف الأولويات

أصبح موعد الرابع والعشرين من الشهر الجاري الذي كانت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا قد اقترحته لعقد الانتخابات الرئاسية محكومًا بمصير مشابه لما لاقاه الموعد الأساسي الذي كان مقررًا لعقد هذه الانتخابات، وهو الرابع والعشرين من الشهر الماضي. وعلى الرغم من أن اطرافًا ليبية عديدة كانت تسعى بشكل حثيث لإنجاح عقد هذا الاستحقاق في الموعد الأول، إلا أن السواد الأعظم من هذه الأطراف دخل العام الجديد وهو متيقن من أن أشهرًا عدة ستسبق عقد هذه الاستحقاقات الانتخابية، سواء كانت رئاسية أو تشريعية.

هذه الرؤية يمكن قراءتها من خلال عودة رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح إلى ممارسة مهام منصبيهما. النقطة الأساسية التي يمكن قراءتها في هذا الإطار، أن السباق خلال الأشهر القليلة الماضية كان حول المسير نحو انتخابات رئاسية وتشريعية، إلا أنه تحول مع حلول العام الجديد إلى منافسة حول الأولويات، ومحاولة للقفز على أزمة باتت أمرًا واقعًا يطال الأوساط الليبية كافة، وهي تصاعد الشكوك في شرعية الأجسام السياسية القائمة حاليًا.

فيما يتعلق بالتنافس حول الأولويات، يمكن القول إن هناك تيارين أساسيين حاليًا يحاولان فرض وجهتي نظرهما فيما يتعلق بما يجب أن يتم التركيز عليه سياسيًا في المرحلة الحالية؛ التيار الأول يرى أن واقع الحال يفرض التوجه نحو الاستفتاء على الدستور أولًا، بالتزامن مع تشكيل خريطة طريق سياسية جديدة، في حين يرى التيار الثاني أنه لتفادي تفاقم أزمة الشرعية يجب الالتزام بخارطة الطريق الحالية التي تمخضت عن ملتقى الحوار الوطني، بحيث يتم على الأقل عقد الانتخابات التشريعية، قبل يونيو المقبل. التيار الأول يتصدره مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في حين ترى البعثة الأممية في ليبيا أن التيار الثاني ربما يكون أكثر واقعية. بين كلا التيارين تقبع أزمة مصير الحكومة الحالية، وهي أزمة باتت تلقي بظلالها على الوضع السياسي والمعيشي في البلاد.

البرلمان الليبي يتصدر التفاعلات السياسية الداخلية

بدا من تحركات مجلس النواب، حتى قبل حلول العام الجديد، أنه بات أقرب للعمل في إطار بحث المسار الدستوري، وهو ما يجعله قريبًا من وجهة نظر المجلس الأعلى للدولة، وهذا يمكن اعتباره على المستوى التكتيكي تغيرًا جذريًا في توجهات رئيس المجلس المستشار عقيلة صالح الذي كان حتى أسابيع قليلة مضت يرى أن عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية هو المسار الأفضل.

خلال جلسة المجلس التي انعقدت في السابع والعشرين من الشهر الماضي، تمت مناقشة توصيات لجنة متابعة الانتخابات. اللافت أن توصيات هذه اللجنة تضمنت اقتراحًا بتشكيل لجنة مشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة؛ بهدف تعديل الدستور، وتضمنت أيضًا اقتراحًا بتشكيل لجنة للنظر في تكوين خارطة طريق سياسية جديدة. وقد تم بالفعل تشكيل هذه اللجنة بهدف أولي وهو عقد لقاءات مع المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة والهيئة الوطنية لصياغة الدستور والأحزاب السياسية المختلفة، للوصول إلى صيغة متوافق عليها بشأن خريطة الطريق السياسية للمرحلة المقبلة.

خلال هذه الجلسة، تقرر أن تقوم هذه اللجنة برفع تقريرها للمجلس بعد تاريخ الرابع والعشرين من يناير، وهو ما يشير إلى أن احتمالات عقد الانتخابات في هذا التاريخ باتت ضعيفة. المثير للاهتمام هنا أن الهيئة التأسيسية للدستور كانت قد قدمت طلبًا للجنة البرلمانية الخاصة ببحث خارطة الطريق، من أجل الاجتماع معها، لكن تجاهلت اللجنة البرلمانية هذا الطلب، وفضلت الاجتماع مع بشكل غير رسمي مع عضوين من أعضاء هذه الهيئة.

مسألة “القوة القاهرة” التي كانت جوهر البيان الذي أصدرته المفوضية العليا للانتخابات، وأعلنت فيه عن اقتراحها عقد الانتخابات الرئاسية في الرابع والعشرين من الشهر الحالي، كانت محور جلسة مجلس النواب التي انعقدت في الثالث من الشهر الجاري، حيث تم فيها استجواب رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح الذي أكد أن المفوضية تلقت تهديدات واضحة لمنعها من تضمين أسماء معينة في القائمة النهائية للمرشحين في الانتخابات الرئاسية، وأضاف أن المفوضية اكتشفت أن الشهادات العلمية لبعض المترشحين غير صحيحة، وأن المفوضية تحتاج عدة أشهر لمراجعة قوائم تزكيات 98 مرشحًا. 

وذكر السايح أن من عناصر القوة القاهرة أيضًا مسألة الأحكام القضائية المتضاربة، ومنها: قرار محكمة مصراتة بإيقاف المادة رقم 80، والتهديدات التي وجهت للمفوضية في حالة احتوت القائمة النهائية أسماءً بعينها. واقترح السايح في مداخلته تعديل قوانين الانتخابات الحالية، وسن قانون خاص للطعون الانتخابية.

تضمنت مداخلة السايح حديثًا واضحًا عن صعوبة عقد الانتخابات في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، وأن توقف الانتخابات الرئاسية يعني بالضرورة عدم إجراء الانتخابات البرلمانية، وهو ما يشير إلى ميل من جانب المفوضية نحو التوجه أولًا للاستفتاء على الدستور. وانتهت هذه الجلسة دون تحديد موعد واضح للانتخابات الرئاسية، ورمى الرئيس المكلف لمجلس النواب فوزي النويري الكرة في ملعب اللجنة البرلمانية المكلفة ببحث خارطة الطريق، كي تتواصل مع كافة الجهات من أجل تحديد موعد جديد للانتخابات. 

هذه الأجواء جعلت من عودة المستشار عقيلة صالح لترؤس جلسات مجلس النواب أمرًا متوقعًا في ظل انعدام فرص عقد الانتخابات الرئاسية التي يعد صالح من ضمن المترشحين فيها. ترأس صالح جلستي المجلس المنعقدتين أمس وأول أمس، وتحدث خلالهما عن ملفين أساسيين: الأول هو ملف حكومة الوحدة الوطنية الحالية، التي سبق وسحب البرلمان الثقة منها، حيث أشار صالح إلى أن البرلمان يعتبر هذه الحكومة “منتهية الولاية”، ودعا النائب العام للتحقيق في النفقات التي قامت هذه الحكومة بإنفاقها خلال الأشهر الماضية. هذا التوجه من جانب صالح يتوافق مع تحركات سابقة للمجلس، الذي قام سابقًا بتشكيل “لجنة متابعة المؤسسات السيادية”، وهي مخصصة لمراجعة أنشطة المصرف المركزي وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد. 

الملف الثاني الذي طرحه صالح، هو ملف الدستور، حيث دعا لتشكيل لجنة لتأسيس مسودة دستور توافقي، بعد أن اعتبر أنه بات من الصعب القبول بمسودة الدستور الحالية. بهذا الطرح أكمل المستشار صالح صورة التوجه الذي يعتزم مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة المسير فيه خلال الفترة الماضية، خاصة بعد الأنباء التي تحدثت عن لقاء تم مؤخرًا في المغرب بين صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري.

الدستور أم الانتخابات التشريعية؟

بعد أن نجحت “القوة القاهرة” في تأجيل الانتخابات الرئاسية، بات المسار الدستوري هو ما يجمع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في تموضع سياسي واحد؛ إذ يتفق الجانبان من حيث المبدأ على ضرورة إيجاد صيغة دستورية متوافق عليها، وهنا تختلف التكتيكات التي يرغب كل طرف في اتباعها؛ فالمجلس الأعلى للدولة يرى أنه يجب الاستفتاء شعبيًا على مسودة الدستور الحالية، أو التوافق بينه وبين مجلس النواب لاعتبار هذه المسودة بمثابة قاعدة قانونية دستورية بشكل مؤقت، يتم على أساسها إجراء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في حين يرى مجلس النواب -وهذا واضح من ما طرحه المستشار صالح في جلسات هذا الأسبوع- أن هذه المسودة تشوبها نقائص عديدة، وهناك جدل حول قانونية الجلسة التي تم فيها إقرار هذه المسودة في أبريل 2016، لذا من الأفضل تشكيل لجنة لبحث مسودة جديدة للدستور، وهو ما يجعل الفترة الانتقالية تتجاوز عام واحد مقبل.

هذا الخلاف ربما يتم حله من خلال التوافق على صيغة مشتركة، كأن يتم مثلًا تشكيل لجنة تجمع بين الجانبين، لمراجعة مسودة الدستور الحالية وتحديد المشاكل التي تشوبها. وهنا لابد من الإشارة إلى أن عضو لجنة التواصل المنبثقة عن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور امراجع نوح صرح في العاشر من الشهر الجاري بأنه تم خلال اجتماع هذه اللجنة مع اللجنة البرلمانية لخارطة الطريق الاتفاق على تشكيل لجنة من المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب والهيئة التأسيسية، تبحث في إيجاد صيغتين لحل هذه المعضلة، ومن ثم الاجتماع قريبًا لبحث الصيغة الأقرب للتطبيق.

المسار الثاني تدفع باتجاهه مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز، التي بدأت منذ اوائل الشهر الجاري سلسلة من اللقاءات المكثفة، شملت السفير الإماراتي في ليبيا محمد الشامسي والقائم بأعمال سفارة روسيا في ليبيا جمشيد بولتايف، والممثلة الخاصة لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في ليبيا وحيدة العياري، ووزير خارجية تونس عثمان الجرندي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، والسفير الجزائري في ليبيا سليمان شنين، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح، وأعضاء لجنة خارطة الطريق البرلمانية، ومن ثم انتقلت إلى العاصمة المصرية القاهرة، والتقت هناك وزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة، وفي تركيا التقت بنائب وزير الخارجية التركي سادات أونال.

تحركات ويليامز تستهدف بشكل أساسي إطالة عمر مسار برلين السياسي، الذي باتت التأويلات حوله وحول خارطة الطريق المنبثقة عنه مختلفة، بين من يرى أن خارطة الطريق هذه انتهت فعليًا أواخر العام الماضي، وبين ويليامز التي ترى أن هذه الخارطة ممتدة حتى يونيو المقبل، وبين من يرى أنها ممتدة حتى شهر سبتمبر. 

ويليامز تريد من خلال إعادة تفعيل ملتقى الحوار الوطني، محاولة عقد الانتخابات التشريعية قبيل يونيو المقبل، وهذا يبدو واضحًا من تصريحاتها الأخيرة التي قالت فيها إنها حضت مجلس النواب على التركيز على عقد هذه الانتخابات، بدلًا من محاولة تشكيل حكومة انتقالية، لكنها في نفس الوقت لا تعارض تغيير الحكومة الحالية، حيث قالت إن صلاحيات مجلس النواب الحالي تتضمن تغيير الحكومة، لكن ضمن نصاب معين وتحت شروط خاصة.

إذًا، خلاصة القول إن الداخل الليبي بات أمام مسارين لا ثالث لهما: إما انتخابات تشريعية قريبة، أو الدخول في المسار الدستوري ضمن مدى غير محدد إطاره الزمني. هذه المشهدية تأتي وسط تصاعد تدريجي لغضب مكونات الجنوب الليبي التي نفذت عدة مظاهرات ووقفات احتجاجية للمطالبة بعقد الانتخابات، فقد قامت مجموعات من النخب السياسية الليبية في الجنوب مؤخرًا بعقد مؤتمر في مدينة سبها، طالبوا فيه بشكل واضح بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أسرع وقت. لذا يمكن القول إن التقرير الذي سترفعه لجنة خارطة الطريق البرلمانية أواخر الشهر الجاري، ربما سيوضح بشكل شبه كامل أي المسارين ستتبعها المكونات السياسية الليبية -أو أغلبها- خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى