مصر

قاعدة 3 يوليو.. العصر الجديد للبحرية المصرية

اليوم يكتمل عقد القواعد البحرية المصرية الجديدة التي كان إنشاؤها جزءًا أصيلًا من خطة تحديث القوات البحرية، التي بدأت فعليًا عام 2015، وختام هذه القواعد -على الأقل في الوقت الحالي- كان قاعدة “3 يوليو” البحرية التي لا تقتصر أهميتها فقط على تأمين اتجاه مهم من الاتجاهات الاستراتيجية للأمن القومي المصري وهو الاتجاه الغربي، بل تتعدى هذا الهدف لتشمل مجموعة من الأهداف التكتيكية والاستراتيجية، على رأسها ترسيخ مبدأ “القواعد اللوجستية الشاملة”، ذات المهام المتعددة المتعلقة بالأمن الاقتصادي والحدودي للدولة.

القواعد البحرية … ركن أساسي في تحديث المنظومة العسكرية المصرية

كانت البحرية المصرية حتى وقت قريب تمتلك بشكل أساسي قاعدة بحرية رئيسية في مدينة الإسكندرية، مقسمة بين منطقتي رأس التين وأبو قير، بجانب قواعد بحرية أخرى في كل من السويس وبورسعيد وسفاجا، وقاعدة لزوارق الدورية في ميناء مطروح، وثلاثة أرصفة حربية في موانئ الغردقة ودمياط وشرم الشيخ. ونظرًا إلى أن الخطة المصرية لتحديث السلاح البحري كانت تقتضي تقسيم القوة البحرية المتوفرة والمستقبلية، لتصبح موزعة على أسطولين أساسيين، الأول في البحر الأحمر والثاني في البحر المتوسط، فقد تم اختيار قاعدة سفاجا البحرية لتكون مقر الأسطول الجنوبي المصري (أسطول البحر الأحمر)، في حين تم اختيار قاعدة رأس التين البحرية في مدينة الإسكندرية، لتكون مقر الأسطول الشمالي (أسطول البحر المتوسط). 

بعد ذلك بدأ التفكير بشكل أكبر في إضافة قواعد جديدة في كلا الاتجاهين، من أجل تخفيف الضغط على القواعد الحالية، ومن جهة أخرى استيعاب الأعداد الجديدة من القطع البحرية التي ستنضم إلى الخدمة، فكانت البداية في يناير 2020 بافتتاح قاعدة (رأس بناس) في منطقة (برنيس) جنوبي شرق مصر على ساحل البحر الأحمر، وهي ملاصقة لمطار (برنيس) المدني/العسكري.

وتتميز هذه المنطقة -بالإضافة إلى أنها تضم ثاني قاعدة بحرية رئيسية للأسطول الجنوبي- بأنها نقطة عبور استراتيجية إلى منطقة القرن الإفريقي، ونقطة التقاء بحرية وجوية بين قارتين وثلاثة بحار استراتيجية، ستعطي للأسطول الجنوبي مرونة كبيرة في الحركة في اتجاه جنوب البحر الأحمر، بجانب القدرة على تأمين النشاط السياحي والاقتصادي الذي يتوقع أن تشهده هذه المنطقة الواعدة، والممتدة حتى منطقتي حلايب وشلاتين على الحدود مع السودان.

يضاف إلى هذه القاعدة، قاعدة بحرية مهمة أخرى جارٍ إنشاؤها حاليًا، وهي قاعدة (شرق بورسعيد) البحرية، ذات الموقع الاستراتيجي المطل على المدخل الشمالي لقناة السويس، والتي ستعمل على ضمان أمن الملاحة في القناة، بالتعاون مع وحدات الأسطول الشمالي الأخرى الموجودة في قاعدة بورسعيد البحرية، بجانب تأمين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والساحل الشمالي لشبه جزيرة سيناء.

ترافق مع هذا التوجه، تدشين عدة مرافق أساسية للصيانة والتدريب، من بينها أكبر مقر ذو هيكل معدني لتمركز الغواصات، يعد الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتجاوز مساحته الكلية 30 ألف متر مربع، موزعة على ثلاثة أرصفة لرسو الغواصات، بجانب المرافق اللوجستية المعاونة، وورش الصناعات والمخازن وأماكن الإيواء والمكاتب الإدارية. يضاف إلى ذلك مجمع ضخم يضم أجهزة محاكاة السفن والغواصات، يعد ضمن أكبر عشرة مرافق من هذا النوع على مستوى العالم، وهو مخصص لتدريب الأطقم البحرية على عمليات الإبحار والاشتباك والاقتحام، بشكل يوفر الموارد والذخائر، ويضمن مستوى تدريبي واقعي رفيع.

قاعدة 3 يوليو .. نقطة ارتكاز لوجيستي في غرب مصر

مما سبق يتضح بشكل جلي أن الذهنية العسكرية المصرية في تحديد مواضع القواعد البحرية الجديدة كانت شاملة لكافة الاعتبارات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، بحيث تخدم هذه القواعد -بجانب الاعتبارات العسكرية والأمنية- جهود التنمية وحماية الموارد الاقتصادية. قاعدة الثالث من يوليو البحرية تعد بمثابة تجسيد حي لهذه الذهنية، فمن حيث الموقع الجغرافي تقع هذه القاعدة بمنطقة النجيلة على بعد نحو 70 كيلو متر غربي مدينة مطروح في الساحل الشمالي لمصر، قرب الحدود المشتركة مع ليبيا، وهو موقع مهم على المستوى التكتيكي، خاصة لو وضعنا في الحسبان الأهمية المتزايدة للاتجاه الغربي والأراضي الليبية بالنسبة للأمن القومي المصري، الذي باتت حاليًا نظرته للمحيط الحيوي تختلف جذريًا عن عقود سابقة.

على الجانب الاقتصادي، أضافت الاكتشافات المتتالية للغاز الطبيعي على طول الساحل الشمالي المصري أهمية مضاعفة لموقع هذه القاعدة، ليس هذا فحسب، بل أن الوحدات البحرية التي ستتمركز في هذه القاعدة، ستكون مكلفة بضمان أمن المنطقة الاقتصادية الكبرى الجاري إنشاؤها في هذا النطاق، وتشمل منطقة صناعية ضخمة، وميناء تجاري، ومركز اقتصادي وسياحي، وتجمعات سكنية مختلفة. وهذا من أهم أسباب إنشاء هذه القاعدة، التي ستتولى أيضًا تأمين خطوط الملاحة من وإلى الموانئ المصرية، وتوفير الأمن البحري ومكافحة أعمال القرصنة والتهريب، وهذا هو الجانب الأمني في الأدوار المكلفة بها هذه القاعدة؛ فأعمال التهريب والهجرة غير الشرعية، باتت تهديدات لا تقل خطورة عن التهديدات الإرهابية أو التهديدات العدائية المحتملة من بعض الجيوش النظامية.

الجانب الآخر المهم فيما يتعلق بهذه القاعدة، يكمن في دورها كقاعدة “دعم لوجستي شامل”، وهو مبدأ بدأت القوات البحرية الكبرى حول العالم في تطبيقه؛ فالقواعد البحرية بمعناها التقليدي السابق الذي فيه كانت تتكون من رصيف لرسو السفن وصيانتها وتموينها فقط، أصبح غير متوافق مع التطور المتزايد في نوعية التسليح الذي باتت تتمتع به القوات البحرية الرائدة حول العالم، ومنها بالطبع البحرية المصرية، وباتت الحاجة ماسة لوجود قواعد بحرية شاملة، تحتوى على مرافق كاملة للتدريب والإعاشة، وأرصفة متطورة لرسو كافة أنواع القطع البحرية، بجانب مرافق طبية وإدارية متنوعة.

هذا ما يتوفر بشكل واضح في قاعدة الثالث من يوليو البحرية، التي تضم مركزًا رئيسًا للقيادة والسيطرة، وآخر للتدريبات، بجانب رصيف حربي كامل التجهيزات يبلغ طوله 1 كيلو متر، وأرصفة أخرى يبلغ طولها نحو 2 كيلو متر. يضاف إلى ذلك 74 منشأة متنوعة، تضم فندقًا وخمسة مجمعات للإعاشة، ومرافق رياضية وطبية، وهو ما يوفر للقاعدة القدرة على القيام بدور الدعم اللوجستي الكامل لكافة قطع أسطولي البحر الأبيض والبحر الأحمر، ليس فقط على مستوى التموين والإصلاح وإعادة الملء، بل أيضًا كقاعدة انطلاق لتنفيذ أية مهام دفاعية أو هجومية في هذين النطاقين، بالإضافة إلى كون هذه القاعدة بمثابة نقطة ارتكاز يمكن من خلالها الرد بشكل سريع وفعال على أي تهديد في الاتجاهين الشمالي والغربي لمصر.

وحدات بحرية جديدة تدخل الخدمة في قاعدة الثالث من يوليو

نقطة أخرى لافتة فيما يتعلق بالقاعدة البحرية المصرية الجديدة، وهي التسليح المتفوق الذي حظيت به، حيث ستتمركز بها 47 قطعة بحرية، جميعها جديدة وتم إدخالها رسميًا إلى الخدمة خلال حفل افتتاح هذه القاعدة. من الوهلة الأولى نستطيع أن نلاحظ الملامح الهجومية المتفوقة لهذا التشكيل الذي سيخدم داخل القاعدة خلال السنوات المقبلة. العماد الرئيسي لهذا التشكيل هو الفرقاطات الإيطالية متعددة المهام من الفئة “فريم – بيرجاميني”، والتي تتميز بتسليح مخصص للدفاع الجوي، يتكون من نحو 32 خلية إطلاق عمودي لصواريخ الدفاع الجوي (أستر 15) و(أستر 30)، يتراوح مداها ما بين 30 و120 كيلو متر، بجانب مدافع من عيار 25 ملم، و76 ملم، و127 ملم، وصواريخ مضادة للقطع البحرية من نوع (اوتومات)، بواقع ثمانية خلايا إطلاق يصل مداها إلى 200 كيلو متر. وقد تم تدشين دخول فرقاطتين من هذه الفئة تحت اسم “الجلالة” و”برنيس”.

أٌضيف لهما أيضًا اليوم الفرقاطة متعددة المهام من الفئة “جويند-2500” (بورسعيد)، والتي تم تصنيعها بشكل مشترك مع فرنسا في الترسانة البحرية بالإسكندرية، وهي جزء من صفقة كبرى تم توقيعها عام 2014، تعاقدت بموجبها البحرية المصرية مع فرنسا على أربعة فرقاطات صاروخية من هذه الفئة. ونص الاتفاق بين الجانبين على تصنيع ثلاثة فرقاطات في الترسانة البحرية بمدينة الإسكندرية. يتسم تسليح هذه الفئة من الفرقاطات الصاروخية بالشمولية، حيث تزودت بمدافع من عيار 20 و76 ملم، بجانب 16 خلية لإطلاق صواريخ الدفاع الجوي من نوع (ميكا)، وثمانية صواريخ مُضادّة للسفن من نوع (أكسوسيت)، وأنابيب لإطلاق الطوربيدات المُضادّة للغوّاصات.

الغواصة الرابعة والأخيرة من الفئة “تايب 209/1400″، كانت أيضًا ضمن القطع البحرية التي تم إدخالها للخدمة رسميًا في البحرية المصرية، وضمن تسليح هذه القاعدة، علمًا أن مصر كانت قد تعاقدت عام 2012 مع ألمانيا على شراء أربعة غواصات ديزل من هذه الفئة، تم تسليمها بالفعل إلى مصر، ويتسلح هذا النوع المتفوق من الغواصات بـ طوربيدات من عيار 533 ملم، وصواريخ هاربون المُضادّة للسفن.

من النقاط اللافتة في تسليح هذه القاعدة، الاهتمام بالتسليح الخاص بمهام الدورية بعيدة المدى، والذي يتخصص بشكل أساسي في مراقبة عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية، ومحاولات التسلل والتخريب؛ فقد تضمن التسليح الجديد عشرة زوارق دورية سريعة بعيد المدى من الفئة “لارسن” ألمانية الصنع، بجانب أربعة زوارق دورية من نوع “سويفت” أمريكية الصنع، و 28 زورق سريع مخصص للقوات الخاصة من نوع “رافال-1200” فرنسي الصنع، علمًا بأن النوعين الأخيرين يتم تصنيعهما بشكل مشترك مع الولايات المتحدة وفرنسا في الترسانة البحرية المصرية في الإسكندرية.

أخيرًا، يمكن القول إن افتتاح قاعدة الثالث من يوليو البحرية أكمل بشكل فعال قوس الحماية البحرية للسواحل المصرية، من البحر الأحمر في الجنوب الشرقي، مرورًا بقناة السويس، ووصولًا إلى الشمال الغربي، وهو قوس ليس فقط من أجل حماية السواحل وتأمينها من أي هجوم عسكري تقليدي، بل أيضًا لحماية مصر من كافة العدائيات أيًا كان نوعها، بما في ذلك العمليات الإرهابية، والمخاطر التي تمثلها عمليات التهريب المختلفة، وكذا حماية المقدرات المصرية في مياهها الإقليمية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى