الأزمة الأوكرانية

بين “سهايداتشني” و”موسكوفا”.. الجانب البحري من الحرب الأوكرانية

يبقى الجانب البحري أحد الجوانب المهمة في المواجهة العسكرية المستمرة حاليًا بين موسكو وكييف، وإن تشارك مع جوانب أخرى من هذه المواجهة – مثل جانب الطائرات بدون طيار الذي تمت تغطيته في مادة سابقة – وقلة الأضواء المسلطة عليه على المستوى الإعلامي. وعلى الرغم من أن دور القوة البحرية الروسية في هذه المواجهة كان داعمًا للقوات البرية بصفة أساسية، إلا أنها – للمفارقة – قد تعرضت لخسائر في وسائطها القتالية يمكن وصفها بأنها “جسيمة” وغير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لكن قبل تناول الخسائر الروسية والأوكرانية على مستوى القطع البحرية حتى الآن، لابد أولًا من إيضاح كيف تم تحشيد القوة البحرية الروسية في عدة مناطق حول العالم، استعدادًا للعمليات العسكرية في أوكرانيا، وكيف كان تأثير هذه العمليات على الملاحة المدنية في البحر الأسود، وما هي الأدوار التي لعبتها القطع البحرية لكلا الطرفين في هذه المواجهة، التي بات من الواضح أن موسكو تضع ضمن أهدافها الميدانية، السيطرة على كامل الساحل الجنوبي على بحر آزوف والبحر الأسود، وتحويل أوكرانيا إلى دولة حبيسة، بلا موانئ أو قطع بحرية.

الحشد البحري الروسي قبيل بدء عمليات أوكرانيا

تمركزت القوة البحرية الروسية الأساسية في مرحلة ما قبل بدء الهجوم على أوكرانيا، في ثلاث نقاط أساسية، هي شرق البحر المتوسط، ومنطقة البحر الأسود، ومنطقة بحر البلطيق. الحشد البحري الروسي في شرقي المتوسط وبحر البلطيق، كان الهدف منه تكتيكيًا بحتًا، وهو مواكبة التحركات البحرية لحلف الناتو في أوروبا الغربية. خلال الأيام التي سبقت بدء الهجمات الروسية على أوكرانيا، انتشرت الوحدات البحرية الروسية في شرق المتوسط ووسطه، على شكل مجموعتين رئيسيتين، الأولى، كانت وسط البحر المتوسط، بقيادة الطراد الصاروخي “المارشال أوستينوف” التابع لأسطول بحر الشمال، ومدمرتين من الفئة “Udaloy” وغواصتين من الفئة “kilo”.

في حين كانت المجموعة الثانية، متمركزة قبالة الساحل السوري، بقيادة الطراد الصاروخي “فارياج” من الفئة “سلافا” التابع لأسطول المحيط الهادئ، وتضم هذه المجموعة زورقي دورية سريعين من الفئة “رابتور”، والفرقاطة “Admiral Gorshkov” التابعة لأسطول بحر الشمال، وثلاث سفن مساعدة “سفينتي تموين بالوقود، وزورق قطر”، وكورفيت صاروخي من الفئة “Buyan”، والفرقاطة “Admiral Grigorovich” التابعة لأسطول البحر الأسود، وكاسحة ألغام من الفئة “Aleksandrit”، وسفينة دورية من الفئة “Grachonok”.

أما في بحر البلطيق، فتمركزت القوة البحرية الروسية في قاعدة أسطول البلطيق الرئيسة، في ميناء “بالتييسك” البحري في منطقة “كالينغراد” الواقعة بين بولندا وليتوانيا، وتتألف من مجموعة من الوحدات البحرية المتنوعة، تتضمن مدمرة الصواريخ الموجهة من الفئة “Sarych” المسماة “Nastoychivyy”، وفرقاطتين من الفئة “Yastreb”، ونحو 20 كورفيت صاروخي متنوع من بينها ثلاث من الفئة “Karakurt” وأربع من الفئة “20380” واثنين من الفئة “Buyan-M” وأربع من الفئة “Ovod-1” وسبع من الفئة “Tarantul”، وثلاثة كورفيتات مضادة للغواصات من الفئة “Parchim”، ونحو 11 كاسحة ألغام، وأربع سفن للاستخبارات والتنصت بواقع اثنتين من الفئة “864” واثنتين من الفئة “Alpinist”، وأربع سفن للإنزال البحري، وزورقي هوفركرافت للإنزال البري، وعشر سفن صغيرة للإنزال البحري، بجانب سفن مساندة وزوارق صغيرة للدورية.

بطبيعة الحال تركز الزخم الأساسي لهذا الحشد في منطقة البحر الأسود، المتاخمة للجبهة الأوكرانية الجنوبية، حيث تمتلك البحرية الروسية في هذا النطاق أربع قواعد بحرية رئيسة، بواقع قاعدتين في شبه جزيرة القرم، هما “سيباستوبول” و”نوفوروسيسك”، وقاعدتين في الجانب الشرقي من مضيق “كيرتش”، هما “Temryuk” و”Feodosia”. عزز أسطول البحر الأسود الروسي قطعه البحرية المتواجدة داخل البحر الأسود خلال الفترة بين الأول والسادس عشر من فبراير الماضي، حيث عبرت مضيق البوسفور إحدى عشرة قطعة بحرية، أهما الكورفيت الصاروخي من الفئة “بويان-أم” “Vyshniy Volochek”، وست سفن للإنزال البحري من الفئتين “Ropucha” و “Ivan Gren”، وغواصة من الفئة “كيلو” تسمى “Rostov na Donu”، عادت إلى قاعدتها في سيباستوبول بعد أن ظلت تنفذ مهام الدورية في البحر المتوسط منذ مارس 2021.

تضاف هذه القطع البحرية إلى القطع التي تتمركز بشكل دائم في قاعدتي “سيباستوبول”  و”نوفوروسيسك”، وهي الطراد الصاروخي من الفئة “سلافا” المسمى “موسكوفا” ، وفرقاطتين للصواريخ الموجهة من الفئة “Grigorovich”، وفرقاطتين للصواريخ الموجهة من الفئة “Burevestnik M”، و11 كورفيت صاروخي بواقع ثلاث من الفئة “Buyan-M” واثنين من الفئة “بورا” وخمس من الفئة “Tarantul”، وثلاثة كورفيتات مضادة للغواصات من الفئة “Grisha”، وغواصة واحدة من الفئة “كيلو”، وسبع كاسحات ألغام من الفئة “Alexandrit”، وست سفن للاستخبارات والتنصت بواقع واحدة من الفئة “Yury Ivanov” وواحدة من الفئة “Vishnya” واثنتين من الفئة “Yug” واثنتين من الفئة “Moma” ، وسبع سفن للإنزال البحري ، وأربع سفن لنقل الحمولات العسكرية، بجانب سفن مساندة وزوارق صغيرة للدورية.

فيما يتعلق بالمجموعة البحرية المتمركزة في قاعدة “نوفوروسيسك”، فتتألف من ست غواصات ديزل من الفئة “كيلو” المعدلة، وثلاثة كورفيتات مضادة للغواصات من الفئة “Grisha”، وثلاث سفن للدورية الساحلية من الفئة “22160”، وسبعة كاسحات ألغام، بجانب سفن مساندة وزوارق صغيرة للدورية.

البحرية الروسية ودورها في عمليات أوكرانيا

مع بدء العمليات القتالية الروسية في أوكرانيا، شاركت الوحدات البحرية التابعة لأسطول البحر الأسود قتاليًا على عدة مستويات، المستوى الأول، كان عبر الدعم النيراني المباشر عبر إطلاق النسخة الأحدث من صواريخ “كاليبر” الجوالة، وهي النسخة “3M-14T” المخصصة لسفن السطح، والتي يحمل كل منها رأسًا حربيًا زنته 450 كجم، بمدى أقصى يصل إلى 2500 كم، بسرعة 0.8 ماخ وبارتفاع تحليق ما بين 10 إلى 15 مترًا. هذا الإطلاق تم بشكل رئيس من على متن الكورفيتات الصاروخية من الفئة “Buyan-M”، وفرقاطات الصواريخ الموجهة من الفئة “Grigorovich”. هذا الدعم الصاروخي تم توجيهه لكافة الجبهات، سواء الجبهة الشرقية أو الجبهة الشمالية، أو الجبهة الجنوبية، بجناحيها الشرقي “ساحل بحر آزوف” والغربي “ساحل البحر الأسود وجنوب نهر الدنيبر”.

المستوى الثاني، كان عبر استخدام سفن الإنزال البحري، لتنفيذ عمليات إبرار تستهدف الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود وبحر آزوف، لتأمين السيطرة عليها وعلى ما تتضمنه من قطع بحرية. هذا تضمن إنزال وحدات من مشاة البحرية الروسية، انضمت إلى الوحدات التي عبرت قناة “القرم” البحرية، وانفتحت قتاليًا على طول الساحل الأوكراني. عملية السيطرة على الموانئ الأوكرانية، ركزت بشكل أساسي على موانئ بحر أزوف، بما في ذلك ميناء “بيرديانسك” وميناء “ماريوبول”، الذي تقترب المعارك حوله من نهايتها.  حتى الآن تمكنت القوات الروسية في نطاق بحر أزوف، من مصادرة أثنى عشر قطعة بحرية أوكرانية، بواقع خمسة زوارق دورية من الفئة “p174″، وزورقي حرس سواحل من الفئة “Zhuk”، وسبع سفن متنوعة، تتضمن زوارق للقطر البحري وأخرى خاصة بالدورية الساحلية. جدير بالذكر أن البحرية الأوكرانية فقدت في ميناء ماريوبول سفينة القيادة “دونباس” من الفئة “Amur”، بعد أن أصيبت بأضرار جسيمة خلال المعارك في المدينة.

المستوى الثالث، تركز بشكل خاص على ساحل البحر الأسود، فقد تحركت بشكل لافت على مدار المرحلة الأولى من المعارك، سفن الإنزال البحري الروسية، بشكل كان يوحي بأنها تعتزم تنفيذ إنزال بحري مباشر على ميناء “أوديسا”، الذي يعد أهم نقطة في هذا النطاق. وقاد الطراد “موسكوفا” العمليات البحرية في هذا الاتجاه خاصة عملية السيطرة على جزيرة “الثعبان” الواقعة جنوبي ميناء أوديسا. تضمنت العمليات الروسية في هذا الاتجاه عمليات لكسح الألغام البحرية التي زرعتها القوات الأوكرانية قرب الموانئ، وكذلك تنفيذ عمليات الاستطلاع اللاسلكي والإلكتروني عبر القطع البحرية المخصصة لهذه المهام. وشاركت بطاريات الصواريخ المضادة للسفن “باستيون” المتواجدة في شبه جزيرة القرم، بشكل محدود في عمليات الدعم الصاروخي للقوات الروسية التي كانت تتحرك غربي منطقة خيرسون، وهو استخدام تكرر سابقًا في سوريا لصواريخ كروز بحرية في قصف أهداف أرضية.

وعلى الرغم من عدم تحقيق الوحدات البحرية الروسية نجاحًا لافتًا في هذا الاتجاه، إلا أن الضغط البحري والبري الروسي، أجبر القوات الأوكرانية على تخريب وإغراق الفرقاطة الوحيدة في ترسانتها البحرية، وهي الفرقاطة “هيتمان سهايداتشني” من الفئة “كريفاك”، التي وقعت كييف عقدًا لتطويرها في يناير الماضي، واضطرت في النهاية لإغراقها في ميناء “ميكولايف”، لمنع القوات الروسية من الاستيلاء عليها في حالة دخولها المدينة. كذلك تمكنت القاذفات الروسية من تدمير زورق دورية أمريكي الصنع من الفئة “إيلاند”، خلال غارة جوية على ميناء أوديسا”، وتضررت سفينة استطلاع من الفئة “مونا” جنوب نهر الدنيبر، بعد أن أصيبت بنيران الرشاشات الروسية.

يضاف إلى ما سبق، معاناة سفن الشحن المدنية من تبعات العمليات العسكرية في أوكرانيا، سواء داخل الموانئ الأوكرانية، أو في نطاق البحر الأسود وبحر آزوف، حيث أصيبت أواخر فبراير الماضي، خمس سفن شحن مدنية وهي الناقلة التي ترفع علم مولدوفا “Millennial Spirit”، والسفينة اليابانية التي ترفع علم بنما “نامورا كوين”، والناقلة البنجالية “MV Banglar Samriddhi”، بجانب سفينة تركية، وأخرى إستونية ترفع علم بنما غرقت لاحقًا، وجميعها تعرضت لمقذوفات حربية غير محددة المصدر.

خسائر روسية نوعية على المستوى البحري

رغم التفوق الكاسح للبحرية الروسية، إلا أنها عانت من سلسلة من الخسائر الثقيلة، كانت بدايتها في الرابع عشر من مارس، حين تعرضت ثلاث سفن إنزال بحري روسية إلى قصف صاروخي أوكراني، أثناء تواجدها في ميناء “بيرديانسك”، مما أسفر عن غرق سفينة الإنزال من الفئة “روبشا” المسماة “ساراتوف”، وتضرر السفينتين المصاحبتين لها. هذه الحادثة أثارت علامات استفهام كبيرة حول كفاءة التكتيكات البحرية الروسية، وبدا أن تعجل مشاة البحرية الروسية في الدخول إلى الميناء والسيطرة عليه، تسبب في هذه النتيجة الكارثية. تلا هذا الحادث، تضرر زورق دورية سريع روسي من الفئة “رابتور” بشكل جسيم، بعد إصابته بصاروخين مضادين للدروع، أطلقتهما القوات الأوكرانية قرب ميناء “ماريوبول”. الثقل الأكبر في الخسائر البحرية الروسية كان بطله أحد ثلاث طرادات من الفئة “سلافا” عاملة في البحرية الروسية حاليًا وهو الطراد “موسكوفا”.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ورثت روسيا قوة بحرية كبيرة الحجم، تضمنت عدة قطع بحرية تعد هي الأضخم على مستوى العالم، من بينها الطرادات الثقيلة من الفئة “سلافا”، التي بدأ إنتاجها في مدينة “نيكولاييف” الأوكرانية أواخر سبعينيات القرن الماضي، وورثت موسكو منها ثلاثة طرادات عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وتم تعيين كل منها كسفينة القيادة لأسطول من الأساطيل الروسية، حيث كان الطراد “موسكوفا” هو سفينة قيادة أسطول البحر الأسود، في حين كان الطرادين “المارشال أوستينوف” و”فارياج”، سفينتي قيادة أسطولي بحر الشمال والمحيط الهادئ على الترتيب.

دخل الطراد “موسكوفا” الخدمة في البحرية السوفيتية عام 1983، تحت اسم “سلافا”، وقد كانت بمثابة المنصة التي انتقل من خلالها الرئيس السوفيتي ميخائيل جورباتشوف إلى سواحل مالطا، ليلتقي مع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عام 1989. من المفارقات المتعلقة بهذا الطراد، أنه ارتبط دومًا بالأراضي الأوكرانية، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تم إرسال هذا الطراد إلى مدينة ميكولاييف لصيانته وإعادة تأهيله، وظل هناك حتى عام 1996 حين قامت بلدية موسكو بدفع تكاليف إعادة التأهيل، ومن ثم تم تغيير اسمه إلى “موسكوفا” وأعيد إدخاله إلى الخدمة عام 2000 كسفينة قيادة لأسطول البحر الأسود.

عقب عودته للخدمة، شارك هذا الطراد في التدخل العسكري الروسي في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية – في جورجيا – عام 2008، حيث قام بتأمين رسو سفن الإنزال البحري الروسية، وإبرارها لوحدات مشاة البحرية، وخلال هذه العملية تعرض هذا الطراد لصاروخ جورجي مضاد للسفن، أدى إلى خضوعه لإصلاحات متوسطة. كذلك شارك هذا الطراد في عملية السيطرة على شبه جزيرة القرم عام 2014، وساهم في إغلاق مخارج الموانئ الأوكرانية، لمنع قطع البحرية الأوكرانية من الهروب، كذلك شارك عامي 2015 و2016 في دعم العمليات الروسية في سوريا، عبر تمركزه قبالة الساحل السوري. وعاد الطراد إلى شبه جزيرة القرم عام 2016 لإجراء عملية إعادة تأهيل شاملة استمرت لمدة ثلاث سنوات، نفذ بعدها عدة دوريات بحرية في نطاق البحر الأسود.

على مستوى التسليح، كان الطراد “موسكوفا”، الذي يتعدى وزنه 12 ألف طن، مسلحًا بشكل ثقيل على مستوى الأسلحة المضادة للطائرات والقطع البحرية السطحية، مع قدرات محدودة على مواجهة الغواصات، حيث يتسلح بـ 16 قاذفًا لصواريخ “بي-1000” المضادة للقطع البحرية، بمدى يصل إلى 500 كيلو متر ورأس حربي تصل زنته إلى 1 طن، بجانب 64 أنبوب إطلاق عمودي للنسخة البحرية من منظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى “أس-300″، وقواذف لصواريخ الدفاع الجوي قصيرة المدى “أوسا”. بهذا التسليح كان الطراد “موسكوفا” ينفذ مهام التأمين والحماية لسفن الإنزال، ويعمل كسفينة قيادة تستطيع توفير حماية للقطع البحرية عبر منظومات الدفاع الجوي الكثيفة الموجودة على متنها.

الصورة الأخيرة لهذا الطراد تم التقاطها أثناء خروجه – وأرقامه التعريفية مطموسة من على بدنه – من ميناء “سيباستوبول” في شبه جزيرة القرم، نحو موقع تمركزه الأخير، جنوب شرق جزيرة “الثعبان” على بعد 50 ميلاً بحريًا من الساحل الأوكراني، وبعدها بيوم واحد، وتحديدًا في الثالث عشر من الشهر الجاري، اشتعل حريق كبير على متن الطراد تم على إثره إخلاؤه من طاقمه المكون من نحو 510 شخص، ليغرق بعد ذلك أثناء محاولة جره إلى شبه جزيرة القرم. حتى الآن مازال الغموض يلف ملابسات هذا الحادث الذي يمكن اعتباره أكبر حادث لغرق سفينة حربية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية – إذا ما استثنينا حرب “الفوكلاند” بين الأرجنتين والمملكة المتحدة –  لكن تقول كييف من جانبها، إن عملية الإغراق تمت باستخدام صاروخين مضادين للسفن من نوع “نبتون”.

بدأت كييف في تطوير هذا النوع من الصواريخ البحرية منذ عام 2015، اعتمادًا على تصميم الصاروخ السوفيتي “كي إتش-35″، وأجرت أول تجربة عملية عليها عام 2019، تبعتها تجربة ناجحة على الصاروخ المعتمد حاليًا لهذه المنظومة ويسمى “إر-360″، حيث أصاب هذا الصاروخ هدفه البحري خلال هذه التجربة على بعد 100 كيلومتر جنوب ميناء “أوديسا”. هذا الصاروخ يتسم برأس حربي يزن 150 كيلو جرامًا، ويصل مداه الأقصى إلى 280 كم، وسرعته تصل إلى نحو 900 كم في الساعة. ويستطيع التحليق على ارتفاعات منخفضة جدًا فوق سطح البحر، تصل إلى ثلاثة أمتار فقط. ورغم نجاح تجارب الإطلاق، إلا أن ملف تمويل الإنتاج الكمي لهذا النوع من الصواريخ، الذي يتضمن إنتاج رادارات للتوجيه وآليات لإعادة الملء، وضع معوقات أساسية أمام أوكرانيا، وهو ما أعلنته كييف بشكل واضح، ويبدو أن هذا خلق قناعة روسية بأن هذا النوع من الصواريخ، سيحتاج سنوات طويلة ليدخل الإنتاج الكمي.

وبغض النظر عن حقيقة ما أغرق الطراد الروسي، في ظل عدم وضوح الرؤية فيما يتعلق بهذه المسألة، إلا أن هذه الحادثة تلقى الضوء مجددًا على حجم التهديد الذي تمثله الصواريخ المطلقة من منصات أرضية، على القطع البحرية مهما كان حجمها أو تسليحها. ففقد أسطول البحر الأسود الروسي إحدى أهم قطعه البحرية، وهو حدث له تأثير معنوي ونفسي لا يمكن إنكاره، خاصة بعد أن ظهر في الاجتماع الذي تم عقده لطاقم الطراد الغارق أقل من نصف العدد الذي يفترض أنه عامل على متنه، وهو ما قد يوحي بوجود خسائر بشرية كبيرة ضمن أفراد الطاقم.

رغم هذا التأثير، إلا أن العمليات البحرية الروسية في البحر الأسود لن تتأثر بشكل جذري، رغم أن القطع البحرية العاملة في هذا النطاق ستكون أكثر حذرًا في اقترابها من الساحل الأوكراني، وحتى جانب الدفاع الجوي، الذي كان من الجوانب الأساسية التي يتخصص به الطراد المنكوب، سيتم تعويضه عبر بطاريات “أس-400” المتواجدة في شبه جزيرة القرم، وكذا عبر منظومات الدفاع الجوي المتواجدة على سفن السطح الروسية. لهذا يتوقع أن يتزايد الزخم الهجومي للبحرية الروسية خلال المرحلة الثانية من العمليات العسكرية في أوكرانيا، خاصة أن الساحل الأوكراني على البحر الأسود بما في ذلك ميناء “أوديسا”، ويعتبران من الأهداف الرئيسية لهذه المرحلة، وهي أهداف إن تحققت ربما نجد زوارق القطر الروسية تحرك الطراد “أوكرانيا” القابع منذ عام 1990 في ميناء “ميكولاييف”، والذي ينتمي لنفس الفئة التي ينتمي لها الطراد الغارق “موسكوفا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى