الأكثر قراءةأفريقيا

ربط الجبهات … تلاقي الفصائل الإثيوبية المسلحة على طريق أديس أبابا

تتصاعد التطورات الميدانية في الداخل الإثيوبي بشكل دراماتيكي في غير صالح القوات الفيدرالية والميليشيات المتحالفة معها، حيث التقت للمرة الأولى وحدات تابعة لقوة دفاع تيجراي، مع عناصر تتبع جبهة تحرير أورومو، ليتم بذلك التدشين الفعلي للتحالف الذي أعلنه كلا الجانبين في أغسطس الماضي. هذا التطور المفصلي في سير المعارك المستمرة في عدة أقاليم إثيوبية جاء بعد محاولة أخيرة قام بها الجيش الإثيوبي أوائل الشهر الماضي، لإطلاق هجوم معاكس على وحدات قوة دفاع تيجراي، شرقي إقليم أمهرا.

التقاء وحدات كلا الفصيلين أعاد إلى الأذهان تصريحات قائد جيش تحرير أورومو “كومسا ديربا” الذي قال في أغسطس الماضي إنه تم التوصل إلى اتفاقية تعاون بين الجانبين منذ أسابيع قليلة، بناء على اقتراح من قوة دفاع تيجراي، وهي تتضمن مستوى من التفاهم والتنسيق الميداني؛ نظرًا لمواجهتهما نفس الخصم على المستوى العسكري. مضيفًا أن هذا التفاهم يتضمن تبادل المعلومات الميدانية، والاستمرار في القتال بهدف إدامة الضغط بشكل متوازٍ على الجيش الإثيوبي.

هذا التوجه من جانب قوة دفاع تيجراي وجيش تحرير أورومو، كان على ما يبدو محفزًا لبقية الفصائل المعارضة للحكومة الفيدرالية في أديس أبابا كي تقوم بمبادرات مماثلة، فكان الإعلان في الرابع من الشهر الماضي عن “الجبهة المتحدة للقوات الفيدرالية الإثيوبية”، وهي عبارة عن مظلة جامعة للفصائل المعارضة لحكومة آبي أحمد، سواء كانت تلك الفصائل سياسية أم مسلحة، حيث تشمل هذه الجبهة كلًا من جبهة الوحدة الديمقراطية الثورية في إقليم عفر، وحركة “آجاو” الديمقراطية، وحركة تحرير بني شنقول، وحركة “كيمانت” الشعبية اليمينية، وحزب “كيمانت” الديمقراطي، وجبهة تحرير “سيداما”، وحركة المقاومة في إقليم الصومال، بجانب جيش تحرير أورومو، والحكومة الإقليمية التابعة لجبهة تحرير شعب تيجراي.

الاتفاق حول هذه الجبهة حمل للمرة الأولى بشكل مباشر إشارة إلى أن الهدف الأساسي من تشكيلها هو إسقاط نظام الحكم في أديس أبابا، حيث تضمنت وثيقة التأسيس الخاص بها إقرارًا بالاتفاق السالف ذكره بين جيش تحرير أورومو وقوة دفاع تيجراي، بجانب بنود أخرى تلزم كافة الأطراف المنخرطة فيها بالحرص على ضمان مرور إثيوبيا بمرحلة انتقالية سلسلة وسلمية بعد الإطاحة بالنظام الحاكم، عبر إنشاء قيادة مشتركة بين كافة الفصائل المنخرطة في هذه الجبهة، لإدارة كافة الأنشطة السياسية والعسكرية التي تستهدف إسقاط حكومة حزب الازدهار.

إذًا، بات الاتحاد في القرار والموقف بين الفصائل المعارضة لحكومة أديس أبابا شبه مؤكد بالنظر إلى التطورات السابق ذكرها، لكن كان التساؤل دومًا يدور حول ما إذا كان هذا التوجه سينعكس على الواقع الميداني في جبهات القتال المفتوحة في عدة أقاليم.  إجابة هذا السؤال كانت واضحة من خلال التطورات التي شهدتها جبهات القتال في شرق إقليم أمهرا وفي شمال وغرب إقليم أورومو خلال الأسابيع الأخيرة، والتي أظهرت بجلاء حجم التنسيق الذي يربط حاليًا بين قوة دفاع تيجراي وجبهة تحرير أورومو، وفصائل مسلحة أخرى منها جبهة تحرير بني شنقول. 

قبل تناول هذه التطورات بالشرح، لا بد أولًا من تناول المحاولة الهجومية الأخيرة التي قام بها الجيش الإثيوبي والميليشيات المساندة له اوائل هذا الشهر، والتي انتهت بشكل تام بحلول الثلث الأخير من نفس الشهر.

هجوم فاشل آخر للجيش الإثيوبي

في آخر مادة تحليلية حول التطورات الميدانية الإثيوبية، بعنوان “التفاقم المستمر … إثيوبيا بين طائرات الشحن والمعارك الميدانية“، أُشير إلى أن تقدم وحدات قوة دفاع تيجراي في جبهة شمال مقاطعة وولو في إقليم أمهرا قد تباطأ بشكل كبير، إلى حد أن هذه الوحدات اضطرت إلى التراجع نحو مدينة “جاشينا”، بعد أن كانت على مشارف قطع الطريق الرابط بين عاصمة إقليم أمهرا “بحر دار”، ومدينة “جوندار” الاستراتيجية الواقعة شمالها.

هذا التراجع استغلته وحدات الجيش الإثيوبي، وأطلقت هجمات متفرقة خلال شهر سبتمبر الماضي، حاولت من خلالها قطع طرق الإمداد الرابطة بين إقليم تيجراي ووحدات قوة دفاع تيجراي التي تقاتل في الجانب الشرقي من مقاطعة وولو الشمالية، لكن لم تسفر هذه الهجمات عن تغير في الموقف الميداني في هذا الاتجاه، وإن كانت قد عطلت تقدم قوة دفاع تيجراي في المناطق الواقعة جنوب مدينة “ميرسا”.

نظرًا لعدم تمكن وحدات الجيش الإثيوبي من تحريك الموقف الميداني في جبهتي مقاطعة وولو الشمالية، أطلقت أوائل أكتوبر الماضي هجومًا رئيسًا استهدف الجانب الشرقي من المقاطعة؛ بهدف السيطرة على كافة المدن الواقعة على طريق “A2” المؤدي إلى جنوب إقليم تيجراي. 

الأداة الرئيسة في هذا الهجوم كانت سلاح الجو، حيث بدأت الطائرات الإثيوبية منذ الثامن عشر من أكتوبر الماضي في تنفيذ سلسلة من الغارات الجوية التي ركزت على أربعة مواضع رئيسة في إقليم تيجراي هي العاصمة ميكيلي بشكل أساسي، ومدينة “عدوا” شمالي الإقليم، ومدينة “أجبي” وسطه، بجانب غارات محدودة على مدينة “ماي تسبيري” جنوب غرب الإقليم قرب الحدود مع إقليم أمهرا، وغارات أخرى مكثفة على المدن الواقعة شرقي مقاطعة وولو الجنوبية في إقليم أمهرا، دعمًا للوحدات الإثيوبية التي كانت تقاتل هناك.

اللافت في النشاط الجوي الإثيوبي أنه اعتمد على أقصى ما يمتلكه من وسائط جوية، إذ استخدام مقاتلات “سوخوي-27” الروسية، بجانب تسجيل الظهور المصور الأول للطائرات الصينية الهجومية دون طيار “CH-4B”، التي سبق وأشير إليها في مادة سابقة، بعد أن ظهر مجسم لها أثناء حوار تلفزيوني لقائد سلاح الجو الإثيوبي. كذلك تم استخدام القنابل الجوية غير الموجهة “فاب-500” التي تعد من أثقل القنابل المتوفرة في الترسانة الإثيوبية. 

على الرغم من تمكن هذه الوسائط من تدمير بعض أهدافها، والتي تركزت بشكل خاص على المصانع الموجودة في إقليم تيجراي، إلا أنها فشلت في تنفيذ بعض المهام، بسبب تفعيل قوة دفاع تيجراي لأنظمة الدفاع الجوي الموجودة لديها. يضاف إلى ذلك أن الطائرات الإثيوبية حاولت في مناسبة واحدة على الأقل -بتاريخ الثاني والعشرين من أكتوبر الماضي- استغلال تحليق طائرة تابعة للأمم المتحدة إلى مطار ميكيلي من أجل الإغارة على مواقع بجانب جامعة المدينة، وهو ما أجبر الطائرة الأممية على إلغاء الهبوط في المطار، وتلا ذلك تعليق الأمم المتحدة كافة عملياتها الجوية في الإقليم.  

التحرك المتزامن بين قوة دفاع تيجراي وجيش تحرير أورومو

بعد امتصاصها لهجوم الجيش الإثيوبي، بدأت وحدات قوة دفاع تيجراي في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، في تنفيذ خطة هجومية، ترتكز على تثبيت الوضع القائم في جبهات إقليم أمهرا، مع بدء تحرك هجومي فرعي على منطقة “شيفرا” الواقعة على حدود إقليم أمهرا مع إقليم عفر، وبدء هجوم رئيس على طريق “A2″، نحو ما تبقى من مدن في شرق مقاطعة وولو الجنوبية.

بحيث يتم بعد ذلك الانتقال إلى آخر مقاطعة في إقليم أمهرا، وهي مقاطعة “شيوا” الشمالية، والتي تعد فعليًا المحطة الأخيرة قبل العاصمة أديس أبابا. اللافت هنا أن هذه الخطة اقتضت أن تقوم الوحدات التابعة لجيش تحرير أورومو، بتنفيذ هجوم في الاتجاه المعاكس لهجوم قوى دفاع تيجراي، يستهدف المناطق الشمالية في مقاطعة شيوا الشمالية.

بحلول نهاية الشهر الماضي، كانت قوة دفاع تيجراي قد تمكنت من السيطرة على سلسلة من المدن الواقعة جنوب مدينة “ميرسا” التي تعد هي نقطة انطلاق هذا الهجوم، ومنها “وتتشالي” “وقلطينا” – “ديلانتا” – “هاموستي” – “هايك”، بجانب مدينتي “ديسي” و”كومبولتشا” الاستراتيجيتين، اللتين من خلالهما أصبحت قوة دفاع تيجراي على مفترق طرق مهم، فجنوبًا يقع ما تبقى من طريق “A2” الذي يؤدي مباشرة إلى المدخل الشرقي للعاصمة، وشرقًا يقع طريق “B11” المؤدي إلى إقليم عفر والحدود الجيبوتية.

وقد بدأت قوة دفاع تيجراي بالفعل التحرك على هذا الطريق، وسيطرت فيه على مدينتي “جيربا” و”باتي”؛ بهدف الوصول إلى مدينة “مايل” التي يمر من خلالها خط السكك الحديدية بين جيبوتي وإثيوبيا. الطريق الثالث الذي يتفرع من هذا المفترق هو طريق “B21” الذي يصل إلى المدخل الشمالي للعاصمة، وقد بدأت قوة دفاع تيجراي في التقدم عليه من الاتجاه الشرقي والشمالي.

بالتزامن مع وصول قوة دفاع تيجراي إلى كومبولتشا، تمكنت جبهة تحرير أورومو بعملية خاطفة من السيطرة على مدن “كيميسي” و”ويليدي”، لتحقق التماس مع قوة دفاع تيجراي في منطقة “شيفا”. وبهذا أصبحت وحدات كلا القوتين في هذه الجبهة في تماس كامل، علمًا بأن مدينة “كيميسي”، تقع على بعد 325 كيلو متر فقط من العاصمة أديس أبابا. هذه المسافة وإن كانت نظريًا كبيرة، إلا أن مصادرة قوة دفاع تيجراي خلال الأسابيع الأخيرة أعداد إضافية من العربات المدرعة والدبابات وقطع المدفعية ستوفر لها حرية حركة كبيرة إذا ما أرادت بالفعل التوجه إلى العاصمة.

عمليات جبهة تحرير أورومو باتت منذ فترة تدور في قسم منها على التخوم الشمالية للعاصمة “مقاطعة شيوا الشمالية”، والتخوم الغربية للعاصمة “مقاطعة شيوا الغربية”. ففي الأولى سيطرت الجبهة خلال الأسابيع الست الأخيرة على مدن رئيسية منها “بورينا – دوجدا – دورو – أبوتي”، أما الثانية فقد تزايد فيها نشاط الجبهة مؤخرًا، خاصة في المدن الشمالية مثل “جيبري جوراشا – تولو ميلكي – جوهاتسيون”، بجانب مدينة “أدي بيرجي”. 

إذا ما وُضع هذا جنبًا إلى جنب مع التلاقي الأخير بين الجبهة وقوة دفاع تيجراي، وكذلك شبه التماس الذي بات يشوب عمليات جبهة تحرير أورومو في مقاطعتي “ووليجا الشرقية” و”ووليجا الغربية”، مع أنشطة جبهة تحرير إقليم بني شنقول”، سنخلص إلى نتيجة مفادها أن تنسيقًا واضحًا بدأ في التصاعد بشكل ملحوظ بين الفصائل الإثيوبية، وأن العاصمة باتت تحت التهديد المركب، ليس فقط من جبهة تحرير أورومو، لكن أيضًا من جبهة تحرير تيجراي.

هذه النتيجة ربما تكون مطابقة للواقع الميداني، لكن يبدو من التصريحات الأخيرة للمتحدث باسم جبهة تحرير تيجراي، غيتاتشو رضا، أن الجبهة حتى الآن ما زالت تتريث في اتخاذ خطوة إطلاق هجوم مباشر على العاصمة، حيث قال نصًا “إذا كان تحقيق أهدافنا في تيجراي سيتطلب أن نزحف إلى أديس أبابا، فسنفعل ذلك، لكننا لا نقول إننا نزحف الآن إلى أديس أبابا”. 

رغم هذا التصريح، تبقى حقيقة أن الحليف الرئيس لقوة دفاع تيجري وهو جبهة تحرير أورومو  بات يقاتل منذ أسابيع على أسوار العاصمة، وبالتالي سيكون انخراط قوة دفاع تيجراي في معركة السيطرة على العاصمة مسألة وقت، فالقوة كانت منذ عام مضى تقاتل على أراضي إقليم تيجراي، لكنها الآن تقاتل في إقليم أمهرا وإقليم عفر، وتقترب من أن تقاتل في إقليم أورومو، وهو ما يطرح بشكل جدي شكوكًا حول الوقت المتبقي أمام حكومة أديس أبابا كي تتدارك موقفها السياسي والاقتصادي والعسكري المتدهور الذي دفع فصائل الداخل لبدء بحث ترتيبات ما بعد سقوط هذه الحكومة، ودفع الخارج للتحذير من السفر إلى ما كانت يومًا من أهم البلاد الأفريقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى