دول المشرق العربي

بعد عام وشهر … حكومة لبنانية جديدة تبصر النور

بعد ثلاثة عشر شهرًا من الفراغ الحكومي الذي عاشته بيروت، عقب استقالة حكومة الدكتور حسان دياب في العاشر من أغسطس 2020، تم اليوم الإعلان عن التشكيلة الحكومية اللبنانية الجديدة، بعد أن توافق عليها اليوم كل من رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي ورئيس الجمهورية ميشال عون، ووقع الأخير مرسومها اليوم، طبقًا لبيان تلاه أمين عام مجلس الوزراء اللبناني محمد مكية.

بهذه الخطوة يطوى لبنان صفحة مرحلة قاسية من الفراغ الحكومي والإداري، خاصة أن ميقاتي الذي تم تكليفه بتشكيل الحكومة في السادس والعشرين من يوليو 2020، يعد الشخصية الثالثة التي يتم تكليفها بهذه المهمة بعد كل من مصطفى أديب وسعد الحريري، وقد خاض منذ ذلك التوقيت مفاوضات صعبة مع رئاسة الجمهورية اللبنانية على مدى ثلاثة عشر لقاءً سابقًا جمعه مع رئيس الجمهورية ميشال عون، ليتمكن في اللقاء الرابع عشر من الوصول بهذه المفاوضات إلى نتيجة إيجابية انتظرها اللبنانيون طويلًا.

هذه المفاوضات تداخلت فيها وساطات محلية عديدة، مثل وساطة المدير العام للأمن العام، اللواء عباس إبراهيم، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وغيرها من محاولات الوساطة. أصبحت المفاوضات في الأيام الأخيرة منحصرة بين كل من رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل -صهر الرئيس ميشال عون- وبين مصطفى الصلح، صهر رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، وقد تمكنا من التوافق على معظم القضايا الخلافية التي كانت تمنع الإعلان عن تشكيلة الحكومة، وآخرها ملف وزارة الاقتصاد، التي كان ميقاتي يتمسك بحق تسمية وزيرها أو وزير الطاقة، كي يكون له تمثيل مباشر في الفريق التقني والاقتصادي الذي سيتفاوض مع صندوق النقد الدولي مستقبلًا، والذي يضم وزارات المالية والاتصالات والشؤون الاجتماعية والطاقة والاقتصاد. هذا الموقف كان يرفضه الرئيس عون بشدة، وكان متمسكًا هو الآخر بضرورة أن يختار هو وزير المالية ووزير الطاقة.

الضغوط كانت أيضًا خارجية، حيث كثفت فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية من جهودهما لتذليل العقبات أمام تشكيل هذه الحكومة، خاصة فرنسا التي ترعى منذ أشهر مبادرة سياسية واقتصادية لإنقاذ الوضع اللبناني، وقد ظهرت نتائج هذه الضغوط مؤخرًا من خلال تصريحات الرئيس اللبناني أمام الوفد الأمريكي الذي زاره مؤخرًا، وتحدث حينها عن أن الحكومة اللبنانية باتت قاب قوسين او أدنى من التشكيل.

التشكيلة الحكومية الجديدة، ومهمة صعبة على كافة المستويات

فيما يتعلق بالتشكيلة الحكومية الجديدة، فعلى الرغم من أن الصبغة المعلنة لها أنها حكومة اختصاصيين مستقلة، إلا أن واقع الحال أنه تم تقسيمها بشكل كامل بين الطوائف والأحزاب السياسية اللبنانية، على قاعدة ألا يكون هناك “ثلث معطل” لأي طرف، وأن تحظى هذه التشكيلة بثقة التيار الوطني الحر، وهذه النقطة بالتحديد كان من المتعذر حدوثها نتيجة للتوتر الشديد في العلاقات بين رئيس التيار جبران باسيل وسعد الحريري.

توزيع الحقائب بين الكتل والأحزاب السياسية اللبنانية جاء على النحو التالي:

  1. محمد نجيب ميقاتي رئيسا لمجلس الوزراء.
  2. سعادة الشامي نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، وقد رشحه الحزب السوري القومي الاجتماعي.
  3. بسام مولوي وزيرًا للداخلية والبلديات، وقد رشحه لهذا المنصب رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي.
  4. يوسف خليل وزيرًا للمالية، وقد رشحته حركة أمل، وشغل سابقًا منصب مدير العمليات في مصرف لبنان.
  5. عبد الله أبو حبيب وزيرًا للخارجية والمغتربين، وقد شغل سابقًا منصب سفير لبنان في واشنطن، ورشحه لهذا المنصب رئيس الجمهورية ميشيل عون.
  6. وليد فياض وزيرًا للطاقة والمياه، ورشحه لهذا المنصب رئيس الجمهورية ميشيل عون.
  7. جوني قرم وزيرًا للاتصالات، وقد رشحه تيار المردة.
  8. عباس حلبي وزيرًا للتربية والتعليم العالي، وقد رشحه في هذا المنصب النائب السابق ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
  9. هنري خوري وزيرًا للعدل، ورشحه لهذا المنصب رئيس الجمهورية ميشيل عون.
  10. موريس سليم وزيرًا للدفاع الوطني، وهو عميد متقاعد في الجيش اللبناني، وقام بترشيحه لهذا المنصب رئيس الجمهورية ميشيل عون.
  11. علي حمية وزيرًا للأشغال العامة والنقل، وقد رشحه لهذا المنصب حزب الله.
  12. فراس أبيض وزيرًا للصحة العامة، وهو في الأساس مدير مستشفى رفيق الحريري الدولي، وقام بترشيحه لهذا المنصب رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي.
  13. هيكتور حجار وزير دولة للشؤون الاجتماعية.
  14. ناصر ياسين وزيرًا للبيئة، ويشغل منصب مدير مرصد الأزمة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وقام بترشيحه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
  15. نجلا رياشي عساكر وزير دولة لشؤون التنمية الإدارية، وقد شغلت سابقًا منصب سفيرة لبنان في جنيف.
  16. الإعلامي المعروف جورج قرداحي وزيرًا للإعلام.
  17. عصام شرف الدين وزيرًا للمهجرين، وقد تم ترشيحه من جانب النائب طلال أرسلان، رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني، أحد حلفاء رئيس الجمهورية ميشيل عون.
  18. جورج كلاس وزيرًا للشباب والرياضة، وقد رشحه حزب الطاشناق الأرمني، ويعد هذا الحزب من حلفاء رئيس الجمهورية ميشيل عون.
  19. مصطفى بيرم وزيرًا للعمل.
  20. أمين سلام وزيرًا للاقتصاد والتجارة.
  21. وليد نصار وزيرًا للسياحة.
  22. عباس الحاج حسن وزيرًا للزراعة.
  23. محمد مرتضى وزيرًا للثقافة.
  24. جورج دباكيان وزيرًا للصناعة.

أدلى ميقاتي بعد الإعلان عن تشكيلته الحكومية بكلمة، وصف فيها الوضع الحالي في لبنان بالصعب والحرج، وتحدث عن أزمات الأدوية والكهرباء، ودعا الجميع إلى التعاون، مؤكدا أن الحكومة لا تريد الغرق في التسييس. فيما يتعلق برفع الدعم الحكومي، قال ميقاتي إن حكومته لا ترغب في هذه الخطوة، لكنها مضطرة للقيام بها بسبب عدم توفر سيولة دولارية، وأكد أن حكومته سوف تتعامل مع كل الدول -بما في ذلك سوريا- من أجل مصلحة لبنان، مستثنيًا إسرائيل.

مصر ومتابعة حثيثة لتطورات لبنان

مصر من جانبها كانت تتابع هذا الملف بشكل حثيث، خاصة فيما يتعلق بالجوانب السياسية والاقتصادية، من منطلق رؤية القاهرة الداعمة لاستقرار كافة الدول العربية، لذا  لم يكن مستغربًا أن تكون القاهرة ضمن المظلة التي اعتمدت عليها باريس في تشكيل وتطور مبادرتها السياسية للحل في لبنان، خاصة أن القاهرة كانت مدركة بشكل واعٍ أن تدهور الوضع في لبنان يصب في مصلحة المشاريع غير العربية، لذا دعمت القاهرة كافة الجهود السياسية الرامية لحلحلة العٌقد التي تحول دون تشكيل الحكومة اللبنانية، وهذا ظهر بشكل واضح من خلال التواصل الدائم والمستمر بين السفارة المصرية في بيروت وكافة القوى السياسية في البلاد.

الدور المصري في هذا الصدد كان متشعبًا، حيث سارعت مصر لتقديم يد العون والمساعدة للأجهزة الحكومية اللبنانية، منذ انفجار ميناء بيروت، عبر عدة جسور جوية لنقل المساعدات الطبية والغذائية، وكذلك عبر نشاط المستشفى المصري الميداني المقام في العاصمة بيروت. آخر الخطوات المصرية في هذا الصدد، كان أرسال مصر طائرة مساعدات إلى بيروت، على متنها طاقم طبي متخصص لمساعدة جرحى انفجار خزان الوقود في بلدة التليل شمالي لبنان، إضافة إلى مستلزمات وأدوية طبية تقدر بطن وخمسمائة كيلوجرام. هذا التوجه عبر عنه سابقًا الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال استقباله سعد الحريري في فبراير الماضي، حيث أكد له أن مصر مستعدّة دائما لتقديم كافة أوجه الدعم والمساعدات لتجاوز الأزمات التي يواجهها لبنان، لاسيما التداعيات التي خلّفها كل من حادث انفجار مرفأ بيروت وجائحة فيروس كورونا.

على المستوى الاقتصادي، تعمل حاليًا القاهرة على سرعة التنسيق لوصول الغاز الطبيعي المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، حرصًا منها على التخفيف عن كاهل الشعب اللبناني والمساهمة في دعم لبنان واستقراره، وهذه الخطوة كانت من أهم الخطوات الداعمة لتشكيل الحكومة اللبنانية، خاصة أنها أعطت انطباعًا أن الأوضاع الحالية في طريقها للتحسن، حيث سيساعد الغاز المصري على إعادة العمل بأكبر محطتين لإنتاج الكهرباء في لبنان، وهما محطتي “دير عمار” و”الزهراني”، حيث سيتم تزويد المحطة الأولى بأنبوب غاز مباشر من مصر، في حين سيتم نقل الغاز للمعمل الآخر بحريًا، علمًا أن كلا المحطتين تنتجان نحو 860 ميجاوات من الطاقة الكهربائية، وهو ما يناهز ثلث حاجة لبنان الإجمالية من الطاقة.

هذه الخطوة لن تساعد فقط على تقليل العجز الكهربائي اللبناني وإنهاء دور السوق السوداء، بل ستساعد أيضًا فيما يتعلق بالأسواق المالية وسعر الصرف، وكافة القطاعات الاقتصادية والخدمات التي تعتمد على الكهرباء، والتي تعطل ما يقرب من 80 بالمئة منها بفعل الوضع الحالي لشبكة الكهرباء اللبنانية. الدعم المصري في ملف الغاز يتضمن أيضًا المساعدة الفنية المستقبلية في عمليات التنقيب واستخراج الغاز من المياه الاقتصادية اللبنانية، خاصة أن خط الغاز بين مصر ولبنان يمكن أن يساهم في استقبال الغاز اللبناني المستخرج مستقبلًا لإسالته أو تصديره إلى دول أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى