القضية الفلسطينية

إعادة الإعمار.. جسور البناء والتعمير المصرية تعبر إلى قطاع غزة

في مشهد يعبر بشكل عملي عن جدية الموقف المصري المساند والداعم للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني بكل مكوناته، عبرت اليوم نحو 35 آلية مصرية ثقيلة، برفقة ستة مهندسين و60 فنيًا وعامل بناء معبر رفح الحدودي نحو قطاع غزة، للبدء في إعادة إعمار المناطق المدمرة في القطاع، بفعل الجولة الأخيرة من القصف الجوي الإسرائيلي التي تمكنت الجهود المصرية من إيقافها وإعادة الهدوء والأمن إلى القطاع بعد 11 يومًا من الغارات المتتالية والتدمير المستمر.

اللافت في هذا المشهد أن الآليات المصرية، التي تنوعت ما بين آليات الهدم والحفر، وبين شاحنات النقل الثقيل، وغيرها من الآليات المساعدة مثل الجرافات، بدأت في العمل بشكل فوري بمجرد دخولها أراضي قطاع غزة، حيث شرعت الأطقم الفنية المصرية في إزالة الأنقاض في إحدى مناطق القطاع، من أجل التمهيد للبدء في إعادة بناء ما تهدم خلال جولة القصف الجوي الأخيرة. البدء الفعلي في عمليات إعادة الإعمار بعد فترة وجيزة جدًا من النجاح المصري في وقف إطلاق النار، يؤكد صدق النوايا المصرية للتخفيف من معاناة سكان القطاع، ويعد دليلًا آخر على التزام مصر الكامل بكافة جوانب القضية الفلسطينية، وهو التزام أثبتت التجربة العملية أنه الأكثر إنجازًا وفاعلية. 

مهمة إعادة الإعمار، التي خصصت لها القاهرة مبلغًا يعد هو الأضخم في تاريخ القضية الفلسطينية “نصف مليار دولار”، لا تبدو مهمة سهلة بالنظر إلى حجم الدمار الذي نتج مؤخرًا في القطاع، إذ تشير التقديرات الفلسطينية إلى أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن الغارات الإسرائيلية على القطاع تتجاوز المليار دولار؛ فقد تم تدمير 1500 وحدة سكنية بشكل كامل خلال الغارات الإسرائيلية الأخيرة، من بينها الأبراج السكنية الأساسية في القطاع، بجانب تضرر نحو ثلاثة عشر ألف وحدة سكنية أخرى بأضرار مختلفة، ناهيك عن الشلل التام الذي أصاب المرافق الحكومية في قطاع غزة، إذ تم تدمير نحو 75 مقرًا حكوميًا من ضمنها معظم المقار الأمنية.

يضاف إلى ذلك التدمير الذي طال البنية التحتية في القطاع، بما في ذلك الشوارع والطرق الرئيسية، ومحطات المياه والصرف الصحي، ومحولات الكهرباء، والمرافق الصحية، ونحو 70 مدرسة ومعهدًا تعليميًا، بجانب الأضرار التي أصابت المنشآت الاقتصادية داخل القطاع، بما في ذلك تدمير نحو 300 مرفق اقتصادي وتجاري بشكل كامل، وكذا سبعة مصانع و60 مرفقًا سياحيًا وترفيهيًا، وتضرر نحو خمسمائة مرفق زراعي، بما في ذلك الأراضي الزراعية ومزارع الثروة الحيوانية ومرافق الري.

بالنظر إلى ما تقدم، تبدأ مصر اليوم الخطوة الأولى في معالجة هذا الموقف على الأرض في غزة، وذلك بالعمل على عدة مستويات، بدأ المستوى الأول منها بتطبيق وقف إطلاق النار بشكل كامل عبر الوساطة المصرية، وبدء الوفود الأمنية المصرية في متابعة الترتيبات المتبادلة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، ثم جاءت زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية إلى القطاع، من أجل وضع الأسس التي من خلالها ستعمل الأطقم المصرية المسؤولة عن عمليات إعادة الإعمار. علمًا بأن المساعدات المصرية التي تدفقت على القطاع عقب تطبيق وقف إطلاق النار مباشرة كانت تتضمن عشرات الأطنان من مواد البناء المختلفة وعلى رأسها “الإسمنت”.

ستركز الأطقم الفنية المصرية العاملة في قطاع غزة حاليًا على اتجاهين أساسيين، الأول هو إعداد تقييم أمين وشامل لكافة المناطق المتضررة في قطاع غزة، من أجل تحديد الاحتياجات المطلوبة من أجل إعادة إعمارها، والاتجاه الثاني هو تسريع عمليات إزالة الأنقاض والركام، على أن تبدأ خلال المرحلة اللاحقة عمليات إعادة البناء على ضوء التقييم الذي تم في الاتجاه الأول، وهي عمليات ستترافق مع إعادة تأهيل البنية التحتية في القطاع، بداية من الطرق والشوارع، وصولًا إلى خطوط نقل الكهرباء والمياه، ومحطات الصرف الصحي، بجانب إعادة تأهيل المؤسسات الحكومية في القطاع ، وذلك بالتنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وكافة الفصائل الفلسطينية.

الأطقم الفنية المصرية التي وصلت إلى قطاع غزة، قوبلت بحفاوة كبيرة من أهالي القطاع الذين عبّروا بشكل واضح عن سعادتهم بسرعة الاستجابة المصرية لمتطلبات القطاع في ظل الظروف الحالية، وعن الفارق الذي لمسوه ما بين التعاطي المصري مع ملف إغاثة غزة، وبين تعاطي دول أخرى مع هذا الملف، وهي دول كانت تكتفي بإرسال مبالغ مالية محدودة لا تفي بمتطلبات القطاع، أو مواد إغاثية تتقطع بها السبل على المعابر الاقتصادية بين القطاع والأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل.

هذا الجهد المصري، لن يكون ناجحًا بنسبة مائة بالمائة إلا إذا كان الداخل الفلسطيني متماسكًا ومتمتعًا بهامش من الوحدة والتضامن، لهذا لم يكن مستغربًا أن تبدأ الوفود الفلسطينية في التوجه إلى القاهرة خلال الساعات الماضية، تلبية للدعوة الرئاسية المصرية لإطلاق جولة ثالثة من الحوار الوطني الفلسطيني؛ بهدف توحيد الكلمة الفلسطينية والوصول إلى شكل موحد للعمل الحكومي والمؤسسي الفلسطيني، تشكل ظهيراً قوياً لجهود إعادة إعمار غزة التي تقودها مصر حاليًا، وتستهدف إنهاء المعاناة الفلسطينية بشكل كامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى