أفريقيا

معركة ميكيلي … عقارب ساعة الشمال الإثيوبي تعود إلى الوراء

لم تشكل التطورات الكبيرة التي شهدها ميدان المعارك في إقليم “تيجراي” شمالي إثيوبيا خلال الساعات الماضية مفاجأة في حد ذاتها بالنسبة لمن تابع عن كثب المجريات الميدانية لعملية “علولا أبانيجا” العسكرية التي أطلقتها القوات التابعة لجبهة تحرير شعب تيجراي في الثامن من الشهر الجاري. لكن تمثّل عنصر المفاجأة في حجم التقهقر السريع الذي حدث للوحدات العسكرية الإثيوبية الموجودة في النطاق الشرقي للإقليم، حيث تركت كميات ضخمة من المعدات العسكرية والأسلحة والذخائر، وغادرت عاصمة الإقليم “ميكيلي” في فوضى عارمة، نتج عنها أسر مئات الجنود الإثيوبيين، وأغلبهم تم أسرهم دون إطلاق رصاصة واحدة.

قبل الخوض في تفاصيل أحداث الساعات الماضية في الجبهة الشرقية لإقليم تيجراي، لابد من العودة إلى مجريات العملية العسكرية لوحدات الدفاع عن الإقليم، والتي برهنت من خلال أدائها الميداني على قدرتها على مواجهة وحدات عسكرية نظامية تمتلك قوة مدرعة وقوات جوية، وأعادت بهذا الأداء الضوء مرة أخرى على تكتيكات “حروب العصابات”، والنتائج التي يمكن أن تؤدي إليها في حالة دخول جيش نظامي غير مؤهل للتعامل معها، في صراع مع وحدات خفيفة الحركة تعرف جيدًا التضاريس المحيطة بميدان المعركة، وتعي جيدًا كيف تستفيد منها.

مع بداية هجوم الجيش الإثيوبي على الإقليم في نوفمبر 2020، كان واضحًا أن زخم هذا الهجوم الذي استخدمت فيه الوحدات الإثيوبية -التي تم دعمها لاحقًا بوحدات كبيرة من الجيش الإريتري- كان كبيرًا وتم فيه استخدام كافة أنواع الأسلحة بما في ذلك الدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات، لذا كان التكتيك المتبع من جانب وحدات الدفاع عن الإقليم هو الحفاظ على قوامها المقاتل، وعدم الدخول في معارك مفتوحة مع الوحدات المدرعة المتقدمة، لكنها في نفس الوقت تمكنت في الأيام الأولى للمعارك من السيطرة بشكل كامل على كافة مرافق “القيادة العسكرية الشمالية، بما في ذلك أربعة مواقع للدفاع الجوي، تمكنت من خلالها من إسقاط مقاتلة إثيوبية من نوع “ميج-23″، وكذلك قصفت عدة مناطق في إريتريا وفي الداخل الإثيوبي براجمات الصواريخ الموجودة داخل هذه القيادة.

انسحبت وحدات الدفاع عن الإقليم بنهاية الشهر الأول إلى المناطق الجبلية الوسطى في الإقليم، وأعلن الجيش الإثيوبي حينها انتهاء العمليات العسكرية بعد نجاحه في دخول عاصمة الإقليم “ميكيلي”، بجانب المدن الرئيسة مثل “إديغرات” و”إكسوم” و”ألاماتا” و”عدوا” و”شيراي”، بجانب مدينة “حميره” في أقصى الشمال الغربي للإقليم.

عميقةظنت وحدات الجيش الإثيوبي والإريتري أن الوضع الميداني دان لها في الإقليم، لكن بحلول منتصف شهر ديسمبر 2020، وجدت هذه الوحدات نفسها محاصرة بشكل أو بآخر داخل المدن الرئيسة، وأصبحت تعاني خلال الأشهر التالية من حرب استنزاف حقيقية طالت خطوط الإمداد الرئيسة في شرق ووسط الإقليم، وتحديدًا طريق “إيه-2” الرابط بين جنوب شرق وشمال شرق الإقليم “الآماتا – ميكيلي – إديغرات”، وطريق “بي- 3” الذي يتوسط الإقليم ويربط بين مدن “أديغرات – عدوا – إكسوم – شيراي”، إذ استهدف عناصر جبهة الدفاع عن شعب تيجراي بشكل مستمر وفعال قوافل الإمداد الإثيوبية والإريترية، أثناء تنقلها على كلا الطريقين، وألحقت بهذه القوافل خسائر فادحة.

أدت هذه الهجمات إلى تناقص الإمدادات التي تصل إلى الوحدات العسكرية المتمركزة في مدن وسط وشرق الإقليم، وهذا كان من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى أحداث أمس. آخر هذه الكمائن، كان الهجوم منتصف الشهر الجاري على قافلة إمداد للجيش الإثيوبي، كانت تتحرك عبر طريق فرعي من عاصمة الإقليم “ميكيلي” نحو مدينة “عدوا”، حيث هاجم عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي القافلة في منطقة “كولا تيمبيان”، ما أدى إلى تدمير وإعطاب عربات الرتل بشكل كامل. 

استمر هذا الوضع الاستنزافي بشكل كبير إلى أن بدأت وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي في الثامن عشر من الشهر الجاري عملية عسكرية أطلقت عليها اسم “علولا أبانيجا”، استهدفت بشكل أساسي زيادة الضغط الميداني على القوات الإثيوبية والإريترية بحيث يتم الوصول إلى تخوم المدن الرئيسية، وكذلك توسيع رقعة العمليات الخاصة لتشمل مناطق تعتبر خارج النطاق الجغرافي لإقليم تيجراي، وتحديدًا إقليم أمهرة، الذي تنتمي إليه وحدات عسكرية خاصة تعد هي عماد القوة الإثيوبية الموجودة في إقليم تيجراي، فشن عناصر الجبهة هجمات خاطفة انطلاقًا من جنوبي الجبهة الوسطى للإقليم، في اتجاه الجانب الشمالي من إقليم أمهرة، خاصة مناطق “سيكوتا “، و”شيرو” و”جيرينو”.

بالتزامن مع هذه الهجمات، شن عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي هجمات منسقة وخاطفة على المواقع والتمركزات العسكرية الإثيوبية والإريترية على كامل الجبهة الشرقية، وتمكنت من دخول عدة مدن رئيسة منها مدن “هاوزن” و”ويكرو” و”إديغرات” شمالي الجبهة الشرقية، وزحفت وحدات الدفاع عن الإقليم بشكل متزامن على الطريق الرئيس في الجبهة الشرقية الرابط بين مدينتي “أديغرات” و”ألاماتا”. 

هذه الهجمات مضاف إليها إحجام بعض الوحدات العسكرية الإثيوبية الموجودة في جنوبي الجبهة الشرقية عن التقدم نحو وسط الإقليم لتعزيز القوات المتواجدة هناك، بسبب الخشية من كمائن عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي، وكذلك فشل سلاح الجو الإثيوبي في تعزيز قواته المتواجدة داخل عاصمة الإقليم، بعد إسقاط عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي طائرة نقل تابعة للخطوط الجوية الإثيوبية، حاولت نقل إمدادات إلى داخل العاصمة، أدت هذه العوامل جميعها إلى تمكن عناصر الجبهة من الوصول إلى تخوم عاصمة الإقليم “ميكيلي” مساء السابع والعشرين من الشهر الجاري.

حاولت الوحدات الإثيوبية الموجودة داخل العاصمة تأخير اقتحام وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي للعاصمة، فحاولت استدعاء بعض التعزيزات من مدينة “ألاماتا” في أقصى جنوب الجبهة الشرقية، بجانب محاولتها استخدام بطاريات مدفعية الميدان من عيار 122 ملم، الموجودة غربي العاصمة، لضرب مواقع تقدم وحدات الجبهة، إلا أن هذه الأخيرة نجحت في السيطرة على مواقع المدفعية، وقطعت التواصل بين العاصمة ومدينة “ألاماتا”، ودخلت في اليوم التالي “28 يونيو” إلى داخل العاصمة، وسيطرت بشكل كامل عليها وأسرت مئات الجنود الإثيوبيين، وفر مئات أخرون إلى خارج الإقليم، وتحديدًا في اتجاه إقليمي “عفار” شرقًا، و”أمهرة” جنوبًا.

بسقوط عاصمة الإقليم، سقطت بقية المدن الموجودة في الجبهة الشرقية، على طول طريق “أيه-2″، وهي “إديغرات” – “أداجاهاموس” – “فريويني” – “هاوزن” – “نيجاش” – “ويكرو” – “ميكدين” – “ماي كياه”، بجانب المطارين الرئيسين في الإقليم، ومدن أخرى وصولًا إلى مدينتي “ميهوني” و”مايشيو”، الواقعتين شمالي مدينة “ألاماتا” التي تعد المعقل الأخير لقوات الجيش الإثيوبي في الجبهة الشرقية للإقليم. 

مازالت وحدات من الجيش الإريتري موجودة في مدن الوسط مثل “عدوا” و”إكسوم” و”شيراي”، لكن باتت مسألة انسحاباها من هذه المدن مسألة وقت، نظرًا لقرب إطلاق وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي لهجوم نهائي على هذه المدن، خاصة بعد أن باتت مدينة “شيراي” الواقعة غربي مدينة “إكسوم” قاب قوسين أو أدنى من السقوط. الجبهة الغربية للإقليم يتوقع أيضًا أن تشهد وضعًا مماثلًا، خاصة مع تسجيل انسحاب بعض وحدات القوات الخاصة التابعة لإقليم “أمهرة” من المدينة الرئيسة في غرب الإقليم “حميره”.

كان لافتًا إقدام الوحدات الإثيوبية المنسحبة من العاصمة برفقة الحكومة المؤقتة المعينة من جانب أديس أبابا على نهب محتويات المرافق التابعة للمنظمات الإغاثية الدولية، وقتلهم أحد عشر من منتسبي هذه المنظمات، وهو أسلوب ألقى مزيد من الضوء على سبب آخر من أسباب فشل الحكومة الإثيوبية في اكتساب ثقة مواطني الإقليم، وهو الجانب الإنساني؛ فقد فشلت الحكومة المؤقتة التي ترأسها وزير الابتكار والتكنولوجيا في الحكومة الفيدرالية أبراهام بيلاي في حماية أهالي الإقليم وسكان مخيمات النازحين من الممارسات القمعية للقوات الإثيوبية والإريترية، ناهيك عن التردي المتزايد في الأوضاع المعيشية، وهو ما فاقم من كراهية سكان الإقليم لفكرة الفيدرالية بشكل عام، وأسلوب الإدارة والهيمنة المعتمد على الترهيب والقوة. لذا رفض أهالي عدد كبير من القرى في هذا الإقليم دخول ممثلي الحكومة المؤقتة إلى مناطقهم، وطلبوا منهم عدم محاولة دخول مناطقهم مجددًا، وبدأوا في تشكيل ما يشبه “إدارات محلية” لقراهم تتكون من سبعة أفراد.

إذًا، بعد نحو ثمانية أشهر من إعلان حكومة أديس أبابا النصر في إقليم تيجراي، تعود عقارب الساعة إلى الوراء، ولا يبدو أن هذا الملف قد انتهى بشكل تام، بالنظر إلى عدم استجابة جبهة تحرير شعب تيجراي إعلان أديس أبابا إيقاف القتال من جانب واحد، وإعلانها عن استمرار القتال إلى أن تتم السيطرة على كامل مناطق الإقليم، وهذا سيفرض واقعًا سياسيًا وميدانيًا جديدًا على حكومة آبي أحمد التي تتزايد الضغوط الداخلية عليها في ميادين أخرى للقتال مثل إقليم “أوروميا” وإقليم “عفار” وإقليم “بني شنقول”، بجانب الحدود الملتهبة مع السودان، وهذا كله يترافق مع تدهور مستمر في الاقتصاد الإثيوبي الذي تتزايد معدلات تضخمه بشكل يومي، خاصة منذ انطلاق المعارك في إقليم تيجراي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى