أفريقيا

البحرية الإثيوبية … الهروب من جبهات البر المشتعلة

علامات استفهام وتعجب متعددة أثارها عودة المؤسسة العسكرية الإثيوبية للحديث عن تفعيل “سلاح البحرية”، الذي كان خلال السنوات الأخيرة مجرد “ذكرى” لم يعد لها وجود. من أهم بواعث الاستفهام في هذا الصدد هو ارتباط هذا الملف بالأسباب الحقيقية للتقارب الحالي بين إثيوبيا وإريتريا، وكذا بمحاولة أديس أبابا التعامل مع الضغوط الداخلية المتزايدة -على المستويين السياسي والأمني- والضغوط الخارجية التي يفرضها التوتر الحالي في العلاقات مع كل من السودان ومصر.

عودة الحديث عن سلاح البحرية الإثيوبي، جاءت خلال حفل أُقيم مؤخرًا في كلية الهندسة العسكرية، في مدينة “بيشوفتو” جنوب شرق العاصمة أديس أبابا، بحضور رئيس أركان الجيش الإثيوبي، الجنرال بيرهانو جولا، تم فيه تدشين مركز للتدريب العسكري البحري، والإعلان عن الشعار الجديد لسلاح البحرية الإثيوبي، وهي خطوة أثارت انتقادات داخلية عديدة؛ نظرًا لأن إثيوبيا لا تمتلك أية سواحل تسمح لها بالاستفادة من أية قدرات بحرية، وكذلك أعادت هذه الخطوة تذكير الشعب الإثيوبي بمرحلة لافتة وغير مسبوقة مرت بها المؤسسة العسكرية الإثيوبية خلال العقود الأخيرة.

القوة البحرية الإثيوبية … تجربة مريرة

يعود تاريخ تأسيس سلاح البحرية الإثيوبي إلى عام 1955، وقد وصل إلى ذروة نشاطه أواخر سبعينيات القرن الماضي، حيث امتلك 37 قطعة بحرية مختلفة، موزعة على قاعدتين بحريتين رئيستين في جزيرة دهلك وميناء عصب، مع مركز قيادة رئيسي في مدينة أسمرة. 

لكن عقب انتهاء الحرب بين إثيوبيا والصومال -وهي الحرب التي كان أداء البحرية الإثيوبية فيها متواضعًا للغاية- بدأ اهتمام الحكومات الإثيوبية المتعاقبة بسلاح البحرية يتناقص باستمرار، إلى أن وصل عدد قطع الأسطول الإثيوبي إلى نحو 22 قطعة بحرية عام 1990، يعمل على متنها وفي قواعدها نحو 3500 جندي وضابط.

تطورات التمرد في إريتريا كانت بمثابة الفصل الأخير في مسيرة هذا السلاح، وكانت البداية مع تدمير عدد من سفنها بميناء مصوع في مارس 1990، على يد عناصر الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، ثم فقدت قاعدتيها في جزيرة دهلك وميناء عصب، وبسقوط أسمرة فقد هذا السلاح مركز قيادته الرئيسي، لتصبح سفن البحرية الإثيوبية فعليًا بلا أية قواعد، وتحولت قيادتها للتمركز داخل العاصمة الإثيوبية.

بداية من مايو 1991، انتقلت القطع البحرية المتبقية من سلاح البحرية الإثيوبي، والتي تُقدر ب 14 قطعة بحرية، إلى موانئ اليمن والسعودية، وظلت من خلال هذه الموانئ، تنفذ بعض الدوريات البحرية في البحر الأحمر، إلى أن غادرت القطع البحرية الإثيوبية التي ظلت في حالة فنية جيدة الموانئ اليمنية والسعودية عام 1993، باتجاه موانئ جيبوتي، وظلت تعمل من خلال هذه الموانئ، حتى صادرتها جيبوتي عام 1996، وقامت بعرضها في المزاد العلني، كي تتحصل من خلال بيعها على المستحقات التي ترتبت على البحرية الإثيوبية نتيجة استخدامها الموانئ الجيبوتية، وبالفعل تم بيع أربعة قطع منها إلى إريتريا، أما بقية القطع فقد تم بيعها كخردة. عقب ذلك تم حل سلاح البحرية الإثيوبي بشكل رسمي منتصف عام 1996، بعد أن تبقت قطعة بحرية واحدة من أسطوله، وهي عبارة عن زورق للدورية، تم نقله عن طريق البر للعمل في بحيرة تانا شمال غرب البلاد.

ظل ملف البحرية الإثيوبية على حاله منذ ذلك التوقيت، إلى أن صدر عن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، منتصف عام 2018، تصريحًا مفاجئًا تحدث فيه عن بدء بلاده في إعادة النظر في قرار حل سلاح البحرية، وتبع ذلك تصريح لرئيس الأركان الإثيوبي السابق، في نوفمبر من نفس العام، قال فيه إن بلاده تتشاور مع عدة دول من أجل إعادة تفعيل سلاح البحرية الإثيوبي.

بهذا يتضح بشكل لا يقبل الشك أن القيادة السياسية الجديدة في إثيوبيا، قد حسمت قرارها في هذا الشأن، وهذا اتضح بشكل أكبر بعد توقيع إثيوبيا وفرنسا في مارس 2019، اتفاقية حول التعاون العسكري، تشمل مساعدة أديس أبابا في إحياء سلاح البحرية الخاص بها، على مستوى التدريب والتسليح. وقد أعادت إثيوبيا بالفعل تشكيل قيادة قواتها البحرية العام الماضي، وعينت الأدميرال “كيندو جيزو” كقائد عام لهذه القوة، التي ظلت حتى الآن قوة أسمية غير مفعلة بشكل عملي. 

معضلة الموارد والموانئ … والسفن

الخطط الإثيوبية لإعادة إحياء سلاح البحرية، بدأت فعليًا بالتوجه نحو إعادة إحياء البحرية التجارية الإثيوبية، عبر إعادة بناء الأسطول الإثيوبي من سفن الشحن المدنية، والذي كان مصيره خلال العقود الماضية هو نفس مصير القطع البحرية العسكرية التابعة للبحرية الإثيوبية. هذه العملية بدأت عام 2004، حين شرعت الحكومة الإثيوبية في عملية إحلال وتجديد للسفن التجارية المتقادمة التي كانت في حوزتها، والتي كان أغلبها قابعًا في الأحواض الجافة بميناء جيبوتي، وبلغ عددها حسب أغلب التقديرات تسع سفن، تم بناؤها في الفترة بين عامي 1984 و1990، وكذا إعادة تفعيل شركة “الخطوط البحرية الإثيوبية”، الناقل البحري الحكومي الأساسي. 

من ثم بدأت في نفس التوقيت في البحث عن ترسانات أجنبية كي تتولى بناء السفن التجارية الجديدة، حيث كانت الخطة الإثيوبية تقتضي التعاقد على بناء 23 سفينة شحن بضائع وحاويات بحلول عام 2018.

وجدت أديس أبابا ضالتها في الترسانات البحرية الصينية، حيث وجدت الصين في النهم الإثيوبي لإعادة بناء بحريتها التجارية، فرصة إضافية للحصول على مغانم اقتصادية هائلة، وبالفعل وقع الجانبان عقد بناء أول ثلاث سفن للشحن عام 2004، بلغت إزاحة كل منها 27 ألف طن، وقد تسلمتها إثيوبيا في الفترة بين عامي 2006 و2008، وبدأت منذ ذلك التاريخ في تشغيلها انطلاقًا من ميناء جيبوتي.

دخول هذه السفن إلى الخدمة شجع الحكومة الإثيوبية على تطوير آلية العمل بشركة “الخطوط البحرية الإثيوبية”، حيث قامت عام 2011 بتغيير اسمها إلى “المؤسسة الإثيوبية للشحن والخدمات اللوجستية”، ومن ثم قامت في نفس العام بتوقيع عقد مع الصين بقيمة نحو 300 مليون دولار أمريكي – مول بنك التصدير والاستيراد الصيني نحو 80 بالمائة من قيمته – لبناء تسع سفن شحن جديدة، بواقع سبع سفن شحن عامة تبلغ إزاحة كل منها 28 ألف طن، وسفينتي نقل حاويات تبلغ إزاحتهما 41500 طن، تم بناؤها هذه السفن جميعًا في ترسانتي “جينلينغ” و” شاندونغ هوانغهاي” في الصين، وتم تسليمهم بشكل كامل إلى إثيوبيا خلال الفترة بين عامي 2012 و2014، وتمت تسمية هذه السفن بأسماء عواصم الأقاليم الإثيوبية. كان هذا التعاقد هو التعاقد الأكبر للترسانات البحرية الصينية على المستوى الدولي، وبذلك أصبح الأسطول الإثيوبي من سفن الشحن المدنية يتكون من 12 سفينة.

بعد أن تم حل معضلة السفن، كانت مشكلة موانئ التشغيل هي الشغل الشاغل للحكومة الإثيوبية، خاصة في المرحلة التي أعقبت وصول رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد إلى السلطة في مارس 2018. الرغبة الإثيوبية في تصدر الإمكانيات اللوجستية للنقل البحري في منطقة القرن الأفريقي، وكذا تجهيز كوادر بحرية من أجل العمل مستقبلًا على متن قطع البحرية الإثيوبية، اصطدمت بحقيقة أن الميناء الوحيد الذي كانت سفن الشحن الإثيوبية تتمتع بتسهيلات للعمل من خلاله هو ميناء جيبوتي، لذا كانت أولوية آبي احمد هي توسيع قاعدة الموانئ المتوفرة لعمل البحرية الإثيوبية التجارية، ومستقبلًا سلاح البحرية.

لذا تحركت إثيوبيا في هذا الصدد نحو عدة بلدان مجاورة، ما بين كينيا والصومال، وإريتريا والسودان، بجانب توقيعها اتفاقًا عام 2018 مع جيبوتي لتوسيع التسهيلات الممنوحة للبحرية التجارية الإثيوبية، مقابل تسهيلات اقتصادية للاستثمار الجيبوتي في الشركات الإثيوبية.

فيما يتعلق بإريتريا، فقد شهدت العلاقات بينها وبين إثيوبيا تحسنًا “متسارعًا”، كان الجانب البحري من أبرز ملامحه، وهذا تمثل في رسو أول سفينة إثيوبية في ميناء مصوع الإريتري في سبتمبر 2018 -وهي الأولى منذ عام 1991-  وهي سفينة الشحن “ميكيللي” -التي تحمل للمفارقة أسم عاصمة إقليم تيجراي، الذي تقاتل فيه حاليًا القوات الإثيوبية والإريترية جنبًا إلى جنب- ونقلت هذه السفينة نحو 11 ألف طن من خام الزنك الإريتري إلى الصين. منذ ذلك التاريخ بات ميناء مصوع أحد الموانئ الرئيسية لتشغيل سفن الشحن الإثيوبية.

توجهت إثيوبيا في هذا الإطار أيضًا نحو الصومال، حيث وقعت عام 2017 اتفاقًا مع جمهورية “أرض الصومال” ذات الحكم الذاتي، سمح لها بالاستحواذ على نسبة تسعة عشر بالمائة من أسهم ميناء “بربرة”، وهو ما وضع لها موطئ قدم أساسي في هذا الميناء المهم، بجانب تواجد في ثلاثة موانئ صومالية أخرى، وهي الخطوة التي شكلت نقلة نوعية مهمة للبحرية التجارية الإثيوبية، خاصة في ظل الفوائد المادية واللوجستية الكبيرة التي عادت عليها من استغلال الموانئ الصومالية القريبة من أراضيها.

يضاف إلى هذا توجه إثيوبيا نحو كل من السودان وكينيا، من أجل استغلال موانئها في تشغيل سفن الشحن الإثيوبية، فأطلقت عام 2019 مباحثات مع السودان لمشاركة شركات إثيوبية في تطوير ميناء “بورتسودان” السوداني، وذلك بعد أن بدأت العلاقات بين جيبوتي وإثيوبيا في التراجع تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة. كذلك وقعت إثيوبيا عام 2018، اتفاقًا مع كينيا لتشغيل ميناء “لامو” شمالي البلاد، وتأسيس محطة للحاويات والخدمات اللوجيستية الإثيوبية داخل الميناء، وهذا العقد كان أيضًا لمحاولة إيجاد بدائل للاعتماد الإثيوبي شبه الكامل على ميناء جيبوتي.

إذن يبدو من خلال ما سبق أن أديس أبابا تمكنت بالفعل من حل مشكلة عدم وجود موانئ تابعة لها بشكل مباشر من أجل إدامة عملياتها البحرية، لكن تبقى المشكلة الأساسية في هذا الصدد وهي التمويل، ففي ما يتعلق بالسفن التجارية، مولت البنوك الصينية عمليات بناء سفن الشحن الإثيوبية، وذلك عبر قروض طويلة الأجل، لكن عندما يأتي الحديث عن سلاح البحرية الإثيوبي، فإن الأمور تختلف تمامًا نظرًا لأن القطع البحرية التي من الممكن أن تقتنيها إثيوبيا في المدى القريب -سواء كان الأمر متعلقًا بعددها أو إمكانياتها أو تكاليف تسليحها وصيانتها- تقتضي توفر تمويل بملايين الدولارات، لا تمتلكه إثيوبيا في الوقت الحالي، ناهيك عن أن إدارة وجود هذه القطع في حالة شرائها، في الموانئ الأجنبية ينطوي على تكاليف مادية كبيرة، ومخاطر أمنية عالية، خاصة وأن البحرية الإثيوبية كما سبق وأشرت، كانت لها تجربة مؤسفة في ما يتعلق بالوجود في موانئ دول أخرى، هذا لو افترضنا أن كل من الدول السالف ذكرها، ستوافق على تواجد قطع حربية أثيوبية بشكل دائم على أراضيها.

منطقيًا، يمكن اعتبار الموانئ الإريترية والصومالية والكينية هي الأقرب لاستضافة القطع البحرية الإثيوبية مستقبلًا، خاصة أن إريتريا حازت على مكاسب مهمة من إثيوبيا مقابل السماح لها بالوجود البحري في الموانئ الإريترية، وهذا ظهر بشكل واضح في الانخراط الإريتري في معارك إقليمي تيجراي وأوروميا على الأراضي الإثيوبية، وهذا يعد جانبًا أخر من جوانب السياسة الإثيوبية المعاصرة، التي تهرب إلى الأمام في مواجهة المعضلات الميدانية والسياسية الحالية، وتسعى بشكل حثيث إلى تأسيس سلاح للبحرية، بغض النظر عن كافة المعوقات المالية واللوجستية، وبالتغاضي عن النقائص الواضحة في تسليح وتجهيز الأفرع الرئيسية الأخرى في القوات المسلحة الإثيوبية، وعلى رأسها سلاح الجو.

مصادر

1- https://2u.pw/0su4i

2- https://2u.pw/oqp5h

3- https://2u.pw/S8o3z

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى