الأزمة الأوكرانيةأوروبا

الظلال السوفيتية… “ترانسنيستريا” والدور المحتمل في الحرب الأوكرانية

أعادت التطورات التي طرأت على إقليم “ترانسنيستريا” الانفصالي شرقي مولدوفا خلال الأسابيع الأخيرة إلقاء الضوء على أدوار ميدانية وتكتيكية مهمة قد يلعبها هذا الإقليم في الحرب الدائرة حاليًا في أوكرانيا، ناهيك عما ينطوي عليه هذا الإقليم من إرث سوفيتي تظهر ملامحه في كل شارع من شوارعه، وهو الإرث الذي جعل هذا الإقليم واحدًا من ضمن عدة مناطق انفصالية نتجت عن انهيار الاتحاد السوفيتي وبات لها تأثير جيوسياسي حاضر بقوة على الوضع الدولي الحالي.

الوجود العسكري الروسي في هذا الإقليم، كان دومًا -مثله في ذلك مثل الوجود العسكري الروسي في منطقة “كالينجراد”- مثار قلق أوروبي على مدار العقود الأخيرة، وعلى الرغم من حجم هذا الوجود في “ترانسنيستريا” لا يقارن بأي حال من الأحوال بالوجود العسكري في “كالينجراد” سواء على مستوى الكم أو النوع، إلا أن طبيعة الوضع في مولدوفا، وتلاصق هذا الإقليم مع خاصرة أوكرانية مهمة هي خاصرة “ساحل البحر الأسود”، فتحت الباب أمام احتمالات لعب هذا الإقليم دورًا تكتيكيًا وميدانيًا في “الجبهة الجنوبية” ضمن المرحلة الثانية للعمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، والتي تستهدف في هذه الجبهة، السيطرة على الساحل الأوكراني المطل على البحر الأسود.

ترانسنيستريا ومولدوفا… مسار طويل خلال الحقبة السوفيتية

انضوت مولدوفا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر تحت حكم الإمبراطورية العثمانية، إلا أن الأخيرة قامت بالتخلي عن جزء من القسم الشرقي منها -المسمى “بيسارابيان مولدوفا”- للإمبراطورية الروسية بموجب اتفاقية “جاسي” الموقعة عام 1792، التي تم إبرامها عقب الحرب الروسية – العثمانية. 

أسست موسكو في هذا النطاق الجغرافي مدينة “تيراسبول” عام 1795 -والتي تمثل حاليًا عاصمة إقليم “ترانسنيستريا”- بهدف تأمين الأراضي التي حصلت عليها بموجب اتفاقية جاسي. وقد أتمت موسكو السيطرة على كامل شرق مولدوفا، بما في ذلك إقليم “ترانسنيستريا”، بعد أن غزته وأجبرت الإمبراطورية العثمانية على التخلي عنه بالكامل عبر اتفاقية “بوخارست” الموقعة عام 1812.

في عام 1918، تم تأسيس الهيئة البرلمانية المولدوفية، بعد عام واحد من اندلاع الثورة البلشفية في روسيا التي أطاحت بالحكم القيصري. صوتت هذه الهيئة في نفس عام تشكيلها على الانضمام إلى مملكة رومانيا التي كانت تسيطر في ذلك التوقيت على كافة الأراضي المولدوفية، لكن لم يعترف الاتحاد السوفيتي المُشكل حديثًا حينها بهذه الخطوة، وقام عام 1924 بإعلان منطقتي “بوكوفينا الشمالية” و”بيسارابيان مولدوفا” جزءًا من “جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية”، وأعلن من خلال تلك المنطقتين تأسيس ” جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية”، ككيان ذاتي الحكم داخل جمهورية أوكرانيا الاشتراكية، وكانت مدينة “تيراسبول” عاصمة هذه الجمهورية.

هذا التأسيس ظل خارج التفعيل خلال السنوات اللاحقة، إلى أن تم -بموجب اتفاق مولوتوف-ريبنتروب بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي- ضم موسكو جزء من النطاق الشرقي لمولدوفا، والذي يقع شرقي نهر “دنيستر”، ويشكل حاليًا أراضي إقليم “ترانسنيستريا”. وبذلك تم عام 1940 التأسيس الفعلي لـ “جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية” على أراضي هذا الإقليم. 

لكن فقدت موسكو هذا الإقليم وأجزاء كبيرة من أوكرانيا خلال الهجوم الألماني-الروماني على الأراضي السوفيتية عام 1941، وظلت رومانيا مسيطرة على كامل الأراضي المولدوفية وأجزاء من جنوب أوكرانيا حتى عام 1944، حين استعادت موسكو سيطرتها على كافة الأراضي الأوكرانية والمولدوفية، وظلت “جمهورية مولدوفا الاشتراكية” قائمة منذ ذلك الوقت على كافة الأراضي المولدوفية، حتى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990.

خلال فترة تولي الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل جورباتشوف ووصولًا إلى عام 1990، كانت مولدوفا من أبرز الجمهوريات السوفيتية التي ظهرت فيها آثار الإصلاحات السياسية والاقتصادية “الجلاسنوست والبيريسترويكا”، التي تبناها جورباتشوف خلال المرحلة الأخيرة من فترة حكمه، ومن أبرز هذه الآثار كان تصاعد حدة أنشطة الحركات السياسية القومية داخل مولدوفا، وعلى رأسها “الجبهة الشعبية لمولدوفا” التي كانت تميل إلى اعادة العلاقات السابقة مع رومانيا إلى سابق عهدها، وهو ما تمت مواجهته من جانب المناطق المولدوفية التي تقطنها أغلبية روسية الأصل، والتي شكلت حركات انفصالية مضادة، خاصة في إقليم “ترانسنيستريا” وإقليم “غاغوزيا” الواقع في أقصى جنوب مولدوفا.

التغيرات التدريجية في المزاج المولدوفي أجبرت في أغسطس 1989 مجلس السوفيت الأعلى لجمهورية مولدوفا الاشتراكية على إعلان اللغة المولدوفية لغة أساسية للبلاد، واعتماد الأبجدية اللاتينية الرومانية في اللغة المولدوفية، وبحلول عام 1990، فازت الجبهة الشعبية القومية بأول انتخابات برلمانية في مولدوفا، وهو ما تم اعتباره بمثابة العد التنازلي لإعلان استقلال مولدوفا، الذي تم إعلانه من جانب البرلمان عام 1991. وقد سبق هذا الإعلان، تأسيس إقليم “ترانسنيستريا” وإقليم “غاغوز” كجمهوريتين مستقلتين من جانب واحد عن مولدوفا في سبتمبر 1990، وهو ما أسس لنزاع جغرافي وسياسي مازال حتى الآن عالقًا دون أية حلول.

اندلاع معارك السيطرة على “ترانسنيستريا”

رأت مولدوفا في التحركات الانفصالية في “ترانسنيستريا” و”غاغوز” تهديدًا مباشرًا لها في ظل الظروف غير المستقرة التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي، لذا حاولت عدة مرات بين عامي 1990 و1992، عبور نهر “دنيستر”، والسيطرة على ضفته الشرقية، لكن كانت هذه المحاولات المحدودة تقابل بمقاومة شرسة من قوات إقليم ترانسنيستريا. اتخذ الصراع في هذا النطاق شكلًا أكثر عنفًا في مارس 1992، حين قتلت قوات الشرطة المولدوفية أحد قياديي قوات إقليم ترانسنيستريا في قرية تطل على نهر “دنيستر” تدعى “دوبيساري”، لتندلع معارك طاحنة بين قوات الإقليم المدعومة بمقاتلي قبائل “القوزاق” الروس من جهة، ووحدات الشرطة والجيش التابعة لمولدوفا من جهة أخرى.

كان لموسكو في إقليم “ترانسنيستريا” وحدات عسكرية تابعة للجيش الرابع عشر، وهو قوة عسكرية كانت تتألف من أربعة عشر ألف جندي، القسم الأكبر منهم كان ينتمي عرقيًا لإقليم “ترانسنيستريا”. هذه القوات، التي ظلت متمركزة في الإقليم حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت عاملًا أساسيًا من عوامل تمكن قوات الإقليم من الصمود أمام القوات المولدوفية، المدعومة من رومانيا.

 في بداية المعارك، حاولت موسكو اتخاذ موقف حيادي، إلا أن مولدوفا اتهمتها بدعم القوات الانفصالية، وقامت في ديسمبر 1991 باعتقال القائد العام للجيش الرابع عشر، الفريق ياكوفليف، ولم تفرج عنه إلا بعد إفراج الجبهة الشعبية في ترانسنيستريا عن عدد من الضباط المولدوفيين الذين تم أسرهم في المرحلة الأولى من المعارك.

اللافت هنا أن ياكوفليف قام عقب الإفراج عنه بالانضمام إلى قوات إقليم ترانسنيستريا بمعية عدد من جنود الجيش الرابع عشر، وكان له لاحقًا دور أساسي في مسار استقلال الإقليم فيما بعد، رغم أن هذه الخطوة تسببت في عزله من قيادة الجيش الرابع عشر الروسي، واستبدل به الفريق ألكسندر لابيد الذي حاول الحفاظ على قوام الجيش الرابع عشر، إلا أنه قام لاحقًا بدور حاسم في النزاع العسكري الذي شهده هذا الإقليم، فقد بدا أن موسكو عدلت من موقفها المحايد تجاه هذا النزاع، وبدأت في اتخاذ خطوات داعمة للقوات الانفصالية، لدرجة حدت بنائب الرئيس الروسي الكسندر روتسكوي، السفر إلى عاصمة الإقليم “تيراسبول”، في أبريل 1992، وإلقاء خطاب أمام السكان هناك، حثهم فيه على المطالبة بالاستقلال عن مولدوفا.

بعد هذا الخطاب، بدأت وحدات الجيش الرابع عشر في دعم القوات الانفصالية ناريًا وتسليحيًا، مستفيدة من الكميات الهائلة من الأسلحة والذخائر السوفيتية التي كانت مخزنة في منطقة “كوباسنا” التي تعد أكبر مستودع لتخزين الأسلحة في أوروبا كلها. 

بدأ الحسم الروسي في هذه المعركة بحلول يوليو 1992، حين نفذت المدفعية الروسية قصفًا مركزًا على مواقع تمركز القوات المولدوفية في الضفة الغربية من نهر “دنيستر”، وهو ما ألحق خسائر فادحة بهذه القوات أجبرتها لاحقًا على إيقاف القتال بحلول الحادي والعشرين من نفس الشهر، والدخول في مفاوضات مع موسكو والقوات الانفصالية، شاركت فيها كوسيط منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وتم فيها تمثيل كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بصفة مراقب. أسفرت هذه المفاوضات عن توقيع الرئيس الروسي بوريس يلتسين والرئيس المولدوفي ميرسيا سنيغور، اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار، نص على تأسيس قوة حفظ سلام مشتركة، تتألف من خمس كتائب روسية، وثلاث كتائب مولدوفية، وكتيبتين من إقليم “ترانسنيستريا”.

ترانسنيستريا كمثال “للنزاعات المجمدة” في شرق أوروبا

تحول إقليم ” ترانسنيستريا” عقب انتهاء المعارك فيه إلى نموذج آخر من نماذج “النزاعات المجمدة” في شرق أوروبا، والتي كان ظهورها من نتائج انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، مثلها في ذلك مثل ناجورنو قره باغ وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. حرصت موسكو خلال العقود السابقة، على الحفاظ على سيطرتها ونفوذها داخل هذا الإقليم، فقامت بتعديل وضع الجيش الرابع عشر، الذي تم حله في أبريل 1995، ومن ثم تم تقسيم جزء من قوامه بين قوة تم تخصيصها للمشاركة في وحدات حفظ السلام الموجودة على الإقليم، وبلغ قوام هذه القوة 500 فرد.

وبين قوة أخرى تمت تسميتها “المجموعة العملياتية الروسية في ترانسنيستريا”، وقوامها 1200 جندي، وتخضع مباشرة لقيادة منطقة موسكو العسكرية، وتم تكليفها بحراسة مستودعات الذخائر الضخمة في منطقة “كوباسنا”، وتتألف هذه القوة من لواء مشاة ميكانيكي وفوج صواريخ مضادة للطائرات، بجانب وحدات داعمة أخرى. هذه القوات شكلت الحضور العسكري الأساسي في الإقليم طيلة الفترات الماضية، بالإضافة إلى القوات المحلية التي دربتها وسلحتها موسكو، وتتألف من نحو عشرة آلاف جندي، مسلحين بأعداد محدودة من الدبابات وناقلات الجند المدرعة، وهذه القوات مجتمعة تقوم بشكل سنوي بمناورات مشتركة، كان آخرها في الثاني من فبراير الماضي.

إقليم ترانسنيستريا الذي يحتفظ بشكل واضح بالرموز والمباني التي تنتمي للحقبة السوفيتية -وهو ما ينعكس حتى على علمه الخاص- اعتمد خلال العقود الماضية بشكل شبه كامل على موسكو اقتصاديًا ومعيشيًا، رغم أن روسيا حتى الآن لا تعترف باستقلال هذا الإقليم الذي لا يعترف به سوى الأقاليم الانفصالية المماثلة له، وهي أبخازيا وأوسيستا الجنوبية في جورجيا، وناجورنو قره باغ الواقعة في الحد الفاصل بين أذربيجان وأرمينيا. من أمثلة هذا الاعتماد، تولي بلدية موسكو دفع المعاشات التقاعدية الخاصة بمواطني هذا الإقليم، البالغ تعدادهم  ما بين 200 و400 ألف شخص، ناهيك عن منح موسكو جوازات سفر روسية لسكان الإقليم منذ عام 2002.

غالبية سكان الإقليم يعملون خلال أشهر الصيف في الزراعة، في حين يعتمدون في فصل الشتاء على المبالغ المحولة لهم من أقاربهم العاملين في الخارج، بجانب أن قسمًا من هؤلاء يعمل ضمن المؤسسات الصناعية التي يسيطر عليها تكتل “شريف” الاقتصادي الذي تم تأسيسه على يد ضابطين سابقين في جهاز المخابرات السوفيتية “كي جي بي”، الذي يمتلك السواد الأعظم من الأنشطة الاقتصادية في الإقليم، بداية من محال السوبر ماركت ومحطات الوقود، وصولًا إلى نادي كرة القدم الرئيس في الإقليم، ومصنع الصلب الرئيس الواقع في منطقة “رابنيتا”. 

هذا المصنع يمثل جوهر النشاط الاقتصادي في هذا الإقليم، نظرًا لأن إنتاجه ينافس المصانع المناظرة له في مولدوفا ورومانيا ودول أوروبا الأخرى، بسبب منح موسكو الغاز والمشتقات النفطية له ولكافة مناطق ترانسنيستريا بأسعار زهيدة لا تقارن بالأسعار التي تشتري مولدوفا بها الغاز الروسي، وهذا يضاف إلى حقيقة أن كافة الأنشطة الاقتصادية على أراضي هذا الإقليم معفاة من منح الضرائب والرسوم لحكومة مولدوفا، وهي مبادرة كان مقصودًا بها تجنب أي توتر ميداني بين الجانبين.

اتسمت خطوات موسكو لإدامة سيطرتها على هذا الإقليم بالبطء والثبات، فهي لم تعترف باستقلال الإقليم، رغم إجراء السلطات المحلية هناك في سبتمبر 2006 استفتاءً لاستطلاع آراء السكان بشأن الانضمام إلى الاتحاد الروسي، صوت فيه 97.1 في المائة من الناخبين لصالح الانضمام إلى روسيا. ورغم هذا شرعت موسكو في بعض الخطوات التي تمهد لهذا الأمر، فافتتحت في انتخابات مجلس الدوما الروسي عام 2011، مراكز اقتراع داخل الإقليم للمرة الأولى على الإطلاق، وهو ما حدث عدة مرات بعد ذلك، وهو ما أثار احتجاج مولدوفا التي رأت في ذلك تمهيدًا روسيًا لاعتراف مستقبلي باستقلال هذا الإقليم الذي يضم سبع مناطق إدارية وتبلغ مساحته الإجمالية نحو خمسة آلاف كيلو متر مربع. 

عادت سلطات الإقليم عام 2014، عقب ضم موسكو شبه جزيرة القرم، للمطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الروسي، حيث قدمت إلى مجلس الدوما طلبًا رسميًا بهذا الشأن، علمًا بأن الإقليم الانفصالي الآخر في مولدوفا، والذي يسمى “غاغوزيا”، قام بدوره في نفس العام بتوقيع اتفاقية عسكرية وأمنية مع موسكو.

رغم العلاقات الوثيقة مع موسكو، إلا أن إقليم ترانسنيستريا يحتفظ أيضًا بعلاقات مهمة مع أوكرانيا ودول أوروبية أخرى، خاصة أنه كان يعد من ضمن “ممرات التهريب” المهمة من أوروبا نحو ميناء أوديسا الأوكراني على البحر الأسود. خلال التوتر الذي شاب جنوب أوكرانيا عام 2014، على خلفية ضم روسيا شبه جزيرة القرم. تواصلت سلطات كييف وتيراسبول “عاصمة الإقليم” فيما يتعلق بأمن حدودهما المشتركة، وحينها كانت سلطات الإقليم تخشى من التأثيرات السلبية التي قد تطرأ على تدفقات الغاز والتدفقات المالية الواردة لها من روسيا، خاصة أن كييف وضعت وقتها قيودًا على عبور أصحاب جوازات السفر الروسية خارج حدودها. 

يضاف إلى هذا خشية سلطات الإقليم على مدار السنوات الماضية، من تأثر استفادتها الحالية من نظام التفضيلات التجارية المستقلة في الاتحاد الأوروبي الذي يوفر لمنتجات الإقليم تواجد دائم في الأسواق الأوروبية المختلفة، وهذا كان من نتائج توقيع مولدوفا اتفاقية للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي عام 2014. كييف من جانبها عززت على مدار السنوات الأخيرة من دور الوساطة بين الإقليم ومولدوفا، وسهلت إجراءات السفر من وإلى الإقليم، وكذلك سمحت بسيولة التجارة عبر الحدود، دون أن تجعل من هذا كله تكريسًا للوضع الانفصالي القائم في الإقليم.

هل يتكرر سيناريو “جليفيتش” في ترانسنيستريا

عاد ملف إقليم ترانسنيستريا إلى الواجهة مرة أخرى بشكل مباغت، بفعل الأحداث الغامضة التي شهدها على مدار ثلاثة أيام متتالية، كانت بدايتها في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، بهجوم بالقذائف الصاروخية نفذه مجهولون على مبنى وزارة الأمن الداخلي في عاصمة الإقليم “تيراسبول”، وعلى مطار المدينة الذي على ما يبدو تعرض لهجوم بطائرة بدون طيار، وتزامن ذلك مع إطلاق للنار على مقر لوحدة عسكرية في منطقة “باركاني”. 

في اليوم التالي، تم تفجير هوائيين اثنين من هوائيات الإرسال الإذاعي الموجودة في مدينة “ماياك” وسط الإقليم، ثم في اليوم الثالث تعرضت قرية “كوباسنا” -التي تحتضن مستودعات الذخيرة السوفيتية- لإطلاق نار جاء من طائرة مسيرة، قالت السلطات المحلية إنها جاءت من أوكرانيا.

هذه الأحداث أعادت إلى الذاكرة عملية “جليفيتش” التي قامت بها وحدات عسكرية ألمانية خاصة عام 1939، على مرافق الإذاعة في المدينة التي تحمل نفس الاسم، لتبرير غزو الأراضي البولندية، حيث ترى كييف أن هذه الأحداث قد تكون تمهيدًا من جانب موسكو لتفعيل هذه الجبهة ضمن مجهودها العسكري في الحرب الأوكرانية، خاصة مع بدء التحرك العسكري الروسي نحو ميناء أوديسا على البحر الأسود، وهو الميناء القريب للغاية من هذا الإقليم.

وتدلل كييف على هذا الرأي بقيام السلطات في ترانسنيستريا بالبدء في تعبئة كافة الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشر والخامسة والخمسين، بحجة “تجديد قوة حفظ السلام”، وهو ما تراه كييف تحشيدًا لتفعيل هذا المحور القتالي لاحقًا، وهذا يتناقض مع بعض المؤشرات الميدانية، من بينها حقيقة أن عمليات التعبئة قد بدأت فعليًا في الحادي والعشرين من الشهر الماضي، أي قبل وقوع هذه الهجمات.

تستند كييف في مخاوفها هذه أيضًا إلى بعض التصريحات التي صدرت عن أطراف روسية او موالية لموسكو، من بينهم الرئيس البيلاروسي، الذي أظهر في بداية المرحلة الأولى من العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا خريطة ظهر فيها بوضوح أن الخطة الروسية تتضمن انفتاحًا قتاليًا نحو أوديسا من ترانسنيستريا. وهو المعنى الذي صرح به مؤخرًا اللواء “رستم مينيكايف” أحد قيادات منطقة موسكو العسكرية، إذ قال بشكل واضح إن بلاده تستهدف فتح ممر بري بين دونباس وشبه جزيرة القرم وترانسنيستريا. رغم وضوح هذه التصريحات، إلا أنها يمكن وضعها أيضًا في خانة الحرب الدعائية.

وعلى الرغم من وجاهة فرضية استعانة موسكو بقواتها والقوات الرديفة لها الموجودة في هذا الإقليم لفتح جبهة جديدة نحو ميناء أوديسا، إلا أن الوضع الاقتصادي والمعيشي السالف ذكره للإقليم يجعل دخوله في المعادلة الحالية في أوكرانيا مخاطرة لها تبعات مدمرة على وضعه الداخلي، وهو ما يمكن قراءته من خلال المواقف المحايدة التي اتخذها هذا الإقليم من بداية المعارك في أوكرانيا، فقد تجنبت وسائل الإعلام المحلية فيه تغطية الأحداث في أوكرانيا، وكانت هذه التغطية -في حالة حدوثها- تركز على مساوئ الحرب وضرورة إيقافها.

وقد ركزت السلطات المحلية جهودها على مساعدة أكثر من ستة آلاف لاجئ أوكراني وصلوا إلى الإقليم، وهو ما ترافق مع تصريحات لوزير خارجية الإقليم، فيتالي إغناتيف، تحدث فيها عن العلاقات العميقة مع أوكرانيا، التي يحمل جنسيتها نحو مائة ألف من سكان هذا الإقليم.

المستقبل المنظور لهذا الإقليم لا يتعلق فقط بمشاركته في الحرب الأوكرانية من عدمها، بل تتسع سيناريوهات هذا المستقبل لتشمل استخدام موسكو ورقة هذا الإقليم للضغط على مولدوفا التي جددت مساعيها في مارس الماضي لدخول الاتحاد الأوروبي. محاولة الضغط الروسي على مولدوفا تتعلق بشكل أساسي بحقيقة أنه منذ تسعينيات القرن الماضي حكم مولدوفا سلسلة من القادة الموالين لروسيا.

ولكن هذا الوضع تغير عام 2020، حين تم انتخاب “مايا ساندو” كرئيسة جديدة للبلاد، وهي معروفة بميلها الشديد للاتحاد الأوروبي، ومناهضتها لروسيا، وسبق وطالبت باستبدال مجموعة من المراقبين من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) بالقوات الروسية العاملة في قوات حفظ السلام في ترانسنيستريا، ولوحت مؤخرًا بطلب المساعدة من رومانيا وأوكرانيا في حالة ما إذا واجهت هجومًا من جانب قوات الإقليم التي تتفوق فعليًا على الجيش المولدوفي الذي لا يتجاوز تعداد قوته العاملة ستة آلاف جندي، وهو التلويح الذي تلقته موسكو بتوجس لأنه يعيد إلى الأذهان المطامع الرومانية في هذه المنطقة.

إذًا، قد تستغل موسكو هذه الورقة، وورقة الغاز الذي تعتمد مولدوفا على تأمينه بنسبة مائة بالمائة على موسكو، للضغط عليها ومنعها من التحرك قدمًا نحو الاتحاد الأوروبي، خاصة أن مولدوفا التزمت الحياد -الذي ينص عليه دستورها- خلال الأزمة الحالية في أوكرانيا، ولم تعطِ ذريعة كافية لموسكو كي ترفع من وتيرة التوتر معها.

خلاصة القول، إن ملف إقليم “ترانسنيستريا” أصبح قاب قوسين أو أدنى من العودة إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعد فترة طويلة من السبات الذي تلا معارك عام 1992. المفارقة أن هذا الملف يمكن اعتباره ورقة رابحة مع كافة الأطراف، سواء كانت أوكرانيا أو روسيا أو مولدوفا أو حتى رومانيا. الكفة الروسية في هذه المعادلة تبدو هي الأثقل، بالنظر إلى تأثيرها الاقتصادي وحضورها العسكري في هذا الإقليم، لكن يبدو هذا كله مقترنًا بنتائج المحور الغربي من الجبهة الجنوبية الأوكرانية التي قد يكون التقدم او التراجع الروسي فيها محركًا أساسيًا لورقة هذا الإقليم نحو اليد التي تفرضها الظروف الميدانية من الأيدي التي سبق ذكرها.

مصادر

1- https://bityl.co/C6tW

2- https://bityl.co/C6tX

3- https://bityl.co/C6tY

4- https://bityl.co/C6tZ

5- https://bityl.co/C6ta

6- https://bityl.co/C6tb

7- https://bityl.co/C6tc

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى