الأزمة الأوكرانيةأوروبا

درع البلطيق… ماذا يمكن أن تقدم فنلندا والسويد لحلف الناتو؟ (2)

الضلع الثاني في معادلة “درع البلطيق” العسكرية التي يراد تأسيسها في بحر البلطيق هي السويد، والتي كانت -مثلها مثل فنلندا- تتحاشى الدخول في أية تحركات مضادة أو مناهضة لموسكو، سواء في فترة الحرب الباردة، أو مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق. حياد السويد الذي استمر نحو قرنين من الزمان سبقته قرون عديدة من الصراعات العسكرية التي دارت رحاها مع روسيا، بشكل عكس حالة “التوتر المكتوم” التي شابت العلاقة بين الجانبين منذ قرون خلت وحتى الآن، وهو وتر تحاول أوروبا حاليًا اللعب عليه؛ من أجل الضغط على روسيا التي ترى في أي وجود عسكري لحلف الناتو على تخومها تجاوزًا لخط أحمر تاريخي كان دومًا من أسس المعادلة الإقليمية الروسية منذ حقبة الاتحاد السوفيتي وحتى الآن. 

تاريخيًا، ارتبطت السويد وروسيا بروابط وثيقة منذ حقبة الفايكنج الذين تحركت قوافلهم التجارية على طول الأنهار الروسية، وأسهموا في تأسيس عدد من المستوطنات على الأراضي الروسية والأوكرانية، إلا أن هذه العلاقة ترافقت مع غارات متتالية نفذها الفايكنج بشكل مستمر على الأجزاء الغربية من روسيا، خاصة خلال القرنين العاشر والحادي عشر. خلال الفترات اللاحقة، دارت رحى أكثر من إحدى عشر حربًا بين السويد وروسيا، تحت عنوان أساسي هو “السيطرة على بحر البلطيق”.

حروب ونزاعات متتالية بين الجانبين على مدى عقود

بداية هذه الحروب كانت في القرن الثاني عشر بين السويد ومملكة “جمهورية نوفغورود”، التي كانت تقع في المناطق الشمالية الغربية لروسيا، واستمرت الحروب بين السويد وروسيا خلال العقود التالية، حتى اندلعت “الحرب الفنلندية” عام 1808، والتي قاتلت مملكة السويد فيها -بدعم من بريطانيا- ضد الإمبراطورية الروسية والفرنسية، ضمن مرحلة من أهم مراحل ما يعرف تاريخيًا باسم “الحروب النابليونية”.

النتائج التي ترتبت على هذه الحرب شكلت نقطة محورية من نقاط العلاقة بين ستوكهولم وموسكو، حيث أسفرت هزيمة السويد العسكرية في هذه الحرب -التي استمرت لمدة عام واحد- عن إبرامها معاهدة “فريدريكسهامن” مع الإمبراطورية الروسية، والتي تضمنت تنازل السويد نهائيًا عن الأراضي الفنلندية التي كانت حتى وقت توقيع هذه المعاهدة -1809- تحت سيادة مملكة السويد. هذا التنازل أدى إلى تغيير جيوسياسي أساسي في هذا النطاق الجغرافي، بتأسيس “دوقية فنلندا الكبرى”، وهي الأساس الذي تم عليه لاحقًا، وتحديدًا عام 1917، إعلان استقلال فنلندا.

شابت العلاقات بين روسيا والسويد من بعد تلك الفترة الطويلة من الحروب بينهما، حالة من الهدوء الحذر، كرستها حالة “الحياد” التي دخلت فيها السويد منذ نهاية الحروب النابليونية عام 1815، وهذ الحالة التي استمرت -بشكل أو بآخر- خلال الحرب العالمية الأولى والثانية. وعلى الرغم من محاولات ستوكهولم الجادة الالتزام بهذا الحياد خلال كلا الحربين، إلا أن الظروف الإقليمية في ذلك التوقيت كانت تحتم عليها -أحيانًا- الميل إلى هذا الطرف أو ذاك، خاصة وأن الداخل السويدي خلال الحرب العالمية الأولى كان يضج بالآراء التي تميل إلى ألمانيا، خاصة في أوساط الطبقات الراقية في المجتمع السويدي. 

محافظة السويد على علاقاتها الكاملة مع كافة أطراف هذه الحرب، خاصة ألمانيا، دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تخفيض الصادرات القادمة إلى السويد من أراضيها، خاصة السلع الغذائية والاستهلاكية، ما أفضى إلى أزمة غذاء طاحنة في السويد، دفعت ثمنها الحكومة السويدية التي كانت تميل إلى التيار المحافظ.

اضطرت السويد في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 إلى غزو جزر “أولاند” الواقعة بينها وبين فنلندا، بعد أن أعلنت الأخيرة استقلالها عن روسيا التي دخلت بدورها في خضم حرب أهلية. استغلت السويد هذا الوضع لتحقيق طموحها السابق في السيطرة على هذه الجزر، لكنها اضطرت في النهاية إلى الانسحاب منها. ولم تكن ضمن الدول التي وقعت على معاهدة “فرساي” التي أنهت الحرب العالمية الأولى، لكنها كانت ملزمة -بحكم عضويتها في عصبة الأمم- بأن تنفذ كافة بنود هذه المعاهدة، بما في ذلك القيود على تسليح الجيش الألماني، لكنها فعليًا لم تقم بذلك، بل ساعدت ألمانيا على تجاوز هذه القيود.

بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية أواخر عام 1939، كان الموقف السويدي المعلن هو الحياد التام والرسمي، لكن شاب هذا الموقف أيضًا بعض الاستثناءات نتيجة للظروف العسكرية والسياسية في ذلك التوقيت، من بينها السماح لبعض الوحدات العسكرية الألمانية الموجودة في النرويج بعبور الأراضي السويدية إلى فنلندا والعكس، وحافظت ستوكهولم خلال تلك الحرب على العلاقات التجارية مع كافة الأطراف المتحاربة، ووفرت تسهيلات عسكرية واستخباراتية للحلفاء في المرحلة الأخيرة للحرب. 

رغم المواقف المحايدة للسويد، إلا أن مقتل الدبلوماسي السويدي “راؤول والنبرغ” عام 1944 بعد اعتقال الجيش السوفيتي له في المجر شكل محطة توتر أساسية بين البلدين؛ نظرًا لموقعه الدبلوماسي ودوره في إنقاذ أعداد كبيرة من اليهود عبر منحهم جوازات سفر سويدية مؤقتة غادروا بها الأراضي المجرية، قبل أن يتم ترحيلهم إلى المعسكرات النازية.

العلاقات الروسية-السويدية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية

خلال حقبة الاتحاد السوفيتي السابق، عانت السويد بشكل شبه دائم من عمليات الاستطلاع والتسلل التي كانت تنفذها الوحدات البحرية والجوية التابعة لأسطول بحر البلطيق الروسي. وفي هذا الصدد، تبرز حادثة شهيرة جرت عام 1981 جنحت خلالها إحدى الغواصات السوفيتية من الفئة “ويسكي” قرب قاعدة “كارلسكرونا” البحرية السويدية.

وقد أدت هذه الحادثة إلى توتر كبير بين البحرية السوفيتية والبحرية السويدية، لدرجة أن الأخيرة أصدرت أوامر بإطلاق النار على أي قطعة بحرية سوفيتية تحاول الوصول إلى موقع الغواصة الجانحة، وفي نهاية الأمر قامت البحرية السويدية بتحرير الغواصة ومرافقتها خارج المياه الإقليمية السويدية، بعد أن حققت مع قبطانها لعدة أيام. تحركات الغواصات السوفيتية والألمانية الشرقية في محيط الساحل السويدي ظلت مشهدًا شبه متكرر خلال ثمانينات القرن الماضي، وصولًا إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.

في فترة ما بعد انهيار الاتحاد، كانت العلاقات بين الجانبين فاترة إلى حد ما، لكنها توترت بشكل أكبر عقب حرب عام 2008 في جورجيا، حيث اتسم موقف السويد من اعتراف موسكو بانفصال جمهوريتي “أوسيتيا الجنوبية” و”أبخازيا” بالحدة، وأدانت الخارجية السويدية حينها هذا الاعتراف، وتضمنت تصريحات وزير الخارجية السويدية آنذاك، كارل بيليت، تلميحات بوجود تشابه بين هذه الخطوة وتصرفات الرايخ الثالث. 

موقف السويد هذا، ردت عليه موسكو في العام التالي برفضها عقد لقاء القمة الذي كان سيجمع بين روسيا والاتحاد الأوروبي في العاصمة السويدية، وأعرب بشكل واضح الرئيس الروسي في ذلك التوقيت، ديمتري ميدفيديف، عن رغبته في عقد هذه القمة في مكان أكثر حيادًا مثل العاصمة البلجيكية.

استمر هذا التوتر بعد ذلك، سواء بسبب ملف مشروع خطوط أنابيب الغاز “السيل الشمال” الذي تشككت السويد لفترة في بعض جوانبه وتأثيراته على الأمن القومي السويدي قبل أن توافق عليه في النهاية أواخر عام 2009، أو بسبب ملف تسمم العميل الاستخباراتي المزدوج سيرجي سكريبال الذي تعرض هو وابنته لهجوم بعامل كيميائي غازي في المملكة المتحدة عام 2018، وحينها قالت روسيا إن دولًا عدة من بينها السويد تقوم بإنتاج عامل “نوفيتشوك”، وهو غاز الأعصاب الذي تم استخدامه في هذا الهجوم. هذا التصريح أثار غضب السويد، وتبادلت مع موسكو طرد الدبلوماسيين على إثر هذا.

التحركات العسكرية الروسية في أجواء ومياه البلطيق شكلت أيضًا مبعثًا أساسيًا من مباعث التوتر بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة؛ فقد داومت الطائرات الحربية الروسية على التحرك بشكل دائم على أطراف المجال الجوي السويدي منذ عام 2013، وهو العام الذي شهد في شهر مارس مناورات جوية روسية، تم فيها محاكاة تنفيذ هجوم جوي شامل على العاصمة السويدية. 

في العام التالي، وتحديدًا في شهر أكتوبر، رصدت البحرية السويدية وجود غواصات روسية في مياهها الإقليمية، ونفذت عدة عمليات بحث استخدمت فيها قذائف الأعماق، وهو ما تكرر لاحقًا عدة مرات، أهمها كان في أكتوبر 2015. يضاف إلى ذلك المناورات البحرية السنوية التي يجريها أسطول بحر البلطيق الروسي قبالة قاعدته الرئيسة في كالينجراد القريبة جدًا من السويد، وهي مناورات دومًا يصاحبها إبحار متعمد لقطع بحرية روسية قبالة المياه الإقليمية السويدية.

إذًا بالنظر لما سبق، لا يمكن إبداء أي تعجب من ردة الفعل الروسية -الحادة- حيال إعلان السويد رغبتها في الانضمام لحلف الناتو، خاصة في ظل فرض السويد عقوبات على روسيا عقب بدء عملياتها في أوكرانيا، وقيامها بخطوة هي الأولى منذ سماحها بعبور الأسلحة إلى فنلندا عام 1939 ألا وهي تسليم أوكرانيا نحو خمسة آلاف قاذف مضادة للدبابات من نوع “AT-4″، ومعدات عسكرية أخرى.

هنا لابد من النظر بشكل أكثر دقة إلى الوضع العسكري العام للقوات المسلحة السويدية، وحجم الإضافة التي من الممكن أن تضيفها لحلف الناتو، في حالة انضمام ستوكهولم إليه.

جزيرة جوتلاند… نقطة الارتكاز السويدي في بحر البلطيق

يمكن أن نعد جزيرة “جوتلاند” أكبر الجزر السويدية على الإطلاق، وهي بمثابة مرتكز جغرافي أساسي سيوفر لحلف الناتو -في حالة انضمام السويد إليه- نقطة مراقبة ورصد مستدامة في نطاق بحر البلطيق وخليج فنلندا، يمكن استخدامها في توفير الدعم العسكري لدول الحلف في هذا النطاق مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، بجانب مراقبة أنشطة أسطول بحر البلطيق الروسي وتحركاته انطلاقًا من قاعدته الأساسية في “كالينجراد” التي تبعد جوتلاند عنها مسافة 300 كيلو متر فقط. 

تاريخيًا لم تحاول القوات الروسية السيطرة على هذه الجزيرة سوى مرة واحدة تمت أوائل القرن التاسع عشر، أسفرت عن سيطرتهم عليها لمدة أسبوعين، وظلت السيادة السويدية على هذه الجزيرة مستمرة طيلة العقود الماضية، خاصة خلال الحرب الباردة، حيث احتفظت ستوكهولم على هذه الجزيرة بنحو 25 ألف جندي، معززين بعشرات الدبابات ووحدات المدفعية الساحلية والوسائط المضادة للطائرات.

عقب انتهاء الحرب الباردة، بدأ اهتمام ستوكهولم بتأمين دفاعاتها على الجزيرة في التقلص تدريجيًا بفعل عدة عوامل؛ منها ما هو اقتصادي يتعلق بتوجهات الحكومة السويدية الرامية -مثلها مثل معظم الدول الأوروبية في تلك المرحلة- إلى تقليل النفقات الدفاعية قدر الإمكان، ومنها ما يتعلق بتقديرات استراتيجية خاطئة كانت تفترض عدم وجود تهديد عسكري جدي من جانب روسيا في مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. لذا قلصت السويد عديد قواتها الموجودة على هذه الجزيرة تدريجيًا، إلى أن قامت بحل الفوج المسؤول عن حماية هذه الجزيرة عام 2005.

ظلت الجزيرة -عمليًا- دون قوات عسكرية تحميها، إلى أن ضمت موسكو شبه جزيرة القرم عام 2014، فبدأت ستوكهولم في بحث إمكانية إعادة تشكيل فوج الدفاع عن الجزيرة، وهو ما تم بشكل عملي عام 2015، وبشكل رسمي أواخر عام 2017. وقد تلقى الفوج المعاد تشكيله على متن الجزيرة عدة موجات من التعزيزات خلال تلك الفترة، منها دبابات تم إرسالها عام 2016، وعربات مدرعة في أغسطس عام 2020، بجانب تمركز وحدات للدفاع الجوي متوسط المدى من نوع “BAMSE-SRSAM” وصلت إلى الجزيرة في يوليو 2019. آخر التعزيزات التي تلقاها هذا الفوج كانت في منتصف يناير الماضي، وترافقت مع تعيين قائد جديد له، وتستهدف ستوكهولم إيصال عديد القوات المتواجدة على الجزيرة إلى أربعة آلاف جندي، بدلًا من نحو 600 جندي حاليًا.

يبدو من الواضح أن ستوكهولم ترتكز -من المنظور الاستراتيجي- على هذه الجزيرة، في استراتيجيتها الدفاعية الحالية، سواء ما يتعلق بالجانب المعلوماتي والاستخباراتي الذي توفره هذه الجزيرة وموقعها الجغرافي، أو الجانب اللوجيستي المتعلق باستخدامها كمنطلق لنشر وحدات بحرية وجوية بشكل سريع. 

هذا ما أشار إليه مؤخرًا، الجنرال مايكل كلايسون الذي يتولى قيادة العمليات المشتركة للجيش السويدي، حيث أشار بوضوح إلى أن السيطرة على هذه الجزيرة تمنح السويد سيطرة “فعالة” على قسم كبير من مياه وأجواء بحر البلطيق، علمًا بأن الجيش الأمريكي سبق وأجرى مع القوات السويدية عام 2017 مناورة كبيرة في محيط هذه الجزيرة، تم فيها محاكاة التصدي لهجوم روسي عليها.

لذا كان من الطبيعي إطلاق السويد في مارس الماضي سلسلة من التدريبات العسكرية في جزيرة جوتلاند، وكان لافتًا قيام القوات الجوية الروسية بإرسال أربع طائرات حربية نحو الجزيرة خلال هذه التدريبات، اكتشفت السلطات السويدية لاحقًا أن هذا التشكيل -الذي تكون من مقاتلتين من نوع “سوخوي-27” وقاذفتين من نوع “سوخوي-24”- كان يتضمن ذخائر نووية حملتها القاذفتان الأخيرتان. علمًا بأن الطائرات الحربية الروسية قد دأبت خلال السنوات الأخيرة على الإقلاع من إقليم “كالينجراد” بشكل دوري لاختبار مدى جاهزية واستجابة الوحدات الجوية التابعة لحلف الناتو والسويد وفنلندا.

رفع الميزانية الدفاعية للسويد وتعديل الاستراتيجية العسكرية

شكل ملف ميزانية الدفاع هاجسًا دائمًا للحكومات السويدية المتعاقبة، خاصة في مرحلة ما بعد سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014، فالسويد -مثلها في ذلك مثل معظم الدول الأوروبية- قامت بتخفيض المخصصات الدفاعية لتصبح نسبتها 1% فقط من الموازنة العامة عام 2010، مقارنة بنحو 2.5% عام 1990. 

بدأت الحكومة السويدية عام 2016 في بحث توسيع نسبة المخصصات المالية الدفاعية، وإيصالها إلى نحو 50 مليار كرون عام 2020، وتمكنت العام التالي من الاتفاق مع قادة الأحزاب المعارضة البارزة على إضافة مليار دولار إلى ميزانية الدفاع السنوية حتى عام 2020، بحيث تصبح الميزانية الدفاعية عام 2017 نحو 5.1 مليار دولار.

هذا الاتفاق دعمته الأحزاب المعارضة الرئيسة ذات التوجه الوسطي بجانب الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم وحزب الخضر. لكن أوصت لجنة الدفاع السويدية في مايو 2019 بزيادة المخصصات المالية الدفاعية بما يعادل 9 مليار كرونا، بعد أن اتضح لها أن الجيش السويدي ينقصه تمويل كافٍ لأداء مهامه وتنفيذ خطط التحديث التسليحي. هذه الزيادة تمت بالفعل بعد بدء العمليات العسكرية في أوكرانيا؛ فميزانية الدفاع السويدية لعام 2021 -البالغة نحو 66 مليار كرون “6.5 مليار دولار”، تمت الموافقة على زيادتها إلى 91 مليار كرون سنويًا بحلول عام 2025.

زيادة الميزانية الدفاعية تعد عنصرًا داعمًا لتوجه بدأته السويد عام 2015 بإقرار البرلمان قانونًا لتعزيز القدرات الدفاعية للجيش السويدي، ثم لاحقًا قام في ديسمبر 2020 بإقرار قانون “الدفاع الشامل” الذي يتعلق بطرق تعزيز القدرات الإلكترونية للجيش بحلول عام 2025. 

العقيدة العسكرية الأساسية التي تنهجها السويد -مثلها في ذلك مثل فنلندا- هي عقيدة “الدفاع الشامل” التي تعتمد على كافة أفراد المجتمع في تنفيذ الخطط الدفاعية، وذلك يشمل الدفاع المدني والأمن السيبراني وزيادة المخصصات اللازمة لشراء الأسلحة والمنظومات القتالية. هذه العقيدة تستهدف بشكل مباشر مواجهة الأساليب العسكرية المماثلة لما استخدمته روسيا في أوكرانيا، والتي تعتمد على الحرب النفسية والهجمات الإلكترونية والعمليات الخاصة والتخريبية.

على مستوى القوة البشرية، خفضت السويد بشكل كبير من أعداد الجنود العاملين في وحداتها العسكرية منذ عام 1999، ليصل حاليًا إلى نحو 16 ألف جندي عامل و22 ألف جندي احتياط، بعد أن كان إجمالي عدد أفراد الجيش السويدي في ثمانينيات القرن الماضي نحو 800 ألف جندي. 

هذا التخفيض تضمن إلغاء نظام التجنيد الإجباري عام 2010، والتحول بشكل كامل إلى نظام التطوع، وهي خطوة أثبتت فشلها؛ إذ تشير التقديرات إلى أن ستة من كل عشرة جنود بدأوا التدريب الأساسي انسحبوا قبل انتهاء مدة عقودهم، وهو ما دفع الجيش السويدي عام 2017 إلى إعادة التجنيد الإجباري بشكل محدود. الزيادة الجديدة في المخصصات الدفاعية ستسمح برفع عديد القوات السويدية العاملة والاحتياطية إلى نحو 90 ألف جندي، وكذا زيادة أعداد المجندين الجدد لتصبح نحو 8 آلاف جندي سنويًا بحلول عام 2025، عوضًا عن 4 آلاف جندي حاليًا.

زيادة عديد القوات السويدية ستتيح تشكيل لواء مشاة ميكانيكية، ولواء مدرع جديد، يضافان إلى اللواءين الأساسيين الموجودين في الخدمة حاليًا، بما في ذلك لواء ميكانيكي جديد بمدفعية محدثة. ويخطط الجيش السويدي لتأسيس كتيبة بحرية برمائية إضافية في جوتنبرج غربي البلاد، وتوفير المزيد من التمويل للتجنيد والتدريب المتخصص للقوات العاملة.

إحياء قاعدة “موسكو” البحرية

على المستوى التسليحي، ربما يمكن أن نعد امتلاك البحرية السويدية قاعدة بحرية تحت الأرض، تسمى “قاعدة موسكو”، إحدى المفارقات اللافتة والجدير بالاهتمام -بالنظر إلى اسمها- فهذه القاعدة تقع في جزيرة موسكو، التابعة لبلدية “هانينجه”، على بعد 40 كيلومتر جنوبي العاصمة السويدية. وقد بدأ بناء هذه القاعدة في ذروة الحرب الباردة عام 1950، واكتمل تأسيسها عام 1969، وهي عبارة عن ثلاثة أرصفة مصممة لاستيعاب المدمرات والغواصات، تم بناؤها بالكامل تحت جبال الجرانيت الموجودة في هذه الجزيرة، وظل وجودها طي السرية الشديدة طيلة فترة الحرب الباردة.

عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وفي إطار جهود الحكومة السويدية لتخفيض النفقات العسكرية، تقرر عام 2004 إغلاق هذه القاعدة، والاكتفاء بوجود قاعدتين بحريتين فقط لتمركز البحرية السويدية، هما قاعدة “كارلسكرونا” وقاعدة “بيرغا”، وتم منح حق استغلال الأرصفة البحرية الخاصة بقاعدة “موسكو” للمجموعة الصناعية العسكرية الألمانية “تيسين كروب”. 

تم تعديل هذا الوضع بشكل مفاجئ في سبتمبر 2019، حين أعلنت هيئة الأركان البحرية السويدية عن عودتها إلى التمركز في هذه القاعدة، لتصبح القاعدة الأساسية للبحرية السويدية، وهو ما تم تفعيله بشكل كامل أوائل عام 2020، كجزء من خطة تحديث المنشآت العسكرية السويدية، وفي إطار خطة لإعادة تمركز الوحدات القيادية الرئيسة للجيش السويدي في مناطق محصنة ومنتشرة جغرافيًا خارج العاصمة.

هذا التوجه من جانب البحرية السويدية القى الضوء بشكل أكبر على الدور الذي يمكن أن تلعبه في منظومة الناتو البحرية، وهو الدور الذي يمكن اعتباره أحد عوامل القوة التي يمكن أن تقدمها السويد للحلف؛ فعلى عكس فنلندا، تمتلك البحرية السويدية أربع غواصات تعمل بالديزل والكهرباء، بواقع غواصة واحدة من الفئة “سودرمانلاند” وثلاث غواصات من الفئة “جوتلاند”، وستنضم إلى هذه الغواصات غواصتان جديدتان من الفئة “بليكينج”، تبلغ إزاحة الغواصة الواحدة منهما 1900 طن، أي أكبر من النوعين العاملين في الخدمة حاليًا، علمًا بأن ثلاث غواصات من الفئة الأقدم “جوتلاند” تلقت على مدار الأعوام الأخيرة تحديثات لتمديد مدة خدمتها.

يضاف إلى هذه الغواصات، سبعة طرادات صاروخية من الفئتين “فيسبي” و”جوتيبورج”، تتسلح بصواريخ “RBS-15” المضادة للسفن، وهذه الطرادات جيدة التسليح دخلت في مرحلة التحديث الشامل بعد توقيع شركة “ساب” السويدية عقدًا في يناير 2021 تبلغ قيمته 190 مليون كرون سويدية لترقية طرادات الفئة “فيسبي” بما يسمح لها بالبقاء في الخدمة حتى عام 2040. يتضمن هذا العقد تسلح الطرادات بأنظمة دفاع جوي وطوربيد جديدة، وبالنسخة الأحدث من صواريخ “RBS-15” التي تنتجها شركة “ساب” أيضًا، ما يوفر لها القدرة على استهداف قطعًا بحرية على مسافات تتجاوز 200 كيلو متر.

تمتلك البحرية السويدية أيضًا تسع كاسحات للألغام، وأربعة عشر زورق دورية ساحلية، ونحو 165 زورق هجومي سريع، وعدد مماثل من سفن الإنزال، وتخطط البحرية السويدية بداية من عام 2026، لإيجاد بدائل حديثة لزوارق الدورية الساحلية، مع إدخال كاسحات الألغام ضمن برنامج تحديثي لإطالة عمرها العملياتي، وكذلك تحديث قدرات الدفاع الجوي المتوفرة لسفن السطح. تبدو القوة البحرية السويدية فعالة من حيث المبدأ في نطاق مماثل لنطاق بحر البلطيق، وباستكمال حصول طراداتها على صواريخ بحرية أبعد مدى ستمثل إضافة مهمة للقوة البحرية لحلف الناتو.

على مستوى سلاح الجو، تمتلك القوات الجوية السويدية البالغ قوامها 2700 فرد، مائة طائرة مقاتلة متطورة من الجيل الرابع من نوع “جريبين سي/دي”، وثماني طائرات بدون طيار من نوع “أر كيو-7″، وثماني وأربعين طائرة هليكوبتر خفيفة ومتوسطة الحجم غير هجومية، وثماني طائرات نقل، وطائرتي إنذار مبكر.

المخصصات المالية الجديدة ستتيح تحديث هذا الأسطول الحديث في مجمله، حيث يخطط سلاح الجو السويدي للاستمرار في تشغيل نحو 40 مقاتلة من النسخة “سي/دي” من مقاتلات “جريبين” بعد تحديثها حتى عام 2027، مع إدخال 60 مقاتلة جديدة من النسخة “إي” تم التعاقد عليها بالفعل مع شركة “ساب” السويدية إلى الخدمة. يتوقع أن تتعاقد السويد قريبًا على أنواع جديدة من الطائرات بدون طيار، وكذلك على طائرات إنذار مبكر جديدة لتحل محل طائرتي “ساب-340” العاملتين حاليًا في سلاح الجو السويدي، علمًا بأن سلاح الجو السويدي طلب في أكتوبر الماضي شراء طائرتي إنذار مبكر جديدتين من نوع “ساب جلوب أي”.

بريًا، يمتلك الجيش السويدي 121 دبابة من نوع “Stridsvagn 122” وهي نسخة مطورة محليًا من الدبابات الألمانية “ليوبارد 2 أيه 5″، هذا بجانب نحو أربعمائة مركبة قتال مدرعة، وأكثر من ألف ناقلة جند مدرعة، بجانب 90 مدفعًا ذاتي الحركة، وثلاثمائة مدفع هاون من عياري 81 و120 ملم. 

يخطط الجيش السويدي لاستبدال نسخ أحدث بالدبابات وعربات القتال المدرعة الموجودة في الخدمة، مع زيادة أعداد المدفعية ذاتية الحركة، علمًا بأن الدفاع الجوي السويدي تلقى دفعة كبيرة للأمام بعد أن تسلم في نوفمبر 2021 أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي الأمريكية “باتريوت” لتحل محل منظومات “هوك” المتقادمة، وهو ما أتاح للسويد قدرات ممتازة للتصدي للصواريخ الباليستية.

توسع واضح من جانب ستوكهولم في الشراكات العسكرية

تعد المساهمة الفعالة من جانب السويد في الشراكات والمبادرات الدفاعية لحلف الناتو من أهم الميزات التي ترجح كفة انضمام السويد للحلف، فمؤخرًا وقعت وفنلندا اتفاقية أمنية مع المملكة المتحدة، جوهرها مذكرة تتألف من 42 بندًا تنص على مساعدة كل طرف للآخر في حالة حدوث أي طارئ عسكري، وتتيح للمملكة المتحدة المشاركة في المناورات العسكرية الخاصة بالجيش السويدي، واستغلال مرافق التدريب الشتوية الخاصة به.

من الأمثلة المهمة في هذا الإطار، توجه السويد بشكل كبير نحو تعزيز العلاقات العسكرية مع جارتها فنلندا، لتتحول هذه العلاقات إلى شراكة عسكرية دائمة منذ عام 2015، تم تتويجها منتصف عام 2018 عبر مذكرة تفاهم مشتركة تحدد الإطار العام لهذه الشراكة. تلا هذه المذكرة توقيع السويد مع الدنمارك والنرويج في سبتمبر 2021، اتفاقية للتعاون الدفاعي في بحر البلطيق، ضمن إطار ما يعرف بـ “التعاون الدفاعي لدول الشمال” المنضوي تحته كل من الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد.

العلاقات العسكرية بين السويد والولايات المتحدة شهدت أيضًا تطورًا مطردًا خلال السنوات الأخيرة؛ ففي شهر مايو 2003، تم توقيع إعلان للمبادئ بين الولايات المتحدة والسويد، نظم الشراكة بين الجانبين في مجال القطاعات الصناعية العسكرية الدفاعية، ووسع من هامش التعاون بين شركات الصناعات الدفاعية في كلا البلدين، خاصة بعد إعفاء الشركات السويدية من الالتزامات التي ينص عليها “قانون الشراء” الأمريكي.

هذا يضاف إلى مشاركة القوات السويدية النشطة في مهمات حلف الناتو القتالية في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان وليبيا، وتدريبات الحلف والتدريبات العسكرية الأمريكية، مثل تدريب “بولار روار” الجوي مع قاذفات “بي-52” الأمريكية عام 2016، وتدريب “أورورا” الضخم عام 2017، الذي شارك فيه أكثر من 20 ألف جندي أمريكي وسويدي، بجانب العمل المشترك بين الجيش السويدي وجيوش الدنمارك والنرويج لضمان الأمن في القطب الشمالي.

خلاصة القول، إن الجانب الجغرافي في كل من السويد وفنلندا يعد مصدر الإضافة الإيجابية الأساسي الذي يمكن لكليهما أن تضيفاه إلى حلف الناتو، يضاف إلى ذلك أنه في حالة انضمام كل من فنلندا والسويد إلى الحلف سيصل العدد الإجمالي للجنود في الحلف إلى ما يقرب من 3.57 مليون، وهو رقم أقل مما كان يمكن أن تضيفه أوكرانيا إلى الحلف في مستويات ما قبل الحرب. ومع ذلك، إذا تم تضمين قوات الاحتياط في السويد وفنلندا فسيصل العدد الإجمالي إلى ما يقرب من 4.5 مليون جندي، لكن تبقى الإضافة التسليحية التي سيقدمها كلا البلدين للحلف أقل بكثير مما يمكن اعتباره “أضافة حقيقية”، على الأقل في الوضع الحالي، لكن مستقبلًا ستتلقى كلا الدولتين إضافات تسليحية مهمة ونوعية.

حاليًا ما يقرب من 80% من الفنلنديين يؤيدون الانضمام إلى الناتو، مقارنة بـ 20% فقط قبل بدء العمليات في أوكرانيا. في حين يفضل نحو 52% من السويديين الانضمام إلى حلف الناتو، مقارنة بنحو 27% قبل بدء معارك أوكرانيا. وإذا ما وضعنا في الحسبان تصاعد خشية كلا البلدين من المصير الأوكراني، ورغبتهما في الانضمام بشكل عاجل إلى الحلف، حتى لو تطلب ذلك التراجع عن مواقف سابقة لهما تجاه دول مثل تركيا، التي رفعت السويد مؤخرًا عنها حظر تصدير السلاح الذي فرضته عليها عام 2017 بسبب عملياتها العسكرية في سوريا -علمًا بأن انقرة تستعد لشن عملية جديدة هناك- سنصل إلى خلاصة مفادها أن ورقة انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف ستبقى في المدى المنظور مجرد ورقة للتلويح بها من جانب الغرب ضد موسكو؛ كسبًا لوقت تحتاجه السويد وفنلندا كي توفيا بشكل كامل متطلبات الانضمام إلى الحلف.

مصادر:

1- https://2u.pw/QBeTd

2- https://2u.pw/emNQ2

3- https://2u.pw/O4Z7m

4- https://2u.pw/nw6qd

5- https://2u.pw/ppdbG

6- https://2u.pw/OWplx

7- https://2u.pw/uijbG

8- https://2u.pw/0c9lY

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى