ليبيا

باريس مرة أخرى …البحث للمرة الثالثة عن حلول للأزمة الليبية

يحاول المجتمع الدولي مجدداً، غدا الجمعة في العاصمة الفرنسية باريس، إيجاد صيغة سياسية شاملة ونهائية لحلحلة الأوضاع الداخلية في ليبيا، بعد أن باتت البلاد قرب المنعطف الأخير قبيل الوصول إلى محطة الانتخابات التشريعية والرئاسية، التي كلما اقترب موعدها – المقرر نهاية العام الجاري – كلما تعاظمت التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تكتنفها، نتيجة التجاذبات الداخلية بين فريق يريد إقامة هذه الانتخابات والانطلاق نحو حقبة ليبية جديدة، وبين فريق يرى أن هذه الأنتخابات قد تكون بداية النهاية لوجوده الذي اعتمد لسنوات على ترسيخ حكم الميليشيات.

أجتماع الغد الذي أعلن عنه في وقت سابق وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، خلال مؤتمر صحفي على هامش الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، سيعقد على هامش (منتدى باريس للسلام)، برعاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبرئاسة مشتركة بين باريس وروما وبرلين، وقد تم توجيه الدعوة لقادة طائفة واسعة من الدول لحضوره، وهي مصر والصين وتشاد وقبرص والجزائر والكونغو واليونان والأردن والكويت ومالطا والمغرب وهولندا والنيجر وقطر وروسيا وإسبانيا وسويسرا وتونس وتركيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وممثلي تجمع دول الساحل والصحراء. 

حجم التمثيل الدولي اللافت في اجتماع باريس

يعد هذا المؤتمر الثالث من نوعه الذي تستضيفه فرنسا بشأن ليبيا منذ عام 2017، وهو وإن كان يشترك مع المؤتمرين السابقين في انه يتزامن مع تطورات مفصلية مهمة في الساحة الليبية، إلا أنه يتميز عنهما باتساع نطاق الدول المدعوة لحضوره، وشمول هذا النطاق كافة الدول المجاورة لليبيا او التي لها دور معين فيه، ناهيك عن ظهور رغبة فرنسية واضحة في توحيد الرؤي الأوروبية حيال الأزمة الليبية، وهذا ظهر بشكل واضح من خلال رئاسة فرنسا وإيطاليا وألمانيا المشتركة لهذا المؤتمر، علماً أن إيطاليا سبق لها استضافة مؤتمر حول ليبيا في مدينة باليرمو في نوفمبر عام 2018، وسبق للعاصمة الألمانية أن احتضنت مؤتمرين من أهم المؤتمرات التي تناولت الملف الليبي، وهما مؤتمر (برلين-1) في يناير 2020، ومؤتمر (برلين-2) في يونيو 2021.

مستوى الشخصيات السياسية التي ستحضر مؤتمر الغد في باريس كان لافتاً بشكل كبير، حيث من المقرر أن يحضر كل من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ونائبة الرئيس الأميركي، كامالا هاريس، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وممثلون عن ألمانيا وإيطاليا وتونس والنيجر وتشاد،، بجانب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو. حتى الآن  مازال الغموض يكتنف مستوى تمثيل ليبيا في هذا المؤتمر، فقد وجه قصر الأليزيه الدعوة لكل من رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، لكن لم يؤكد الأول حضوره المؤتمر، أما الثاني فتوجد احتمالية كبيرة لحضوره. مستوى مشاركة الجزائر في هذا المؤتمر لم يتضح ايضاً حتى الآن، لكن بات من شبه المؤكد أن الرئيس الجزائري عبد الحميد تبون لن يحضر هذا المؤتمر، على خلفية التوتر الذي تشهده العلاقة بين بلاده وفرنسا.

الملف الأول … الأنتخابات

تحاول باريس من خلال مؤتمر الغد، البناء على التوافقات التي تم التوصل أليها مؤخراً خلال المؤتمر الوزاري الدولي لدعم استقرار ليبيا، والذي ألقى فيه وزير الخارجية الفرنسي كلمة، أشار فيها إلى أن ملف الانتخابات العامة المقبلة، والمصادقة على خطة إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، هما الملفين الأساسيين اللذان سيتم مناقشتهما في اجتماعات باريس غداً. تحدثت الصحافة الفرنسية عن أن الشخصية التي تولت التحضير لاجتماع الغد، هو مستشار الرئيس الفرنسي، لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط، باتريك دوريل، وهذا ضمن توجه من جانب باريس، لأعادة الزخم لدورها في ليبيا، خاصة بعد ان تراجع هذا الدور منذ عام 2018، حين فشلت باريس في فرض عقد الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة حينها. مساعي باريس هذه تواجه تحديات داخلية، تتعلق ببعض الخلافات حول طريقة إدارة الملف الليبي في هذه المرحلة، وتسببت هذه الخلافات مؤخراً – على ما يبدو – في إقالة كريستوف فارنو، رئيس قسم الشرق وشمال أفريقيا في الخارجية الفرنسية كريستوف فارنو.

في ما يتعلق بملف الأنتخابات، صرح مؤخراً مندوب فرنسا الدائم لدى الأمم المتحدة نيكولاس دو ريفيير، أن مؤتمر باريس يهدف إلى “إظهار دعم فرنسا المستمر للعملية السياسية، لا سيما تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية، وكذلك التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار، مع الأخذ في الاعتبار التداعيات الإقليمية للأزمة الليبية”. قصر الإليزيه في  معرض تقديمه لمؤتمر الغد، قال في بيان سابق أن الانتخابات الليبية “مازالت في متناول اليد، واستقرار البلاد بات معلقاً على عقدها، وهناك عدد من المعطلين يحاولون التربص بهذه الانتخابات وإخراجها عن مسارها”.

هذه النظرة من جانب باريس، تتقاطع مع وجهة نظر أغلب الدول المشاركة في اجتماعات الغد حيال وضع الانتخابات المقبلة في ليبيا، وهي نظرة تعتبر هذه الأنتخابات بمثابة فرصة أخيرة لانتشال البلاد من حالة الجمود السياسي، خاصة بعد سحب الثقة عن حكومة الدبيبة، وتصاعد بعض الأصوات التي تدعو إلى تأجيل الانتخابات جزئياً أو كلياً، أو منع عقدها على القاعدة القانونية التي أقرها البرلمان الليبي، وعلى رأس هذه الأصوات بعض الجماعات المحسوبة على التيار الإسلامي، بجانب خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، الذي يزور حالياً العاصمة التركية أنقرة، ودعا بوضوح إلى محاصرة مقار مفوضية الأنتخابات.

الولايات المتحدة الأمريكية، الممثلة في مؤتمر الغد عبر وفد سياسي رفيع تترأسه نائبة الرئيس الأمريكي، بات واضحاً ان تعاطيها مع الشأن الليبي بات أكثر زخماً من حقبة الرئيس السابق دونالد ترامب، وهي في ما يتعلق بالانتخابات العامة تؤيد عقدها في موعدها، رغم أن بعض الأصوات في الإدارة الأمريكية تخشى أن يؤدي تحدى الأصوات المنادية بتأجيل الانتخابات، إلى حدوث ردات فعل عنيفة على المستوى الأمني، وهي للمفارقة نفس المخاوف التي تنتاب واشنطن في حالة المضي قدماً في عقد هذه الأنتخابات، التي من المقرر إجراء الجولة الأولى منها في الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل، والجولة الثانية في يناير 2021. لكن هذه النظرة المزدوجة من جانب واشنطن، ربما تم حسمها بحضور نائبة الرئيس هاريس غداً، لصالح دعم إقامة الانتخابات في موعدها، خاصة أن موقع “أفريكان انتيليجنس” تحدث أمس عن مساعي جدية من جانب واشنطن، بدعم من باريس، لفرض عقوبات جديدة على بعض الأطراف الليبية التي تحاول عرقلة الانتخابات القادمة.

ملف المرتزقة والقوات الأجنبية … ثاني ملفات اجتماع الغد

رغم بحث هذا الملف بشكل مكثف خلال الأعوام الماضية، الا ان اقرار خطة مغادرة المرتزقة والقوات الأجنبية مؤخراً من جانب اللجنة العسكرية الليبية المشتركة، جعل الأمل يتزايد في امكانية تحقق هذا المطلب، الذي في حالة إتمامه سيساهم بشكل أساسي في المضي قدماً في مسار تطبيع الأوضاع الحالية في ليبيا. ترغب باريس في أن يعتمد مؤتمر الغد هذه الخطة، ولذا كان لافتاً توجيه الدعوة إلى دول الساحل والصحراء، ودول جوار ليبيا، ودول مثل تركيا ومالطا، لمحاولة إيجاد حل نهائي لهذا الملف، مستفيدة من ذلك من التواجد الأمريكي النوعي في اجتماعات الغد.

في هذا الصدد يتوقع أن تحاول باريس إيجاد توافق دولي نهائي حول هذه الخطة، تمهيداً لأخراج هذه الخطة إلى الحيز الدولي في صورة قرار من الأمم المتحدة، خاصة بعد أن أعلنت الجنة العسكرية الليبية المشتركة، أن كل من النيجر وتشاد والسودان، أبدت استعدادها للتعاون في إخراج المقاتلين المنتمين لها من الأراضي الليبية.

يضاف إلى هذا الملف وملف الانتخابات، ملفات فرعية اخرى، يتوقع مناقشتها خلال مؤتمر الغد، منها المحور الأقتصادي، الذي يشمل إعادة إعمار ليبيا، وتطبيق الأصلاحات المطلوبة في القطاع النفطي والمالي الليبي، بجانب بحث ملف الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، والذي يعد ملفاً أساسياً بالنسبة لبعض الدول المشاركة في المؤتمر، مثل مالطا واليونان وإيطاليا.

المشاركة المصرية أساسية في أية فعاليات دولية حول ليبيا

تعكس مشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر الغد، التي جاءت تلبية لدعوة من الرئاسة الفرنسية، حرص القاهرة على تثبيت دورها في هذا الملف الذي يعد من ثوابت أمنها القومي، والذي تم تدشينه بشكل واضح عبر (إعلان القاهرة) في يونيو 2020. التموضع المصري الحالي في هذا الملف يرتكز على عدة ثوابت لم تتغير منذ إعلان القاهرة وحتى الآن، أولها هو ضرورة خروج كافة أشكال التواجد العسكري الأجنبي من الأراضي الليبية، بما في ذلك المرتزقة والميليشيات والقوات الأجنبية، وكذلك كف اليد الخارجية عن التدخل في الِشأن الليبي، ودعم المسار السياسي والأقتصادي والعسكري الليبي، وفقاً لمخرجات مؤتمرى برلين 1 و2، وقراري مجلس الأمن 2570 و2571، بانفتاح كامل على كافة المكونات الليبية، بما يشمل عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة في مواعيدها المقررة دون تأخير او تحايل على القاعدة القانونية التي أقرها مجلس النواب مؤخراً، وتقديم كافة أشكال الدعم للقطاعات الاقتصادية والأمنية الليبية، واستكمال جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى