كورونا

واشنطن ضد كورونا .. ما بين الأقنعة الواقية والإقالات الانتقامية

“تنفق بلادنا مليارات الدولارات سنوياً على حاملات الطائرات والأسلحة المختلفة، لكنها اليوم تقف عاجزة عن توفير واقي للوجه يبلغ سعره 50 سنت!”. ربما هذه الجملة التي كتبها مواطن أمريكي على صفحته بموقع التغريدات القصيرة (تويتر)، هي الجملة الأكثر تعبيراً عن المأزق الأمريكي المتفاقم، نتيجة لتداعيات تفشي فيروس كورونا، الذي تعدى عدد المصابين به في الولايات المتحدة حتى الآن، حاجز الـ 300 ألف مصاب.

الأقنعة الواقية .. العجز الأمريكي في أبسط صوره

بالنسبة للقوة العظمى الأكبر والأقوى في العالم، لم يدر بخلد أي شخص مهما كان خياله واسعاً، أن يأتي عليها يوم، يكون شغلها الشاغل في الحياة، ليس مثلاً غزو هذا البلد او ذاك، بل توفير أعداد كافية من الأقنعة الواقية، لملايين من سكانها، وذلك بشتى الطرق الممكنة، بما فيها الطرق الملتوية، التي فيها يتم إغراء الشركات الصينية، بعرض شراء شحنات الأقنعة الواقية التي سيتم توريدها إلى أوروبا، بثلاثة أضعاف سعرها الحقيقي، وهو ما حدث بالفعل مع شحنة كان سيتم توريدها إلى فرنسا. هذا الأسلوب، مضافاً إليه استمرار النقص الحاد في الأقنعة الواقية وأجهزة التنفس الصناعي، يسدد مزيداً من الضربات لمصداقية الإدارة الأمريكية، التي تحدث الوجه الأبرز فيها، دونالد ترامب، عن قرب أرسال شحنات من المساعدات الطبية إلى إيطاليا ودول أخرى، بعد أن يتم تفعيل الإنتاج المحلي بناء على ضوابط قانون (الإنتاج الدفاعي)، وهو ما لم يحدث حتى الآن، وهذا كله تسبب في إحراج واضح لهذه الإدارة في الأوساط الشعبية الأمريكية على اختلاف انتماءاتها السياسية.

تفاقم هذا الأحراج خلال الأيام الماضية، بفعل عدة مواقف، منها لفتة إنسانية قام بها أحد أفراد دورية الطرق التابعة لشرطة مدينة (دولوث)، في ولاية مينيسوتا، حين قام بإيقاف سيارة تجاوزت السرعة المقررة في أحدى الطرق، لكنه عندما علم أن قائدة السيارة هي طبيبة أمراض قلب، تعمل ضمن مستشفى الحجر الصحي التابع للمدينة، لم يحرر لها مخالفة، بل وقام بمنحها عدة أقنعة واقية جديدة من نوع (أن-95)، بعد أن أكتشف انها تحمل مع في السيارة قناعين من هذا النوع، لكنهما مستخدمان منذ فترة طويلة!

الموقف الثاني يتعلق ببدء تفشي حالة من (اللامبالاة)، من جانب بعض الأوساط الأمريكية، سواء كانت أوساط حكومية او منظمات مجتمع مدني، فمثلاً مؤسسة جورج بوش، قامت في لفتة غريبة في هذا التوقيت، بالتبرع بمليوني قناع واق، بالتعاون مع مؤسسات أخرى من بينها اللجنة الوطنية للعلاقات الأمريكية الصينية، ومجلس الأعمال الصيني الأمريكي، وبالشراكة مع شركات أمريكية عملاقة، مثل شركتي (وول مارت) و(فيديكس)، هذا التبرع السخي يأتي في نفس التوقيت الذي مازالت تعاني فيه المستشفيات الأمريكية، من ندرة كبيرة في الأقنعة الواقية وأجهزة التنفس، بجانب حزم الاختبار الخاصة بالكشف عن الفيروس. 

فحسب رصد قامت به صحيفة الواشنطن بوست، فإن ما يقرب من 90 بالمائة من رؤساء البلديات الأمريكية، أعلنوا أنهم لا يمتلكون في الوقت الحالي، الكميات الكافية من حزم الاختبارات والأقنعة الواقية ومهمات الوقاية الخاصة بالعاملين بالحقل الطبي، ونحو 85 بالمائة أقروا أن المستشفيات المتواجدة في بلدياتهم، لا يوجد بها ما يكفي من أجهزة التنفس الصناعي. 

 أذن الولايات المتحدة تعاني من نقص حاد ومستمر في كافة هذه التجهيزات، وعلى رأسها الأقنعة الواقية، ويكفي ان نعلم أن واشنطن بمفردها، تستهلك حالياً بشكل شهري أكثر من مليون أربعمائة ألف قناعي واقي، وبالتالي أصبحت هذه الأقنعة عملة نادرة جداً في معظم الولايات الأمريكية، لدرجة دفعت بعض العاملين في القطاع الطبي الأمريكي، إلى صناعة أقنعة واقية من مواد بديلة مثل المناديل الورقية والورق المقوى،  وهذه كارثة أخرى ليس فقط على المستوى الطبي، بل أيضاً في ما يتعلق بصورة الولايات المتحدة، التي يبدو أداءها باهتاً أكثر فأكثر في هذه الأزمة، مقارنة بأداء دول أخرى يًعتبر بعضها من دول العالم الثالث.

الرئيس الأمريكي خلال إيجازه الصحفي أمس، سلط مزيد من الضوء على مشكلة نقص الأقنعة الواقية، ولكنه في نفس الوقت عكس التضارب وتفاقم الخلافات بينه وبين اللجنة الخاصة بإدارة ملف مكافحة فيروس كورونا، في عدة نقاط تتعلق بهذا الملف، بما في ذلك ما يتعلق بكيفية استخدام الأقنعة الواقية. 

سابقاً كانت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) قد أصدرت تعميمات، تدعو بموجبها كافة المواطنين والمقيمين، الى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الوقائية، على رأسها استخدام الأقنعة الواقية. الا ان هذا التعميم، تم الاعتراض عليه من جانب عدة مسؤولين في إدارة ترامب، من بينهم كبير مسؤولي وزارة الصحة في الحكومة الفيدرالية، نائب الأدميرال جيروم آدامز، الذي دعى المواطنين أواخر شهر فبراير الماضي، إلى التوقف عن شراء الأقنعة الواقية، لأن هذا سيؤدي إلى تأثر الكميات المتوفرة منها، للعاملين بالقطاع الصحي، وهي كميات قليلة في الأساس. كذلك ظهرت انتقادات أخرى من بعض الأوساط الطبية الأمريكية، التي تحدثت عن احتمالية لتزايد مخاطر الإصابة بالفيروس، بالنسبة لبعض من يستخدمون الأقنعة الواقية بطريقة غير صحيحة.

لذلك، كان حديث الرئيس الأمريكي الجمعة الماضية، مرتكزاً على هذه النقطة، فقد أبدى عدم قناعته بضرورة ارتداء الأقنعة الواقية، وهذا هو عكس قناعات قطاع كبير من مستشاريه، بل وحتى عكس قناعات زوجته، التي ترى ضرورة استخدام هذه الأقنعة. 

ترامب قال أن ارتداء الأقنعة الواقية هو أمر (اختياري)، وفي هذه الحالة تكون هذه الأقنعة من الأنواع التي تم صنعها منزلياً، وتكون مصنوعة من القماش، في حين تكون أولية استخدام الأقنعة الطبية، للعاملين بالقطاع الصحي. وهنا تكون مفارقة كبيرة، حين يطلب رئيس أكبر دولة في العالم، من مواطنيه أن يقوموا بصنع أقنعة واقية في منازلهم، وكأن الولايات المتحدة قد تحولت فجأة إلى بلد نامي، أو حتى إلى دولة فاشلة كما يرى البعض.

الإقالات الانتقامية … كورونا ليست هي الشغل الشاغل فقط

لم تكن التداعيات الاقتصادية الكارثية، لوباء كورونا في الولايات المتحدة، هي الشغل الشاغل للرئيس ترامب، بل أستمر في انخراطه في صراعات سياسية داخلية، يرى البعض أن أوانها قد يكون في أي وقت، عدا التوقيت الحالي. في أسبوعين فقط ، تقدم أكثر من 9.95 مليون أمريكي بطلب للحصول على البطالة، في ظل توقعات بارتفاع معدل البطالة إلى 30٪، ولكن كانت أنظار ترامب تتجه نحو إقالة موظفين بارزين، الأول هو (مايكل أتكينسون)، المفتش العام للاستخبارات الأمريكية، والذي كان له دور أساسي في إبلاغ مجلس النواب الأمريكي، بالمخالفات التي تم على إثرها، محاولة عزل ترامب منذ شهور. هذه الخطوة أثارت غضب الديموقراطيين وأعضاء بمجلسي النواب والشيوخ، منهم تشاك شومر، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ أنتقد هذه الإقالة، وأعتبر ان ترامب أقال أتكينسون لأنه (قال الحقيقة)، آدم شيف، رئيس لجنة المخابرات بمجلس النواب، أعتبر هذه الإقالة، “محاولة صارخة أخرى من جانب ترامب لإفساد استقلالية مجتمع الاستخبارات”.

الإقالة الثانية خلال الساعات الماضية، كانت لقائد حاملة الطائرات الأمريكية (ثيودور روزفلت)، الكابتن بريت كروزير، على خلفية نشره لرسالة، يتحدث فيها عن وقائع انتشار فيروس كورونا على متن الحاملة التي يقودها. هذه الإقالة أثارت ردود فعل عنيفة أيضاً من جانب الديمقراطيين، الذين اعتبروا أن الكابتن كروزير، كان يحاول المطالبة بمزيد من الإجراءات العملية لمنع انتشار الفيروس، ضمن وحدات الجيش الأمريكي، التي تعدى عدد المصابين فيها بفيروس كورونا، 1000 مصاب، من ضمنهم نحو مائة مصاب على متن الحاملة روزفلت. عقب قرار الإقالة الذي أصدره قائد القوات البحرية الأمريكية، وأيده وزير الدفاع الأمريكي، أصدر البنتاجون قراراً بمنع تداول أية معلومات تتعلق بتفشي هذا الوباء داخل وحدات الجيش الأمريكي، سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة.

هنا يكون جيش أقوى دولة على وجه الأرض، قد وجد نفسه أمام عدو غير تقليدي، تقف أمامه كافة الأسلحة الاستراتيجية الأمريكية، بما فيها حاملات الطائرات، عاجزة بشكل كامل، وهذا إذا أضفنا إليه، فشل الإدارة العسكرية الأمريكية، في العزل السريع والفعال، لقواعدها في الخارج، خاصة بألمانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية.

 فأننا نستطيع أن نعتبر هذه الأزمة، استحقاق مفصلي، يمكن وضعه جنباً إلى جنب، مع حروب كبرى خاضها الجيش الأمريكي سابقاً، مثل الحرب الفيتنامية والحرب الكورية، وأكبر تشابه بين وبين هذه الحروب، سيكون هو مشهد النعوش، التي صنعها الجيش الأمريكي سابقاً في حربي المذكورتين آنفاً، و سيصنعها قطعاً لاحتواء ضحايا هذا الفيروس، الذين تعدوا ثمانية آلاف ضحية في الولايات المتحدة حتى الآن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى