أفريقيا

وسط غبار المعارك … انتخابات إثيوبيا على جمر الميادين المشتعلة

تدخل إثيوبيا مرحلة مفصلية حاسمة على كافة المستويات خلال الأيام المقبلة، في ظل اشتداد حدة المواجهات المشتعلة في عدة أقاليم إثيوبية، وبدء الانتخابات العامة في معظم أقاليم البلاد. هذا الواقع يفرض أسئلة عديدة، أهمها أسئلة حول الإمكانيات المتوفرة حاليًا لأديس أبابا -على المستويين اللوجيستي والأمني- لإنجاز أية استحقاقات انتخابية، ناهيك عن ضمان نزاهة عمليات الاقتراع، وضمان أمن الناخبين في ظل حالة التراشق العرقي التي تصاعدت في البلاد منذ أواخر العام الماضي.

تبدو سياسة “الهروب للأمام” هي الغالبة في الاستراتيجية العامة لأديس أبابا، وهي سياسة اتبعتها سابقًا في ملف سد النهضة، وفي ملف التعامل مع إقليم “تيجراي” الشمالي، وتتبعها حاليًا في التعاطي مع الأقاليم الأخرى التي بدأت تتصاعد حالات العنف فيها بشكل كبير، مثل “أوروميا” و”بني شنقول”، ومؤخرًا إقليم “عفار”. فما هي ملامح الوضع الميداني الحالي في إثيوبيا؟

إقليم “عفار” … إضافة جديدة للداخل الإثيوبي المضطرب

يعد إقليم “عفار” الواقع شمالي شرق إثيوبيا، أحدث إقليم ينضم إلى سلسلة الأقاليم الإثيوبية المضطربة، ويشترك مع إقليمي “أوروميا” و”تيجراي” المحاذيان له في أن الاضطرابات الحالية الجارية على أراضيه لها خلفيات تاريخية عرقية، وترتبط بخلافات مع أقاليم أخرى مجاورة. الخلاف الرئيس في هذا الإقليم كان مع إقليم “الصومال” المحاذي للقسم الجنوبي الشرقي منه، ففي عام 2014، أعادت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ترسيم الحدود بين كلا الإقليمين، وضمت خلال هذه العملية ثلاث مناطق حدودية بينهما إلى إقليم الصومال وهي “غاربا عيسى – أوندوفو – أدايتو”، وهو ما شكل شرارة اشتباكات متقطعة بين الجانبين خلال الأعوام اللاحقة.

تجددت هذه الاشتباكات خلال الأسابيع الماضية بشكل مفاجئ، بعد هجوم عشيرة “عيسى” التي تستوطن إقليم الصومال، مدعومة بقوات تابعة للأمن المحلي التابع لهذا الإقليم على المزارع المتواجدة في إقليم عفار، وهو ما استدعى قيام عشائر عفار بالرد على هذا الهجوم، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات متبادلة على مدار عدة أيام، دارت بشكل رئيس في محيط قريتي “غاربا عيسى” و”دان لا هيلاي” الواقعتين في منطقة “سيتي” الحدودية بين هذا الإقليم وإقليم عفار، وأدت هذه الاشتباكات إلى مقتل نحو مائة شخص على مدار خمسة أيام.

إقليم تيجراي .. الأوضاع الميدانية السيئة تتفاقم 

اتخذت الأوضاع الميدانية في إقليم تيجراي شمالي إثيوبيا منعطفًا جديدًا، بات واضحًا من خلاله أن مسألة حسم القوات الفيدرالية الإثيوبية المدعومة من عشرات الفرق القتالية الإريتري للمعارك المستمرة منذ نحو ستة أشهر في كافة أنحاء الإقليم باتت بعيدة المنال أكثر فأكثر؛ فقد تمكن عناصر “جبهة تحرير شعب تيجراي” بشكل ناجح في تحويل تكتيكاتهم الميدانية من أسلوب القتال التقليدي الذي اتسمت به المعارك في شهرها الأول، إلى نمط حرب العصابات الذي أرهق القوات الحكومية الموجودة على أراضي الإقليم، وبشكل أكثر تحديدًا القوات الإريترية التي باتت الآن هي القوة الرئيسة التي تواجه قوات الجبهة على أراضي الإقليم.

تعد مشكلة الإدارة المحلية لشؤون الإقليم في هذه المرحلة من أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، فعلى الرغم من تعيين رئيس جديد للحكومة المؤقتة المسؤولة عن الإقليم، وهو وزير الابتكار والتكنولوجيا في الحكومة الفيدرالية أبراهام بيلاي، إلا أن واقع الحال في الإقليم الذي يشهد مزيجًا مرعبًا يجمع بين المعارك والمذابح اليومية، وبين تردي الأوضاع المعيشية والإنسانية، يشير إلى أن السلطة المؤقتة التي نصبتها أديس أبابا داخل الإقليم، لا تسيطر فعليًا سوى على المدن الرئيسة، ولا سيطرة لها على المناطق الريفية والمدن الفرعية، خاصة في وسط الإقليم.

هذا الوضع تكرس بشكل كبير في المناطق الزراعية الواقعة غربي الطريق الرابط بين مدينتي إديغرات وألاماتا في الجانب الشرقي من الإقليم، وكذلك في كامل النطاق الغربي المتاخم للحدود مع السودان، حيث رفض أهالي عدد كبير من القرى في هذا النطاق دخول ممثلي الحكومة المؤقتة إلى مناطقهم، وطلبوا منهم عدم محاولة دخول مناطقهم مجددًا، وبدأوا في تشكيل ما تشبه “إدارات محلية” لقراهم، تتكون من سبعة أفراد. وقد كان السبب الرئيس في هذا الموقف هو رغبة أهالي هذه القرى في معاودة زراعة أراضيهم، وهو ما تعذر عليهم فعله سابقًا بسبب الهجمات التي دأبت على شنها وحدات الجيش الإثيوبي والإريتري، خاصة أن تلك الوحدات منعت العربات التي تنقل البذور ومستلزمات الزراعة من الوصول إلى المناطق الوسطى والشمالية للإقليم.

يترافق هذا مع تردٍ مستمر في الأوضاع المعيشية لسكان الإقليم، سواء في القرى الموجودة في وسط الإقليم وشرقه، أو في مخيمات اللاجئين التي يقع بعضها على أراضي الإقليم، وبعضها الآخر في الولايات السودانية المتاخمة للحدود. ولم يسلم هؤلاء اللاجئون من تبعات المعارك المستمرة في الإقليم، فقد تحدثت منظمة العفو الدولية مؤخرًا عن غارات شنتها وحدات إريترية وإثيوبية على بعض مخيمات اللاجئين الموجودة قرب مدينة “شيراي”، منها مخيم “تسيهاي” ومخيم “أديوونفيتو”. جدير بالذكر هنا أن المنظمة الدولية للهجرة أفادت أن مجموع اللاجئين الذين نزحوا من إقليم تيجراي نتيجة للمعارك المستمرة حاليًا في الإقليم تجاوز مليون وسبعمائة ألف نازح.

على المستوى الميداني، دخلت الوحدات العسكرية الإثيوبية والإريترية في خضم حرب استنزاف حقيقية، بدأها أوائل هذا الشهر عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي، الذين نجحوا خلال الأشهر الخمسة الماضية في حصر السيطرة الإثيوبية والإريترية شرق وشمال الإقليم، في النطاق المطل على طريق “إيه-2” الرابط بين جنوب شرق وشمال شرق الإقليم “الآماتا – ميكيلي – إديغرات”، وطريق “بي- 3” الذي يتوسط الإقليم ويربط بين مدن “أديغرات – عدوا – إكسوم – شيراي”. من جانبهم، استمر عناصر الجبهة في الهجوم على قوافل الإمداد الإثيوبية والإريترية، أثناء تنقلها على كلا الطريقين، وألحقت بهذه القوافل خسائر فادحة أدت إلى تناقص الإمدادات التي تصل إلى الوحدات العسكرية المتمركزة في مدن وسط وشرق الإقليم.

من أمثلة هذه الكمائن، الهجوم على قافلة إمداد للجيش الإثيوبي، كانت تتحرك عبر طريق فرعي من عاصمة الإقليم “ميكيلي” نحو مدينة “عدوا”، حيث هاجم عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي القافلة في منطقة “كولا تيمبيان”، ما أدى إلى تدمير وإعطاب عربات الرتل بشكل كامل. نشاط وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي امتد إلى مناطق تعد خارج النطاق الجغرافي لإقليم تيجراي، فبعد إعلان الحكومة الإقليمية في إقليم “أمهرة” عن فتح الباب لتأجير الأراضي الزراعية في الجانب الغربي لإقليم تيجراي، بدأت جبهة تحرير شعب تيجراي في تفعيل عملياتها في اتجاه إقليم أمهرة، عبر شن هجمات خاطفة من مناطق سيطرتها جنوبي الجبهة الوسطى للإقليم، في اتجاه الجانب الشمالي من إقليم أمهرة، خاصة مناطق “سيكوتا “، و”شيرو” و”جيرينو”.

يضاف إلى ذلك، بدء جبهة تحرير شعب تيجراي الشهر الجاري في هجوم رئيس تحت أسم “Aloula”، يستهدف إنهاء الوجود العسكري الإثيوبي والإريتري في المناطق الوسطى من الإقليم، ومن خلاله شن عناصر الجبهة، الذين تتألف وحداتهم بشكل رئيس من عناصر راجلة خفيفة الحركة وجيدة التسليح، هجمات منسقة وخاطفة على المواقع والتمركزات العسكرية الإثيوبية والإريترية في النطاق الشمالي الشرقي، وعلى رأسها مدينة “هاوزن” الواقعة جنوبي غرب مدينة “أديغرات”، فقد تمكن عناصر الجبهة من دخول هذه المدينة وأسر عدد من الجنود الإريتريين، وتمكنوا أيضًا صباح أمس من دخول مدينة “إديغرات” لفترة وجيزة، بعد انسحاب القوات الإثيوبية المتواجدة فيها.

بالإضافة إلى ما سبق، شن عناصر الجبهة هجمات مكثفة على المناطق الجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية لأديغرات، مثل مدينتي “تيكا تيسفاي” و”بيزيت”، وكذا المدن الشرقية المطلة على الطريق الرابط بين “أديغرات” و”ألاماتا”، مثل “ويكرو” و”سامري”، وصولًا إلى المناطق المتاخمة للحدود الشمالية لمدينة “ألاماتا”، مثل “هوجومابردا” و”ميهوني”.

وحدات الجيش الإثيوبي حاولت مواجهة الضغط الميداني المتزايد الذي تمارسه جبهة تحرير شعب تيجراي على المواقع الإثيوبية شرقي الإقليم، فأرسلت تعزيزات نوعية إلى الإقليم، شملت العربات المدرعة صينية الصنع “تايب – 89″، ومدفعية الهاوتزر المقطورة “أيه إتش – 1” من عيار 155 ملم، ودبابات سوفيتية الصنع من نوع “تي – 72″، بجانب قوات قوامها نحو ثلاث كتائب، أطلقت هجومًا مضادًا على وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي، الناشطة في المناطق المتاخمة لغربي العاصمة “ميكيلي” في الجبهة الشرقية، وجنوب مدينتي “عدوا” و”أديغرات” في الجبهة الشمالية الشرقية.

لكن ونظرًا للتكتيك الذي تتبعه وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي، والذي يعتمد بشكل أساسي على حرب العصابات والكمائن، لم تتمكن القوات الإثيوبية من تطهير هذه المناطق، وخلق منطقة عازلة في الشمال الشرقي تحمي الطريقين الرئيسيين في الإقليم، كما أنها لم تتمكن من توسيع تحركاتها الهجومية غربًا نحو المناطق الوسطى للإقليم، وهي مناطق تسود فيها السيطرة لجبهة تحرير تيجراي، وتعتبر هي الهدف الأساسي للتحركات العسكرية الإثيوبية الأخيرة.

يلاحظ هنا أن سلاح الجو الإثيوبي عاد للظهور مجددًا في أجواء إقليم تيجراي، خاصة الأجزاء الوسطى منه، إذ شنت مقاتلاته من نوع “ميج-23” خلال الشهر الجاري، العديد من الغارات الجوية على المناطق الواقعة جنوبي طريق “بي-30″، واستخدمت في هذه الغارات – بالإضافة إلى الذخائر التقليدية غير الموجهة – قنابل عنقودية روسية الصنع من نوع “أر بي كي-250″، التي تحتوي كل قنبلة منها على 150 قنيبلة من نوع “أيه أو- 1 أس سي أتش”، وهي قنابل تجعل من المستحيل على المزارعين والسكان المحليين التحرك بحرية في مناطقهم، نظرًا لتناثر هذه القنيبلات على مسافات واسعة. آخر هذه الغارات استهدف أمس سوقًا شعبية في منطقة “توجوجوا” الواقعة شمال غرب عاصمة الإقليم “ميكيلي”.

نشاط سلاح الجو الإثيوبي بشكل عام في أجواء إقليم تيجراي تزايد بشكل مطرد الشهر الجاري، وذلك لعدة أسباب أهمها تزايد الضغط على الوحدات الإثيوبية والإريترية في الإقليم، وتعاظم الحاجة لاستخدام الغطاء الجوي المساند، وكذلك تعاظم المخاطر التي تتعرض لها قوافل الإمداد العسكري المتحركة في الإقليم، ولجوء الجيش الإثيوبي إلى استخدام طائرات النقل العسكري، لإمداد قواته بما تحتاجه من مؤن، لكن هذه الاستراتيجية كان لها خسائرها، فاليوم فقد سلاح الجو الإثيوبي طائرة نقل من نوع “سي-130″، أثناء تحليقها قرب مدينة “جيجيت” جنوبي الإقليم، ويعتقد أنها تعرضت لنيران المدفعية المضادة للطائرات التابعة لجبهة تحرير شعب تيجراي،. بهذا يرتفع عدد الطائرات التي تم اسقاطها في الإقليم حتى الآن إلى طائرتين ومروحية واحدة.

في جانب آخر، يمكن استشراف وجهة النظر الحالية لجبهة تحرير شعب تيجراي، من خلال تفاصيل وردت الشهر الماضي، خلال تصريحات صحفية لعضو القيادة المركزية للجبهة، الجنرال “تصادقان جيبريتنساي”، الذي شغل سابقًا منصب رئيس أركان الجيش الإثيوبي بين عامي 1991 و2000، حيث رأى الجنرال “تصادقان” أن مسؤولية اندلاع المعارك في إقليم تيجراي تقع بشكل أساسي على الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الذي حسب رأيه يسير حاليًا في خطة للسيطرة على مقاليد الأمور في إثيوبيا، وأشار الجنرال في هذا الصدد إلى حقيقية أن مطامع أديس أبابا في إقليم تيجراي لم تكن وليدة اللحظة، ولم يكن الخلاف على عقد الانتخابات أو القيادة العسكرية الشمالية هو ما ادى  إلى اندلاع المعارك.

ودلل على ذلك بالقول إن الحكومة الإثيوبية قامت قبيل بدء الحرب في إقليم تيجراي، بإنشاء قيادة عسكرية جديدة تحت اسم “القيادة العسكرية الشمالية الغربية”، جعلت تحت إدارتها الوحدات العسكرية المتواجدة في غرب إقليم تيجراي، وتحديدًا مدينتي “بوبلكايت” و”حميره”، ورغم أن هذا القرار كان استجابة لضغوط الحكومة المحلية في ولاية “أمهرة”، التي رغبت في ضم هذه المناطق إليها، إلا أن حكومة إقليم تيجراي لم تعترض على الأمر ولم تثر أي مشاكل بخصوصه.

تحدث الجنرال أيضًا عن الوضع الحالي للمعارك في الإقليم، حيث أشار إلى أنه في بداية المعارك استخدم مقاتلو جبهة تحرير شعب تيجراي المدفعية والدبابات التي  سيطروا عليها من مقرات القيادة الشمالية العسكرية، في معاركهم مع القوات الإثيوبية والإريترية، واتخذوا في هذه المعارك مواضع دفاعية تمكنوا من خلالها من إلحاق خسائر فادحة بالجيش الإثيوبي، لكن استخدام سلاح الجو الإثيوبي بشكل مكثف لمقاتلاته القاذفة وللطائرات دون طيار، أدى إلى فقدان الجبهة لأغلبية أسلحتها الثقيلة خلال الشهر الأول للمعارك، لكن نجحت القيادة العسكرية للجبهة في إعادة تنظيم قواتها، لتصبح على شكل مجموعات صغير خفيفة الحركة وجيدة التسليح، تمكنت خلال الأشهر التالية من تهديد خطوط إمداد الجيش الإثيوبي، وتنفيذ هجمات خاطفة ومتتالية على التمركزات العسكرية في شرق وشمال الإقليم، وقد كان لافتًا إشارة الجنرال “تصادقان” إلى أن سكان إقليم تيجراي التفوا بشكل أكبر حول جبهة تحرير شعب تيجراي، بسبب سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها وحدات الجيش الإثيوبي والإريتري في الإقليم خلال الأشهر الماضية.

الفشقة واوروميا والأمهرة … الاستقرار الغائب

لم يكن الحال مختلفًا في الأقاليم الإثيوبية الأخرى التي تشهد اضطرابات امنية وعرقية، حيث مازال الوضع الميداني متصاعدًا في إقليم أوروميا، الذي يشغل معظم مناطق وسط البلاد، حيث توسعت رقعة الاشتباكات بين القوات التابعة للحكومة الإقليمية الحاكمة لهذا الإقليم -معززة بالشرطة الفيدرالية- وبين قوات جبهة تحرير أورمو، لتشمل كافة أنحاء الإقليم، بما في ذلك مناطق تقع على التخوم الجنوبية والغربية للعاصمة أديس أبابا. هجمات قوات جبهة تحرير أورومو تركزت خلال الأسابيع الماضية على القطاع الشمالي للإقليم، خاصة مناطق “نيكيميتي” و”جيما” و”جيمبي” و”أرسي” و”ميتي” و”سودوم بورو”، بالإضافة إلى منطقتي “إيجيري” و”أداع” الواقعتين قرب العاصمة أديس أبابا.

استمرت هجمات قوات جبهة تحرير أوروميا أيضًا في المناطق التي سبق وشهدت بداية أعمال العنف في أبريل الماضي، وتحديدًا مناطق ولاية “ووليجا الغربية”، مثل جوجي وقيليم وبيجي وهورو جودورو، واستهدفت هذه الهجمات بشكل رئيس قوات الشرطة الفيدرالية المنتشرة في هذه المناطق. وقد ردت وحدات الشرطة على هذه الهجمات، عبر شن سلسلة من الاعتقالات استهدفت أنصار الجبهة، وأعدمت بعضهم ميدانيًا، كما حدث مع أحد أنصار الجبهة في بلدة “ديمبي دولو” عاصمة مقاطعة “كيلام ويليجا”. 

اللافت في هذا الصدد هو توسع هذه الهجمات لتشمل مناطق تقع في إقليم أمهرة الذي يقع إلى الشمال من إقليم أورميا، منها القرى الواقعة قرب مدينة “أيكيل” جنوبي غرب مدينة “جوندر” شمالي إقليم أمهرة.

في نطاق الحدود السودانية الإثيوبية، مازالت الحشود العسكرية تتدفق بكثافة على هذه المنطقة، حيث تزايدت عمليات الحشد الإثيوبية والإريترية بشكل ملحوظ منذ مطلع الشهر الجاري، في مدينة “عبد الرافع” وقرى أخرى تقع في منطقتي “حميرة” و”ماي كاديرا” الواقعتين أقصى غرب إقليم تيجراي، حيث باتت تلك القوات تتخذ هذه المناطق نقاط ارتكاز لشن عمليات خاطفة داخل الأراضي السودانية، منها عملية توغل أوائل الشهر الجاري لمسافة عشرة كيلومترات داخل حدود الفشقة الكبرى، وصولًا إلى منطقة “الكردية”.

خلال هذه التوغلات، قامت الميليشيات الإثيوبية بقتل عدد من المزارعين السودانيين. السودان من جانبه قام ببعض التحركات الميدانية، منها السيطرة في السابع من الشهر الجاري على مستوطنة “شاي بيت” الإثيوبية في الفشقة الكبرى. اللافت في هذا الصدد أن الاشتباكات بين القوات السودانية والإثيوبية، قد توسعت بشكل كبير جنوبًا، لتشمل الحدود بين إقليم أمهرة والسودان، حيث اشتبك الجانبين في نطاق حديقة “دينار” الواقعة جنوبي الفشقة.

انتخابات إثيوبيا … مصاعب لوجيستية يعززها الوضع الميداني الصعب

رغم قيام المجلس الانتخابي الوطني الإثيوبي بتمديد فترة تسجيل الناخبين لمدة أسبوعين إضافيين، قبيل بدء الانتخابات بشكل فعلي في الواحد والعشرين من الشهر الجاري، إلا أن الأرقام التي تم تسجيلها بشكل عام كانت أقل بكثير مما كان متوقعًا. يضاف إلى ذلك أن عدد مراكز تسجيل الناخبين التي كان المجلس يستهدف فتحها كان أكثر من ضعف المراكز الموجودة فعليًا على الأرض، فالمجلس كان يستهدف فتح 50 ألف مركز للتسجيل والاقتراع، في حين ما تم فتحه فعليًا لا يتجاوز نصف هذا الرقم. 

عمليات تسجيل الناخبين لم تتم بطبيعة الحال في إقليم تيجراي الذي يشهد معارك مازالت مستمرة حتى الآن، وهذه هي النقيصة الأولى في هذه الانتخابات، التي تعد السادسة من نوعها منذ إقرار البلاد لدستورها عام 1994، والأولى في عهد رئيس الوزراء الحالي أبي أحمد، نظرًا لغياب سكان هذا الإقليم عن عملية الاقتراع، خاصة وأنه بعد بدء الانتخابات، اتضح أن العملية الانتخابية في أقاليم أخرى هي هراري وبني شنقول وأوروميا والصومال، لم تشمل كافة أجزاء هذه الأقاليم، علمًا أن إقليم اوروميا هو الإقليم الأكبر من حيث عدد الناخبين (أكثر من 14 مليون ناخب).

يضاف إلى ما سبق، التضييق الذي مورس على الأحزاب الإثيوبية المنافسة لحزب “الرخاء” الحاكم، خاصة الأحزاب الخاصة بعرقيتي التيجراي والأورومو، مثل حزب جبهة تحرير أورومو، وحزب الكونجرس الفيدرالي للأورومو، وقد لقي مئات المعارضين مصرعهم خلال الأشهر الماضية، ضمن الاشتباكات وأعمال العنف العرقية السالف الإشارة إليها في عدد من الأقاليم الإثيوبية، بل أن هذا الوضع طال حتى أحزاب معارضة قريبة من الحزب الحاكم، مثل حزب “مواطنون من أجل العدالة الاجتماعية”، الذي قٌتل اثنان من مرشحيه في إقليمي أورميا وأمهرة، وقُتل مرشحان اثنان آخران لحزب “الحركة الوطنية لأمهرة” في منطقة جوندر بولاية أمهرة ومنطقة أسوسا في إقليم بني شنقول. ناهيك عن اعتقال بعض الذين يحتمل ترشحهم في الانتخابات من الشخصيات المعارضة. 

أوضاع مماثلة شهدتها أقاليم أخرى منها إقليم الصومال، التي لم يبدأ تسجيل الناخبين فيه إلا قبل أسبوع واحد من الانتخابات، وحتى عندما بدأت عملية التسجيل، رصدت أحزاب المعارضة في الإقليم مخالفات عديدة بها، أدت إلى اتخاذها قرار بوقف مشاركتها في العملية الانتخابية، التي أعلنت عدة مؤسسات وهيئات دولية عزوفها عن مراقبتها، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، الذي ألغى الشهر الماضي، بعثة المراقبة الخاصة به لمتابعة هذه الانتخابات، وأعرب عن شكوكه في نزاهتها.خلاصة القول، إن العملية الانتخابية الجارية حاليًا بشكل جزئي في إثيوبيا، ستكون سببًا إضافيًا في تعميق الخلافات الداخلية، وتعقيد البيئة السياسية التي تعاني من استقطاب حاد، ما بين دعاة الاستقلال عن أديس أبابا (مثل إقليم تيجراي)، وأنصار الفيدرالية (أقاليم الجنوب الإثيوبي)، وأنصار الدولة الإثيوبية الموحدة (مثل إقليم الأمهرة). محاولة حل تداعيات هذا الاستقطاب عبر عملية انتخابية مشكوك في نزاهتها، تجري وسط وضع ميداني صعب على المستوى الأمني والعسكري والإنساني، تبدو خارج سياق أي مجهود جاد لحماية الوضع الداخلي الهش في إثيوبيا، ولا يوجد سبب واضح لإصرار أديس أبابا على عقد هذه الانتخابات، سوى حاجة نظام أبي أحمد إليها لاستعادة الشرعية الدولية المفقودة، والقفز فوق الانتقادات الموجهة إلى نظامه على خلفية ملف حقوق الإنسان في إقليم تيجراي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى