ليبيا

زيارة “المنقوش” إلى القاهرة … ترتيب الأولويات قبيل الاستحقاقات القادمة

تستمر جهود مد جسور التواصل والتنسيق السياسي المشترك بين القاهرة وطرابلس، وذلك عبر مسار متعدد الاتجاهات من اللقاءات والتفاعلات، آخرها كان زيارة وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش للقاهرة اليوم، ولقائها وزير الخارجية المصري سامح شكري وشخصيات حكومية أخرى.

دلائل هذه الزيارة تتراوح بين التوقيت والمضمون، ففي التوقيت تأتي بالتزامن مع بدء محاولات إقليمية لتوتير الأوضاع الليبية مرة أخرى ودفعها نحو الانفجار، سواء كانت تلك المحاولات من جانب أطراف داخلية ليبية لا تريد الوصول إلى محطة صناديق الاقتراع أواخر العام الجاري، وترغب في استمرار الوضع الميليشياوي المنفلت القائم حاليًا في مناطق ليبية عدة، أو كانت تلك المحاولات من جانب أطراف إقليمية لا ترغب في سحب قواتها ومرتزقتها من الأراضي الليبية.

تأتي هذه الزيارة أيضًا قبيل أيام قليلة من انعقاد مؤتمر “برلين-2” في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، وهو مؤتمر مفصلي سيحدد بشكل كبير ما إذا كان المسار الليبي نحو الانتخابات سيكون ممهدًا، أم أن العقبات والتعقيدات التي يفرضها الوجود العسكري الأجنبي على الأراضي الليبية ستجعل من الصعب تحقيق الهدف السياسي المرحلي المرجو في ليبيا حاليًا، ألا وهو عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية.

أما في المضمون، فإن هذه الزيارة تأتي تلبية لدعوة وجهها للمنقوش وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال اتصال هاتفي تم في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، تم فيه بدء تبادل الرؤى بينهما تجاه مستجدات الأوضاع في ليبيا، وتم مناقشة كيفية دعم جهود تنفيذ كامل مخرجات الحوار السياسي الليبي. وقد سبق لكلا الوزيرين أن التقيا في الخامس عشر من الشهر الجاري خلال مشاركتهما في الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب، وقد كرر الوزير المصري خلال هذا اللقاء دعوة المنقوش إلى زيارة مصر.

يمكن أيضًا عدّ هذه الزيارة استكمالًا لمسار تطبيع العلاقات بين القاهرة وطرابلس، والذي بدأته السلطة الجديدة في طرابلس عبر الزيارة الخارجية الأولى لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى القاهرة في مارس الماضي، والتي أكد فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعم مصر الكامل للسلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا، ونجاحها في إدارة المرحلة التاريخية الحالية، والوصول إلى عقد الانتخابات الوطنية نهاية العام الجاري. تلت هذه الزيارة زيارة مهمة لرئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى طرابلس في أبريل الماضي، وخلالها تم التوقيع على إحدى عشر وثيقة للتعاون بين الجانبين في مجالات المواصلات والنقل، ومشروعات الطرق والبنية التحتية، والقطاع الصحي.

زيارة المنقوش اليوم تأتي أيضًا بعد أيام قليلة من زيارة مدير جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير عباس كامل إلى كل من طرابلس وبنغازي، وهي زيارة تعد مفصلية في العلاقات بين طرابلس والقاهرة؛ نظرًا إلى أنه تم خلالها وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بملفات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين الجانبين.

فيما يتعلق بملفات هذه الزيارة، يعد ملف المرتزقة والقوات الأجنبية الموجودة على الأراضي الليبية الملف الرئيس لهذه الزيارة، خاصة وأن المنقوش كانت لها مواقف واضحة وقوية في هذا الصدد، جعلتها عرضة لهجوم ضاري خلال الفترة الماضية من جانب بعض قادة الميليشيات الليبية. في هذا الصدد تنسق القاهرة مع طرابلس مواقفهما من أجل إيصال هذا الملف إلى مرحلة الحل التنفيذي، خاصة وأن مؤتمر “برلين-2” حول ليبيا سوف يعقد في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، وهذا الملف على رأس أجندة هذا المؤتمر، وتشترك كل من القاهرة وطرابلس وبنغازي في هذه المرحلة في المساعي التي تستهدف إنجاح هذا المؤتمر، والخروج منه بالتزامات واضحة وتوقيتات لا لبس فيها تجدول انسحاب كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية.

الملف الثاني الذي يتم بحثه خلال هذه الزيارة هو ملف العلاقات الثنائية والدبلوماسية، فالقاهرة قاب قوسين أو أدنى من إنهاء التجهيزات اللوجستية المتعلقة بتفعيل سفارتها وقنصليتها في طرابلس وبنغازي، في حين تبحث المنقوش في هذه الزيارة تبادل السفراء، والتفعيل الدائم للجان المشتركة بين الجانبين، وبهذا يصبح التواصل الدبلوماسي بين الجانبين في أعلى صوره، وهو ما يحتاجه كلا البلدين بالنظر إلى الاستحقاقات المقبلة التي تواجههما. 

يضاف إلى ذلك تنسيق المواقف فيما يتعلق بالخطوات التي يتم اتخاذها في الداخل الليبي على المسارين السياسي والعسكري، فعلى المسار العسكري ستعقد غدا اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5) اجتماعها الخامس في مدينة سرت، وهي اجتماعات كانت مصر الراعي الأول لها، وتعد امتدادًا لاجتماعات توحيد المؤسسة العسكرية الليبية التي احتضنتها مصر خلال الأشهر الماضية، وما زالت تسعى في اتجاه الوصول إلى توحيد كامل لهذه المؤسسة. 

أما على المستوى السياسي، فإن القاهرة بتواصلها مع طرابلس تقدم دعمًا مهمًا ومطلوبًا لعدة تفاعلات سياسية مقبلة، منها الاجتماع المقبل لملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، من أجل وضع الصيغة النهائية للقاعدة الدستورية اللازمة للانتخابات المقبلة في الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل، وهو اجتماع مهم بالنظر إلى أن عقدة الأساس الدستوري للانتخابات التشريعية والرئاسية تبقى من أهم العقبات التي تواجه السلطة الليبية الحالية.

تبقى زيارة اليوم والتواصل السابق بين الخارجية المصرية والخارجية الليبية من سبل دعم الوزيرة المنقوش التي كانت لها مواقف واضحة وقوية من ملف المرتزقة والقوات الأجنبية، من أبرزها موقفها خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في طرابلس أوائل الشهر الجاري، حين قالت المنقوش بوضوح “ندعو تركيا من فوق هذا المنبر إلى أن تتخذ خطوات لتنفيذ كافة مخرجات مؤتمر برلين وقرارات مجلس الأمن، والتعاون مع الحكومة الليبية فيما يتعلق بإنهاء وجود كافة القوات الأجنبية والمرتزقة على الأراضي الليبية؛ حفاظًا على سيادة الليبيين”. هذا الموقف الذي تكرر سابقًا من المنقوش، جعلها عرضة لانتقادات مكثفة من الفصائل والشخصيات الموالية لتركيا في الداخل الليبي، تكثفت بشكل أكبر بعد التصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها مؤخرًا وزير الدفاع التركي من طرابلس.

عقب جلسة المباحثات المشتركة بين الجانبين، عقد كل من الوزير سامح شكري والوزيرة نجلاء المنقوش مؤتمرًا صحفيًا لعرض أبرز ما تم تناوله خلال المباحثات، وقال الوزير شكري إنه تم الاتفاق على تعزيز التواصل والتعاون المشترك بين مصر وليبيا خلال المرحلة المقبلة، بما يترجم الإرادة السياسية لقيادتي كلا البلدين، الدافعة نحو جعل هذا التعاون واقع ملموس على الأرض في كافة المجالات. 

وجدد شكري دعم القاهرة للسلطة السياسية الجديدة في ليبيا، المتمثلة في حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي، وكذا جهود الليبيين الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار في كامل التراب الليبي، وتنفيذ كافة مراحل خارطة الطريق السياسية المنبثقة عن ملتقى الحوار الليبي المؤدية إلى عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية أواخر العام الجاري، بمشاركة كافة الليبيين، ودعم خروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا دون مماطلة أو تسويف.

وأضاف الوزير شكري أنه تباحث مع الوزيرة الليبية حول التحضيرات الأخيرة لمؤتمر “برلين-2″، واتفق معها على ضرورة خروج المؤتمر بنتائج واضحة تجدد التزام المجتمع الدولي وكافة القوى الفاعلة داخل وخارج ليبيا، بتنفيذ كافة الاستحقاقات السياسية، وخروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة مع الأراضي الليبية، وهي جميعها ملفات سوف تساهم في حالة تنفيذها في عبور ليبيا نحو مستقبل أفضل ومزدهر. 

واختتم شكري كلمته بالتأكيد على أن المحادثات مع الوزيرة المنقوش تناولت كافة القضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين، وسبل وقف التدخلات الخارجية في الشؤون العربية، وأعرب عن ترحيبه بالوزيرة الليبية في مصر، وتطلعه للتعاون معها مستقبلًا من أجل نقل العلاقات بين مصر وليبيا إلى آفاق أوسع.

من جانبها، أعربت الوزيرة الليبية عن سعادتها بزيارة مصر التي يتمتع شعبها مع الشعب الليبي بتاريخ مميز وعلاقات أخوية صادقة، تتجاوز مجرد العلاقات الدبلوماسية، إلى وحدة المصير والترابط الجغرافي بين البلدين، وأعربت عن تطلعها لاستمرار الدعم المصري من أجل إيصال ليبيا إلى بر الأمان على كافة المستويات. وعبّرت الوزيرة المنقوش أيضًا عن سعادتها لانعقاد اللجنة القنصلية الليبية المصرية المشتركة بعد توقف لسنوات طويلة، وكذلك لوصول وفد مصري إلى ليبيا للإشراف على إعادة فتح السفارة المصرية في طرابلس، والقنصلية في بنغازي، وأعربت عن أملها في انعقاد قريب للجنة المصرية الليبية العليا، وفي تعيين متبادل للسفراء بين كلا الدولتين.

وثمنت المنقوش في كلمتها الدور المصري الداعم للمؤسسات الليبية، والضاغط في اتجاه دعم استقرار وسيادة وأمن ليبيا، وذكرت أنها تناولت في مباحثاتها مع الوزير شكري الملفات الليبية التي سيتم تناولها في مؤتمر “برلين-2″، وكذلك سبل تحقيق مخرجات المؤتمر الأول في برلين، وعلى رأسها توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وإخراج كافة القوات الأجنبية من البلاد. كذلك تحدثت الوزيرة الليبية عن مناقشتها مبادرة “إنقاذ ليبيا” مع الوزير شكري، وهي مبادرة ليبية بدعم دولي، سيتم طرحها في مؤتمر برلين القادم، من أجل ضمان تنفيذ مخرجات هذا المؤتمر والمؤتمر السابق له، وكذلك قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، عبر جدول زمني واضح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى