كورونا

فورين بوليسي.. مستقبل الاقتصاد العالمي ما بعد كورونا

عرض – محمد منصور

تناولت مجلة فورين بوليسي الأمريكية، ضمن عددها الصادر هذا الشهر، توقعات عدد من خبراء الاقتصاد الدوليين لمستقبل الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد وباء كورونا، وهي مرحلة يتوقع العديد من المحللين أن تتضمن تغييرات جذرية في الأنظمة السياسية والاقتصادية حول العالم، لن تظهر ملامحها بشكل واضح ومكتمل إلا في السنوات المقبلة.

هذه التوقعات تحاول الإجابة على مجموعة من الأسئلة الأساسية المتعلقة بالمستقبل الاقتصادي القريب، فهل ستعود الأعمال التجارية والصناعية حول العالم إلى سابق عهدها؟، وهل سيستعيد ملايين الناس حول العالم وظائفهم التي فقدوها من جراء تفشي هذا الوباء؟، هل تعود مرة أخرى حركة السفر الجوي والبحري بين دول العالم؟، هل سيكون تدفق الأموال من البنوك المركزية والحكومات كافيًا، للحيلولة دون دخول العالم في حالة ركود اقتصادي؟

الحاجة لخلق توازن بين العولمة والاعتماد على الموارد الذاتية

البداية هي مع جوزيف ستيجليتز، أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، الذي يرى أن أزمة فيروس كورونا، عكست واقعًا تجادل الاقتصاديون حول العالم لسنوات طويلة بشأن وجوده، فقد اعتادوا على السخرية من دعوات البعض لمزيد من الإجراءات الداخلية لتأمين الطاقة والموارد الغذائية في بلدان العالم، وقد استند الاقتصاديون في هذه السخرية على أنه في ظل العولمة، لم تعد هناك قيمة فعلية للحدود بين الدول، وبالتالي تستطيع كل دولة تأمين ما ينقصها من احتياجات عن طريق الاستيراد من دول أخرى.

هذا المنطق تعرض فجأة لضربة قوية بفعل تأثيرات فيروس كورونا، حيث فجأة باتت الحدود بين الدول أكثر قيمة وأهمية من السابق، بعد أن تقوقعت كل دولة على نفسها، واحتفظت بما تمتلكه من معدات ومستلزمات طبية، وباتت كل منها تسعى لإنتاج المزيد داخليًا، دون النظر إلى احتياجات الدول الأخرى.

المعضلة الأساسية هنا، أن هذه الدول كانت قد كونت على مدى سنوات مضت، سلاسل للتصنيع والتوريد، تم تأسيسها على أساس أن تكون قادرة على تلبية المستويات المعتادة من الاحتياجات الداخلية، لكن بعد أن تزايدت هذه المعدلات بسبب أزمة الفيروس الحالية، بات من الواضح أن هذه السلاسل تفتقر إلى المرونة والتنوع، وهو ما أسفر عن نقص حاد في عدد من المواد والمنتجات الأساسية، على رأسها المنتجات المتعلقة بالمجال الطبي والصحي.

من الأسباب الموضوعية لهذا الواقع، عدم وعي العالم لدروس الأزمة المالية العالمية عام 2008، فهذه الأزمة ضربت النظام المالي الدولي بشكل موجع، بعد أن تسبب تذبذب أسعار العقارات في الكشف عن عيوب هذا النظام، الذي كان ناجعًا في امتصاص الصدمات الاقتصادية المحدودة، لكنه كان هشًا حيال الهزات الاقتصادية الكبيرة، فكان حري بنا أن نقوم بتعديل أنظمتنا الاقتصادية من بعد هذه الأزمة، لتصبح أكثر مرونة.

لهذا، يجب أن يكون النظام الاقتصادي الجديد، الذي سنقوم ببنائه عقب انتهاء تفشي فيروس كورونا، أكثر مرونة وحساسية، وأكثر أدراكًا لواقع جديد، مفاده أن العولمة الاقتصادية تجاوزت بمراحل العولمة السياسية، ولهذا يجب على جميع الدول أن تسعى لتحقيق توازن مستقر، ما بين الاستفادة من العولمة الاقتصادية، وبين ضرورة الاكتفاء الذاتي على مستوى التصنيع والإنتاج المحلي.

نافذة للتغيير فتحتها أجواء كورونا الشبيهة بزمن الحروب

روبرت شيللر، أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة ييل، والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2013 يرى أن فيروس كورونا المستجد خلق أجواء مماثلة للأجواء التي تسود الدول في زمن الحروب، مع أن العدو هنا هو فيروس وليس قوة بشرية. هذه الأجواء يصبح خلالها جائزًا وممكنًا حدوث تغييرات أساسية جذرية في بنية المجتمعات والدول.

هذه الأجواء تنشر، بالإضافة إلى المعاناة وقصص البطولة، الحاجة إلى التضامن والتعاون بين الدول والأفراد، نتيجة لأن العدو الذي يتهددهم هو عدو مشترك، وبالتالي من الجائز أن يشعر أولئك القاطنون في الدول المتقدمة، بتعاطف متزايد مع معاناة أولئك القاطنين في الدول الفقيرة والنامية، نظرًا إلى أن كلا الطرفين يتشاركان نفس التجربة والمعاناة، وبالتالي يقترب الجميع أكثر من بعضهم البعض، ليبدو العالم أصغر مما هو عليه، وأكثر حميمية.

تفشي الفيروس فتح أيضًا نافذة أمل، في أن يتم تأسيس وتكوين مؤسسات وبنى تحتية جديدة، مؤهلة للتعامل الفعال مع كوارث مماثلة، واتخاذ تدابير أكثر نجاعة، فيما يتعلق بتوزيع الثروات والعدالة الاجتماعية، وربما تكون الإعانات المالية العاجلة التي قدمتها العديد من الحكومات للعاطلين، هي مسار جديد يتم فيه إصلاح وتطوير طرق إدارة الدخل القومي للدول.

في الولايات المتحدة، ربما أعطى تفشي الفيروس دفعة كبيرة من أجل إصلاح نظام التأمين الصحي وتحسينه وجعله أكثر شمولًا لمعظم قطاعات الشعب. إذن بما أننا جميعًا على نفس الجبهة في هذه الحرب، فإننا قد نجد في هذه اللحظة المعاشة، دوافع عديدة للشروع في بناء مؤسسات دولية جديدة، تسمح بمشاركة أفضل للمخاطر بين البلدان، ففي النهاية الفيروس سينتهي، لكن ستبقى هذه المؤسسات لتعالج آثاره، وتؤسس لاستعداد عالمي متقن، لما قد يأتي لاحقًا من كوارث مماثلة.

الخطر الحقيقي يكمن في استغلال السياسيين لمخاوف الناس

جيتا جوبيناث، كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، ترى من جهتها، أن سلسلة التداعيات المؤسفة التي طرأت من تفشي الفيروس، مثل أعداد الوفيات المتزايدة، وشلل التبادل التجاري المحلي والدولي، والصراع على المستلزمات والمعدات الطبية حتى بين الحلفاء، ناهيك عن أكبر انكماش اقتصادي عالمي يتم تسجيله منذ عام 1930، كلها تداعيات كشفت بجلاء عن هشاشة وعيوب الحدود المفتوحة بين الدول. وإذا كان التأييد المتوفر للاقتصاد العالمي المتكامل قد بدأ بالفعل في الانخفاض قبيل بدء تفشي فيروس كورونا، إلا انه من المحتمل أن يسرع هذا الفيروس من وتيرة عمليات إعادة تقييم الآثار السلبية والإيجابية للعولمة.

فقد شهدت الشركات التجارية الكبرى، العاملة ضمن سلاسل الإنتاج والتوزيع المحلية والدولية، على تأثير الترابط المالي فيما بينهما، والخسائر المشتركة التي تكبدتها نتيجة إجراءات العزل والحجر وحظر التجوال وغيرها، وبالتالي من المرجح أن تضع هذه الشركات مستقبلًا في اعتبارها المخاطر الثانوية والفرعية التي تتهدد مصالحها، ومن ثم سيؤدي هذا إلى تأسيس شركات وخطوط إنتاج وتوزيع أكثر قوة واستقرارًا وأكثر ارتباطًا بالأسواق المحلية، وأقل ارتباطًا بالأسواق الإقليمية والدولية.

في الأسواق الناشئة التي ضمن لها تبنيها للعولمة تدفقات ثابتة لرؤوس الأموال على أراضيها، فإننا نخاطر برؤية إعادة فرض ضوابط لتداول وإنفاق واستثمار رأس المال، في وقت تتدافع فيه هذه البلدان، لحماية اقتصادها من المخاطر الناتجة عن الجمود الاقتصادي المفاجئ. وحتى مع ظهور تدابير الاحتواء تدريجيًا في جميع أنحاء العالم، ستظل احتمالية قيام الأفراد والمجموعات بتقييم المخاطر ذاتيًا، وبالتالي يحجمون عن السفر إلى الخارج خشية الإصابة بالفيروس، وبالتالي يستمر انعدام التواصل بين الدول بشكل يعاكس تمامًا لحركة التنقل المتزايدة منذ نحو 50 سنة على مستوى العالم.

ومع كل ما سبق، يبقى الخطر الحقيقي متمثلًا في احتمالية تضخيم السياسيين، لعزوف بعض الشركات والأوساط الشعبية والاقتصادية عن العولمة وتطبيقاتها، استغلالًا منهم للمخاوف من حرية الحركة في الحدود المفتوحة بين الدول، وذلك بأن يتخذوا عدة إجراءات استثنائية، من عينة فرض قيود على التجارة الخارجية والتصدير بحجة الحفاظ على الاكتفاء الذاتي، أو تقييد حرية حركة الأشخاص، بزعم الحفاظ على الصحة العامة. الوصول إلى هذه النتيجة أو تلك، هو رهن سلوك وتفكير قادة الدول حول العالم في المرحلة المقبلة.

مسمار آخر في نعش العولمة

كارمن رينهارت، أستاذة التمويل الدولي في كلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد، ترى من جهتها أن الحرب العالمية الأولى، وما تبعها من ركود اقتصادي طال معظم الدول الأوروبي، كانت إيذانًا بزوال المرحلة السابقة من مراحل العولمة. وبصرف النظر عن عودة الحواجز التجارية والضوابط الحاكمة لرأس المال، هناك تفسير موضوعي لزوال هذه المرحلة، وهو حقيقة أن أكثر من 40 في المائة من الدول في ذلك الوقت، عجزت عن سداد ديونها الداخلية والخارجية، مما أدى إلى انقطاع معظمها عن حركة أسواق المال العالمية، حتى خمسينيات القرن الماضي أو بعد ذلك بكثير.

أما بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، كان نظام بريتون وودز المالي الجديد، يجمع ما بين فرض ضوابط صارمة على التمويلات المحلية، وفرض ضوابط واسعة النطاق على تدفقات رأس المال الخارجية، مع تشابهات محدودة مع الحقبة السابقة فيما يتعلق بحالة التجارة والتمويل العالميين. قد تكون فترات الركود الناجمة عن وباء كورونا عميقة وطويلة الأمد، وكما كان الحال في ثلاثينيات القرن الماضي، من المرجح أن تتصاعد حالات تخلف الدول عن تسديد التزاماتها الداخلية والخارجية.

صاحب تصاعد الأزمة المالية في الفترة ما بين عامي 2008 و2009، سلسلة من الصدمات التي تعرض لها مسار العولمة على المستوى الدولي، منها أزمة الديون الأوروبية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. يضاف إلى ذلك صعود الشعبوية في العديد من البلدان، وهو الذي يجعل الكفة تميل حاليًا نحو الاكتفاء الذاتي والاهتمام بالداخل.

فيروس كورونا يعد الأزمة الأولى التي تجتاح اقتصادات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، عقب ركود الثلاثينات الاقتصادي. وفي مثل هذه الظروف، تلقى الدعوات لتقييد حركة التبادل التجاري وتدفقات رأس المال على المستوى الدولي قبولًا واسعًا، ومن المرجح أن تستمر مخاوف الدول بشأن الاكتفاء الذاتي من الضروريات والمرونة، حتى بعد تمكنها من السيطرة على الفيروس،  (وهي عملية تبدو طويلة الأمد). وأخيرًا، قد لا تعيدنا البنية المالية في فترة ما بعد كورونا إلى أجواء مشابهة لفترة منظومة بريتون وودز التي سبقت بدء انتشار العولمة، لكن الأكثر احتمالًا هو أن يكون الضرر الذي لحق بالحركة التجارية المالية والدولية من جراء تفشي الفيروس، ضررًا واسعًا ودائمًا.

وباء كورونا جعل الظروف الاقتصادية الدولية أسوأ مما كانت

آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، يرى أن وباء كورونا سيؤدي إلى تفاقم أربعة عوامل موجودة بالفعل في الاقتصاد العالمي، ستبقى هذه العوامل قابلة للمعالجة من خلال إجراءات مالية جراحية، لكن في غياب هذه الإجراءات، ستتعرض هذه العوامل إلى أضرار مزمنة ومدمرة.

العامل الأول، هو الركود العالمي، وهو مزيج من انخفاض معدل نمو الإنتاج المحلي، ونقص عوائد الاستثمار الخاص، والاقتراب من الانكماش الاقتصادي. هذا الوضع سيتعمق أكثر مع عزوف الناس عن القيام بأية مجازفة مالية، وتفضيلهم الحفاظ على مدخراتهم في فترة ما بعد الوباء، مما سيضعف بالتبعية معدلات الطلب والتصنيع.

العامل الثاني، تتسع فيه الفجوة، بين الدول المتقدمة (إلى جانب عدد قليل من الأسواق الناشئة في الدول النامية)، وبين بقية دول العالم، فيما يتعلق بمرونتها في التعامل مع الأزمات الطارئة.

العامل الثالث، سيظل فيه العالم معتمدًا بشكل أساسي على الدولار الأمريكي في التمويل والتجارة، وهذا يعود جزئيًا إلى تنامي الرغبة في البقاء في خانة آمنة، بمعزل عن المخاطر الاقتصادية التي تكتنف اقتصادات الدول النامية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت أقل جذبًا للمستثمرين، إلا أن الولايات المتحدة ستبقى وجهة استثمار أساسية بالمقارنة بدول أخرى حول العالم، مما سيخلق حالة دائمة من عدم الرضا. العامل الرابع والأخير، سيدفع فيه تزايد التزام الدول تجاه اقتصادها المحلي، الحكومات إلى عزل اقتصاداتها عن بقية العالم، وبرغم أن هذه الخطوة لن تضمن أبدًا لهذه الحكومات تحقيق الاكتفاء الذاتي ولو حتى بشكل جزئي، لكنها ستعزز من العاملين الأولي والثاني، وستقلل من شعبية العامل الثالث.

ينتظر العالم أكثر من أي وقت مضى الحلول من محافظي البنوك المركزية

سوار براساد، أستاذ السياسة التجارية بجامعة كورنيل، وكبير زملاء معهد بروكينجز، يرى أن (المذبحة) الاقتصادية والمالية التي أسفر عنها تفشي وباء كورونا، يمكن أن تترك جروحًا غائرة في بنية الاقتصاد العالمي. البنوك المركزية من جانبها، بدأت في اتخاذ إجراءات لمواجهة هذا التحدي، تختلف تمامًا عما تنص عليه ضوابطها وقواعدها السابقة، فقد عزز بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الأسواق المالية عن طريق شراء الأصول وتقديم سيولة مالية بالدولار الأمريكي إلى البنوك المركزية الأخرى. أما البنك المركزي الأوروبي، فقد أعلن أنه لا توجد حدود لما يمكن أن يقدمه من دعم لليورو، وأعلن عن قيامه بعمليات شراء ضخمة، للسندات الحكومية المختلفة، والشركات والأصول الأخرى. بنك إنجلترا بات حاليًا يمول الإنفاق الحكومي البريطاني بصورة مباشرة، كما أن بعض البنوك المركزية في الأسواق النامية، مثل البنك المركزي الهندي، تفكر حاليًا في اتخاذ إجراءات استثنائية.

من ناحية أخرى، أثبت تنفيذ الحكومات لحزم التحفيز المالي، أنها عملية معقدة من الناحية السياسية، ومرهقة على المستوى العملي، وغالبًا ما يكون من الصعب تحديد ما هو الموضع الأمثل لتنفيذ هذه الحزم. البنوك المركزية، التي كانت فيما مضي أكثر حذرًا وتحفظًا، أظهرت خلال هذه الأزمة قدرتها على التعاطي بجرأة وفعالية مع تداعيات ظروف طارئة مثل الظروف الحالية، وكذا قدرتها على التعاون والتنسيق فيما بينها، حتى وأن كانت نوايا التعاون على المستوى الدولي، غائبة عن أذهان رؤساء الدول والحكومات. إذن رسخت البنوك المركزية الآن ولفترة طويلة قادمة مكانتها كخط دفاع أساسي ومتقدم ضد تداعيات الأزمات الاقتصادية والمالية، وعليها أن تكون مستعدة للأعباء التي يفرضها هذا الدور الجديد.

لن يعود الاقتصاد العالمي إلى ما كان عليه قبل كورونا

آدم تووز، أستاذ التاريخ، ومدير المعهد الأوروبي بجامعة كولومبيا، يرى أنه بالمقارنة مع الأوضاع الاقتصادية في الأعوام 1914 و1929 و1941، وبين الوضع الحالي عقب بدء عمليات الإغلاق والعزل، سيتضح بجلاء أن الوضع الحالي غير مسبوق تاريخيًا، وأن عوامل جديدة ظهرت خلال الأزمة الحالية. فالتداعيات الاقتصادية لتفشي الفيروس لا يمكن حسابها بشكل دقيق، والعديد من الدول أصبحت في وضع تواجه فيه صدمات اقتصادية أكثر عنفًا وفداحة من ما كانت تواجهه في السابق، خاصة في قطاعات اقتصادية مثل محال السوبر ماركت ومتاجر التجارة بالتجزئة، التي كانت تتعرض بالفعل لضغوط تنافسية شديدة من المتاجر الإلكترونية، والآن تواجه تحدي أكبر في ظل احتمالات تحول عملية الإغلاق المؤقت إلى إغلاق نهائي، وحينها لن يتم فتح العديد من المتاجر المغلقة، وبالتبعية سينضم آلاف الأشخاص إلى طوابير البطالة، وهذا يضاف إلى مخاطر جدية يواجهها ملايين العمال وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، وعائلاتهم بالطبع. المعادلة أصبحت أنه كلما طالت مدة الإغلاق كلما أصبحت الأضرار الاقتصادية أكثر عمقًا، وكلما أصبحت احتمالات الانتعاش المستقبلي أكثر تباطؤًا.

ما اعتقد الخبراء أنهم يعرفونه خير المعرفة، بشأن مبادئ الاقتصاد والتمويل الدولي، قد تزعزع بشكل جذري. منذ صدمة الأزمة المالية عام 2008، فحينها دارت مناقشات مستفيضة، حول الحاجة إلى تبديد حالة عدم اليقين من التداعيات الاقتصادية المستقبلية، الآن بتنا نعلم جيدًا ماهية هذه التداعيات وتأثيرها. على أثر ذلك، بتنا حاليًا نشهد أكبر جهد مالي مشترك منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن من الواضح أن هذا الإجراء لن يكون كافيًا، خاصة في ظل بعض الجدل حول الإجراءات غير المسبوقة، التي تقوم بها البنوك المركزية، للتعامل مع التداعيات الاقتصادية المتراكمة. 

خلاصة القول، أنه إذا كانت استجابة الشركات والمؤسسات الاقتصادية لتداعيات هذا الفيروس، تكمن في تجنب المخاطرة المالية، واللجوء إلى إجراءات تأمينية تحافظ على رأس المال، فسيؤدي هذا إلى تفاقم الركود الاقتصادي، وإذا كانت استجابة القطاعات الشعبية للديون المتراكمة من الأزمة الحالية يتمثل في إجراءات تقشفية، فإن ذلك سيجعل الأمور أسوأ. من المنطقي أن ندعو بدلًا من ذلك إلى تصعيد النشاط الحكومي، وتوسيع مدى الرؤية السياسية للقيادات الحاكمة، من أجل تحديد الطرق الأسلم للخروج من هذه الأزمة بأقل خسائر ممكنة.

العديد من الوظائف المفقودة لن تعود أبدًا

لورا تايسون، الأستاذة بكلية هاس للأعمال بجامعة كاليفورنيا، والرئيسة السابقة لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ترى أن تداعيات هذا الوباء والانتعاش الاقتصادي الذي سيتبعه، سيؤديان إلى تسريع معدلات تطبيق الرقمنة وأتمتة أنظمة الإنتاج والتشغيل، وهي الاتجاهات التي أدت خلال العقدين الماضيين، إلى التأكل التدريجي لأعداد الوظائف التي تتطلب مهارات شخصية متوسطة، وزيادة أعداد الوظائف التي تتطلب مهارات شخصية عالية، وساهمت كذلك في ركود معدلات الأجور المتوسطة وزيادة الفوارق في الدخل.

التغيرات في معدلات الطلب بالأسواق المحلية، والتي تسارعت بسبب الاضطراب الاقتصادي الذي أحدثه الوباء، تساهم في التكوين المستقبلي لشكل الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، وسوف تستمر كذلك حصة الخدمات في إجمالي الأنشطة الاقتصادية في الارتفاع، لكن حصة الخدمات الشخصية ستنخفض في أنشطة مختلفة مثل تجارة التجزئة، والفندقة، والنقل، والتعليم، والرعاية الصحية، حيث ستؤدي الرقمنة إلى تغييرات جذرية في طريقة تنظيم هذه الخدمات وتقديمها.

العديد من الوظائف ذات الأجور المنخفضة والمهارات المحدودة، خاصة تلك التي تقدمها الشركات الصغيرة، لن تعود مع إتمام التعافي النهائي من تأثيرات تفشي الوباء، ومع ذلك، سيزداد الطلب على تشغيل العمال الذين يقدمون الخدمات الأساسية مثل الشرطة، وإطفاء الحرائق، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية، والنقل العام، والمطاعم، مما قد يخلق فرص عمل جديدة، ويزيد من الضغوط لزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل والمكتسبات الإضافية في هذه القطاعات ذات الأجور المنخفضة.

كما سيسرع الانكماش الاقتصادي، من نمو العمالة المؤقتة غير المستقرة، واليدوية العاملة بدوام جزئي، مما سيؤدي إلى نشوء تبادل متنقل للمنافع، تترافق مع الحركة الدائمة لهذه العمالة، وستكون هناك حاجة إلى تأسيس برامج تدريب جديدة منخفضة التكلفة، يتم تقديمها عبر الوسائط الرقمية، وذلك من أجل توفير المهارات المطلوبة في الوظائف الجديدة. الاعتماد المفاجئ للعديد من الناس على تطبيقات العمل عن بُعد، ذكرت الجميع بأن التوسع الكبير والشامل في نشر شبكات الواي فاي والبرودباند، والبنيات التحتية الرقمية الأخرى، سيكون ضروريًا لتمكين تسريع رقمنة النشاط الاقتصادي.

الصين تتصدر التيار الجديد للعولمة

كيشور محبوباني، زميل معهد آسيا للبحوث بجامعة سنغافورة الوطنية، يرى أن فيروس كورونا سوف يسرع من التغيير الذي بدأ بالفعل، والذي فيه يتم الانتقال من العولمة التي تركز على الولايات المتحدة إلى عولمة أكثر تركيزًا على الصين. من أسباب استمرار هذا الاتجاه، فقدان الشعب الأمريكي ثقته بالعولمة والتجارة الدولية، وفي اتفاقيات التجارة الحرة، في المقابل لم تفقد الصين إيمانها بهذه النقاط، ولذلك أسباب تاريخية أعمق، فالقادة الصينيون باتوا يعلمون جيدًا، أن حقبة الإذلال الذي عاشته الصين في الفترة ما بين عامي 1842 و1949، كانت نتيجة لتهاون قادتها في مد أواصر التواصل بينها وبين بقية دول العالم.

على النقيض من ذلك، تسبب التفاعل والتبادل مع دول العالم، في الانتعاش الاقتصادي الصيني الذي اتسمت به العقود القليلة الماضية، كما قطف الشعب الصيني في هذه الفترة، ثمار الثورة الثقافية، وباتوا على ثقة أنهم قادرون على المنافسة في أي مكان. بناء على ما سبق، أصبح أمام الولايات المتحدة خياران إذا كان هدفها الأساسي هو الحفاظ على التفوق العالمي، الأول سيتعين عليها فيه، الانخراط في منافسة جيوسياسية – سياسية- اقتصادية، مع الصين. الخيار الثاني، إذا كان هدف الولايات المتحدة هو تحسين رفاهية الشعب الأمريكي، الذي تدهورت حالته الاجتماعية، فعليها أن تتعاون مع الصين بشكل كامل مع الصين، وذلك من أجل مصلحة البلدين، ومصلحة الولايات المتحدة بصفة خاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى