ليبيا

سيناريوهات معقدة… ليبيا والمسير نحو استحقاق يونيو

خلال الأسبوعين الماضيين وعقب محاولة الدخول “غير الناجحة” إلى طرابلس من جانب رئيس الحكومة الليبية المكلف من مجلس النواب فتحي باشاغا، شهد الملف الليبي تطورات متسارعة على المستويين السياسي والأمني، في مشهد يبدو فيه الجميع في الداخل الليبي -وربما الخارج أيضًا- في طور الاستعداد لمشهد النهاية في خارطة الطريق الحالية، والتي تنتهي عمليًا في الثاني والعشرين من الشهر الحالي. وهو مشهد ذو ملامح بعيدة كل البعد عن أي ملامح مبشرة بقرب حدوث اختراق ما يقرب الليبيين أكثر من استحقاق انتخابي سبق وأن تم تأجيله أواخر الشهر الماضي، لأسباب لا يبدو أنها غائبة أيضًا عن المشهد الحالي.

خلال هذه الفترة دخل الميدان الليبي في خضم تجاذبات واستقطابات كرست حالة “الانقسام الحكومي والمؤسسي”، الذي شهدته البلاد سابقًا وعادت إليه مرة أخرى بعد سحب مجلس النواب الثقة من حكومة عبد الحميد الدبيبة، ومنحها لحكومة فتحي باشاغا. هذه الحالة ترافقت أيضًا مع محاولة أساسية لتحقيق التوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهي اجتماعات بحث المسار الدستوري التي استضافتها مصر خلال الفترة الماضية، واختتمت جولتها الثانية منتصف الشهر الماضي، على أمل عقد الجولة الثالثة في وقت لاحق من الشهر الحالي.

تبدو اجتماعات القاهرة، عمليًا، بمثابة الفرصة الأهم -وربما الأخيرة في المدى المنظور- لتحقيق توافق حقيقي وواضح بين كلا المجلسين، في ظل محاولة بعض الأطراف الداخلية والخارجية إيجاد مسارات بديلة لهذا المسار، مثل محاولات عبد الحميد الدبيبة، وكذا محاولات ومواقف بعض الدول التي دخلت على الخط الليبي بشكل أكبر مؤخرًا، مثل إسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة.

توافق نسبي في القاهرة بين لجنتي النواب ومجلس الدولة

أجواء من التوافق النسبي بدت خلال الجولة الثانية من اجتماعات المسار الدستوري التي جمعت في القاهرة بين لجنة ممثلة لمجلس النواب ولجنة أخرى من المجلس الأعلى للدولة بين الخامس عشر والعشرين من الشهر الماضي، بهدف أساسي وهو التوافق على قاعدة دستورية مستقاة من المسودة الحالية للدستور، تصلح كأساس قانوني للانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة. 

اتفقت كلا اللجنتين بشكل كامل على عدد يتراوح بين 137 و140 مادة من مواد مسودة الدستور، وهي معظم مواد الأبواب الأول والثاني والثالث والرابع من المسودة، وقد تلا ذلك تشكيل لجنة مصغرة مشتركة، أعدت صياغة توافقية لنصوص المواد المتفق عليها، وأحالتها إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإقرارها، انتظارًا لبحث ما تبقي من مواد دستورية في الجلسة المقبلة للمسار الدستوري المتوقع عقدها في الثاني عشر من الشهر الجاري.

رغم هذه الأجواء الإيجابية، والتي بسببها أعربت مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز، عن شكرها وامتنانها للقاهرة بسبب توفيرها المناخ المناسب لإحداث هذا التوافق، إلا أن واقع الحال ان لجنتي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة قد توافقتا على المواد التي لا خلاف أساسًا عليها، وقامت بتبادل وجهات النظر حول المواد الخلافية البالغ مجموعها 57 مادة، مع تأجيل البت فيها إلى الاجتماع القادم. 

أهم هذه المواد هي ما يخص آليات الحكم المحلي، ومقر السلطتين التشريعية والتنفيذية ومهامهما، والمادة 183 الخاصة بالأحكام الانتقالية لانتخاب رئيس الدولة والبرلمان، ومواد أخرى خاصة بماهية نظام الحكم واختصاصات رئيسي الدولة والحكومة، ومهام المؤسسات الأمنية والعسكرية، بجانب خلاف رئيس يتعلق بالهيئات التشريعية المقترحة، والتي تتكون من مجلسين -مجلس شورى ومجلس نواب- إذ يدور خلاف حول ما إذا كانت انتخابات مجلس الشورى ستتم على غرار انتخابات مجلس النواب التي تستند إلى نظام الدوائر الانتخابية، أو على نظام تمثيلي إقليمي يتم فيه ترجيح عدد ممثلي منطقة معينة ديموغرافيا، وهي جميعها مواد مفصلية دارت حولها خلافات عميقة منذ سنوات.

لهذا يمكن اعتبار الجولة المقبلة من المشاورات الخاصة بالمسار الدستوري هي الفرصة الأكبر والأوضح لتحقيق التوافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، وإن كانت فرص حدوث هذا التوافق -بالنظر إلى طبيعة المواد السالف ذكرها- تبدو غير كبيرة، إلا أن هذا المسار في حالة مقارنته بمحاولات اخرى لإحداث توافق بين الجانبين يبدو أكثر واقعية، رغم قلة حظوظ نجاحه. الهيئة التأسيسية للدستور من جانبها، ورغم تأكيد اللجنتين اللتين اجتمعتا في القاهرة، على أنهما لا تناقشان مشروع الدستور لكن يستقون منه موادًا يتم من خلالها تشكيل قاعدة دستورية للانتخابات، إلا أن الهيئة رفضت بشكل كامل هذه الاجتماعات وكل ما يصدر عنها من مخرجات.

جدير بالذكر هنا، أن القاهرة تضع رعايتها لمسار إعادة الأعمار بشكل متوازٍ مع رعايتها المسار الدستوري؛ ففي أواخر الشهر الماضي، عقد رئيس المجلس الذي يدير شؤون بلدية مدينة بنغازي شرقي ليبيا لقاءً موسعًا مع وفد يمثل عدة شركات مصرية، تم فيه بحث ما يمكن أن تقدمه هذه الشركات من خدمات لإعادة تأهيل البنية التحتية في المدينة، خاصة خطوط مياه الشرب والصرف الصحي. 

هذا الاجتماع يأتي تمهيدًا لمعرض “شركاء العمران من أجل إعادة إعمار ليبيا”، والذي ستقيمه مصر في مدينة بنغازي خلال النصف الأخير من الشهر الجاري، بهدف إطلاق عملية إعمار مدينتي بنغازي ودرنة بشكل متزامن، استثمارًا للقدرات المصرية الهائلة في مجال إعادة الإعمار، وحصولها سابقًا على مناقصات إقامة أهم المشروعات الليبية الجارية حاليًا، وعلى رأسها الطريق الدائري الثالث في العاصمة، ومحطة كهرباء مدينة درنة.

اجتماعات القاهرة، تزامنت مع اجتماعين مهمين، احتضنت الأول المملكة المغربية، وضم ضباطًا ليبيين من عدة مناطق مثل الزاوية ومصراته وطرابلس والمنطقة الشرقية، وهو اجتماع كانت أجندته غير واضحة بعض الشيء، لكن تشير التقديرات المتوفرة أنه أستهدف التأكيد على سريان وقف إطلاق النار في عموم البلاد. أما الاجتماع الثاني فاحتضنته مدينة “طليطلة” الإسبانية، في الثالث والعشرين من الشهر الماضي، جمعت فيه مستشارة الأمين العام ستيفاني ويليامز كلًا من أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة “5+5″، ورئيس أركان حكومة الوحدة الوطنية، ووزير الداخلية في نفس الحكومة، وعضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، وتم خلال هذا الاجتماع مناقشة بنود برنامج نزع سلاح الميليشيات وإعادة دمج عناصرها في المجتمع المدني. كلا الاجتماعين اتسما بتوقيت لافت، بدا منه أن كلًا من الرباط ومدريد تريدان إثبات وجودهما في المعادلة الليبية في هذه المرحلة.

تموضع حكومة باشاغا في سرت

كان متوقعًا، بحكم أحداث طرابلس الشهر الماضي، أن تلجأ حكومة فتحي باشاغا إلى خيار اتخاذ مدينة سرت كمقر مؤقت لها كي تمارس مهامها من خلاله، وهو ما أعلنته الحكومة رسميًا في الحادي والثلاثين من الشهر الماضي، في نفس يوم انعقاد جلسة مجلس النواب، التي دعا إليها المستشار عقيلة صالح بجانب حكومة باشاغا كلًا من محافظ المصرف المركزي، ورئيس ديوان المحاسبة، ومدير مؤسسة النفط؛ لهدفين أساسيين: الأول هو مناقشة مخرجات مؤتمر القاهرة، والثاني مناقشة وإقرار ميزانية حكومة باشاغا.

دعوة صالح هذه الأطراف، خاصة محافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير، تمت رغم وجود قناعة بعدم حضورهم هذه الجلسة -بالنظر إلى اجتماعهم الشهر الماضي مع عبد الحميد الدبيبة- لكن تبدو هذه الخطوة بمثابة بداية ضغوط ستمارس على محافظ المصرف المركزي، إما كي يغير تموضعه الحالي، أو يسمح بإقرار الموازنة التي اقترحتها حكومة باشاغا والتي يعكف مجلس النواب حاليًا على دراستها، خاصة بند توحيد المرتبات.

وهنا لابد من التنويه أن المنطقة الشرقية تناور بورقة النفط وإيقاف تصديره، للضغط على محافظ المصرف المركزي، لتوفير اعتمادات مالية لحكومة باشاغا، التي تفتقر إلى الموارد الكافية في هذا الصدد، ولا تمتلك القدرة على الاقتراض من المصارف كما فعلت سابقًا حكومة عبد الله الثني، وبالتالي يبدو موقف المصرف المركزي أساسيًا في تحديد مصير حكومة باشاغا، التي بدأ تلويح بعض الأطراف، ومنها المجلس الأعلى للدولة، بإمكانية إنهاء وجودها ووجود حكومة الدبيبة، عن طريق التوافق على تشكيل حكومة جديدة، قد تكون مصغرة ومحددة المهام.

تصدعات في جبهة الدبيبة

على الجانب الآخر، ورغم استيعاب حكومة الدبيبة لصدمة محاولة باشاغا دخول العاصمة، تشير الوقائع إلى أن هذه المحاولة أحدثت تصدعات لافتة في البنية السياسية والأمنية الداعمة لحكومة الدبيبة، وأثارت قلاقل ربما تسهم في تهديد استقرار هذه الحكومة التي مازالت تحتفظ بالاعتراف الدولي وبالسيطرة على المؤسسات المالية الأساسية في البلاد. 

أول هذه التصدعات أصاب لجنة “عودة الأمانة للشعب”، وهي لجنة شكلها الدبيبة أواخر مارس الماضي من تسعة عشر عضو بهدف التمهيد لإنجاز المبادئ القانونية اللازمة لعقد الانتخابات، فقد استقال من هذه اللجنة حتى الآن أربعة أعضاء؛ بدعوى عدم وجود بوادر على إمكانية عقد الانتخابات التشريعية الشهر الجاري، في ظل الانقسام الحالي وعدم مبادرة حكومة الدبيبة بأي خطوات في هذا الصدد، ناهيك عن تقديمه خلال زيارته الأخيرة إلى الجزائر في أبريل الماضي مقترحًا بشأن عقد الانتخابات التشريعية على مراحل، وتفويض اللجنة المركزية للانتخابات البلدية بالإشراف عليها، وهو ما لا يوجد أي أساس قانوني داعم له.

التصدع الثاني في جبهة الدبيبة، كان أمنيًا بامتياز، ونتج عن قراره إقالة قائد ميليشيا النواصي، مصطفى قدور، من منصبه كنائب لرئيس جهاز المخابرات للشؤون الأمنية، وإعفاء مدير إدارة الاستخبارات العسكرية أسامة جويلي من مهام منصبه الذي تولاه في نوفمبر الماضي. هذين القرارين أحدثا ردود فعل لافتة في العاصمة طرابلس، أهمها رفض رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي قرار إقالة مصطفى قدور، الذي يحمل رتبة عقيد، وقيامه باستقباله في مقر ديوان المجلس الرئاسي، مؤكدًا أن قرارات الإقالة هي من اختصاصات المجلس الرئاسي وليس رئيس الحكومة. بعد هذا الموقف، حرك قدور وحدات تابعة له، وأعاد التمركز بالقوة في مقر جهاز المخابرات في منطقة “السبع” بالعاصمة.

أما بالنسبة لمدير الاستخبارات العسكرية السابق أسامة جويلي الذي تمت إقالته وغادر العاصمة، فقد بدا أنه يجهز لسيناريو أشبه بما حدث في العاصمة اللبنانية أبان الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن الماضي، فقد حرك وحدات تابعة له من منطقة الجبل الغربي نحو الجانب الجنوبي الغربي للعاصمة، في حين حركت الوحدات التابعة للدبيبة -وتحديدًا الكتيبة 301- وحدات في المنطقة الشرقية للعاصمة، تحت اسم “قوة دعم الدستور والانتخابات”. قبل تحرك وحدات الجويلي، أصدرت ميليشيا تابعة له تسمى “الدولة المدنية”، تتمركز في مدينة الزنتان، إنذارًا يحذر الدبيبة في حالة عدم تسليمه السلطة بحلول السادس والعشرين من الشهر الماضي. هذه التحركات دفعت الدبيبة إلى الاجتماع بعدد من قادة الميليشيات الموجودة داخل العاصمة، مثل الكتيبة “166” والكتيبة “301”.

التصدع الثالث يتعلق بتدهور الأوضاع الخدمية والأمنية في المنطقة الغربية بشكل متصاعد؛ إذ تعاني محطات الوقود في العاصمة من شح شديد في المشتقات النفطية، في ظل تأكيد رئيس الاتحاد العام لعمال النفط والغاز أن موانئ حوض الهلال النفطي ستظل ملتزمة بقرار ايقاف التصدير إلى حين تسليم الدبيبة السلطة. الإغلاق تسبب أيضًا في إعلان شركة سرت لإنتاج وتصنيع الغاز أنها ستقوم خلال أيام بوقف تزويد شركة الكهرباء بالغاز اللازم لتشغيلها.

التصدع الرابع يتعلق بموقف الأحزاب السياسية الممثلة لجماعة الإخوان المسلمين وهي حزبي “العدالة والبناء” و”الديموقراطي”، فقد بدا أن الأول ما زال على موقفه من حكومة الدبيبة، في حين غير الحزب الثاني، الذي يتزعمه القيادي في جماعة الإخوان، محمد صوان، من لهجته تجاه الدبيبة، وبدأ في مغازلة حكومة باشاغا، عبر مهاجمة محافظ البنك المركزي، والحديث عن امكانية عودة باشاغا إلى العاصمة مرة اخرى.

هذا كله يضاف إلى موجة من الاحتجاجات والاعتصامات، شملت قطاع التعليم الجامعي، حيث أعلن موظفو اثنتي عشرة جامعة ليبية، منها جامعة غريان والخمس وزليتن والبيضاء وبنغازي وطرابلس، دخولهم في اعتصام مفتوح إلى أن تنفذ حكومة الدبيبة قرارًا حكوميًا سابقًا صدر عام 2018 بزيادة مرتباتهم وإدخالهم في منظومة التأمين الصحي. 

كذلك اعتصم موظفو الشؤون المحلية بمصلحة الأحوال المدنية الليبية؛ رفضًا لقرار الدبيبة نقل تبعيتهم إلى وزارة الحكم المحلي بدلًا من وزارة الداخلية، فيرى الموظفون أن هذا القرار يستهدف منعهم من الاستفادة من الزيادة المقررة في رواتب العاملين بوزارة الداخلية. حتى المستفيدين من منحة الزواج، التي كانت من ضمن وسائل الدبيبة في الترويج لحكومته، تظاهروا في العاصمة احتجاجًا على تأخر تسلمهم مبالغ هذه المنحة.

أمنيًا، وبالإضافة إلى حالة الاستنفار المستمرة التي تشهدها العاصمة طرابلس، تشهد مدن الزاوية وصبراته ومصراته، حالة من الانفلات الأمني، وانتشار للجريمة وعمليات الاغتيال والخطف. على المستوى الحكومي، دبت الخلافات في ثنايا بعض الأجهزة الحكومية والأمنية، مثل جهاز “الشرطة القضائية”، الذي أعلن تعليق كافة أعماله بسبب نقص الموارد والإمكانيات، ووزارة النفط والغاز التي اتهم وزيرها مصطفى صنع الله، محمد عون -مجددًا- رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، بمخالفة القوانين المنظمة لقطاع النفط.

رغم هذه التصدعات، الا ان الدبيبة مستمر في مساره الحالي، عبر تأكيد تواصله مع بعض الأطراف الإقليمية والدولية، سواء عبر زيارته الجزائر، أو تواصله عبر الفيديو كونفرانس مع السفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند. وهنا تجدر الإشارة إلى ان موقف الجزائر من الحل في ليبيا أعلنه بوضوح الرئيس الجزائري خلال زيارته إلى إيطاليا منذ نحو أسبوع، ومفاده هو دعم إجراء الانتخابات التشريعية في ليبيا، دون الحديث عن الانتخابات الرئاسية. تبون أوعز للشركات الجزائرية ببحث إمكانية مساعدة طرابلس في مجال الطاقة الكهربائية، وأمر بإعادة فتح الحدود البرية مع تونس وليبيا، للأغراض التجارية.

وجهة نظر الجزائر فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية، لم تتطابق -في البداية- مع ما تضمنه بيان مكتب عبد الحميد الدبيبة حول مضمون ما تناقش فيه الدبيبة مع السفير نورلاند، بل تضمن البيان الحديث عن أجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية “تباعًا”، وهو حديث تم حذفه لاحقًا من بيان المكتب، واستبدلت به جملة “رغبة الحكومة في إجراء الانتخابات وتقديم الدعم لها”. تجب الإشارة إلى أن نورلاند في تصريحاته الأخيرة تجنب الخوض في مسألة مدى شرعية حكومة الدبيبة أو باشاغا، خاصة أن الأخير أعلن أنه يتواصل مع مسؤولين على مستوى رفيع في الإدارة الأمريكية.

لوحظ تكثيف الاتصالات مؤخرًا بين حكومة الدبيبة وقطر، سواء عبر اتصال هاتفي تم بين وزيرة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة الدبيبة، نجلاء المنقوش، ووزير الخارجية القطري محمد آل ثاني، أو اجتماع السفير القطري في طرابلس، خالد الدوسري، مع رمضان أبو جناح، نائب الدبيبة. كذلك استمرت تحركات الدبيبة على المستوى الداخلي، سواء من خلال التواصل مع المترشحين للانتخابات التشريعية والرئاسية، أو عمداء البلديات، وهي تحركات أكد فيها مرة أخرى موقفه السابق حول تسليم السلطة عقب إجراء الانتخابات، وهو موقف أرفقه بهجوم حاد على المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب. ومن اللافت بدء تولي رئيس الأركان العامة التابعة للمجلس الرئاسي، الفريق محمد حداد، مهامًا تتصف بأنها “سياسية”، مثل لقائه مع بعض الشباب المنتمين لحراك “نداء فزان لأجل ليبيا”. 

وإذا ما وضعنا جانبًا اللقاءات المستمرة خلال الأسبوعين المنصرمين لسفيرة المملكة المتحدة في ليبيا، كارولين هرندل، والسفير الألماني، ميخائيل أونماخت، مع عدة شخصيات سياسية ليبية، منها المرشح الرئاسي السابق عارف النايض، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، ورئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات، عماد السايح، والنائب في المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، واتصال هرندل مع فتحي باشاغا؛ يمكن النظر إلى الدور التركي، من زاوية أنها صعدت بشكل أكبر تواصلها مع الدبيبة وحكومته مؤخرًا، فاستقبلت زورق الدورية الساحلية “شفق”، التابع للقوات البحرية المنضوية تحت رئاسة أركان المجلس الرئاسي، بعد أن وجهت له الدعوة للمشاركة -للمرة الأولى- في مناورات بحرية لحلف الناتو، قبالة ساحل مدينة “إزمير”. 

هذا تم في نفس الوقت الذي أعلنت فيه عملية “إيريني” البحرية عن رفض تركيا تفتيش سفينة شحن تابعة لها تسمى “إم في كوسوفاك”، من جانب قوات العملية، في حادثة تتم للمرة السابعة منذ إطلاق هذه العملية. من التطورات الجدير بالاهتمام كذلك توقيع رئيس أركان القوات الجوية التابعة للمجلس الرئاسي، اللواء محمد السيفاو قوجيل، بروتوكول العقد النهائي لشراء عدد من طائرات التدريب المتقدم التركية من نوع “هوركوش”، التي تصنعها شركة “توساش” للصناعات الجوية.

سيناريوهات معقدة لمستقبل المسار السياسي الليبي

في ظل الاستقطاب الحالي في ليبيا، وتأكد حقيقة أن كلا الحكومتين القائمتين حاليًا في ليبيا لا تمتلكان الموارد اللازمة أو السيطرة الأمنية الكاملة أو التحكم في كامل التراب الليبي لإدارة عملية انتخابية شاملة؛ يبقى سيناريو إتمام مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة التوافق فيما بينهما خلال الجلسة الثالثة من المسار الدستوري على القاعدة القانونية اللازمة لإطلاق عملية انتخابية ومن ثم إيجاد صيغة مشتركة للتعاون بين الحكومتين الحاليتين كل في نطاق سيطرته لإتمام العملية الانتخابية هو السيناريو الأكثر “تفاؤلًا”.

وربما يكون هذا السيناريو الأفضل من حيث الواقعية السياسية وإيجابية النتائج، خاصة وأن المجلس الأعلى للدولة قد ألمح إلى تشكيل “حكومة مصغرة”، قد تكون تشكيلة مصغرة من الحكومتين الحاليتين. هذا السيناريو يتضمن أيضًا -في حالة عدم توافق كلا المجلسين في اجتماع القاهرة المقبل- خيار أن يتم التوافق على قاعدة دستورية يتم فيها تجاوز المواد الخلافية، وتكون مخصصة لفترة برلمانية واحدة فقط.

السيناريوهات الأخرى تتضمن مجموعة من التحركات التي إما تنقصها الشرعية والبنود القانونية، أو تفتقر إلى آليات التنفيذ، منها مثلًا قيام المنطقة الغربية بالاستفتاء -بصورة منفردة- على مسودة مشروع الدستور الحالي، وهو سيناريو ألمح إليه أعضاء الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور. 

وتتضمن هذه السيناريوهات كذلك إصدار المجلس الرئاسي إعلانًا دستوريًا جديدًا، أو حتى مراسيم بقوانين لاعتماد قاعدة دستورية للانتخابات القادمة، وهو ما يعني فعليًا تجميد عمل مجلسي النواب والأعلى للدولة. بعض الأوساط في المنطقة الغربية طرحت أيضًا -كما سبق ذكره- سيناريو عقد الانتخابات التشريعية في المنطقة الغربية فقط، على أن تعقد في المنطقة الشرقية لاحقًا.

في جميع الأحوال، يمكن القول إن الشهر الجاري يحمل في طياته نقطة فاصلة تنتهي فيها شرعية كافة الأجسام السياسية الموجودة في ليبيا، وتصل خارطة الطريق إلى نقطة نهايتها، وحينها ستكون البلاد أمام مستقبل غير واضح الملامح، إلا إذا حدث توافق اللحظة الأخيرة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهو ما يبدو صعبًا في هذه المرحلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى