الأكثر قراءةليبيا

المحاور المتعددة.. خلفيات وأهداف زيارة مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى ليبيا

زيارة لافتة في توقيتها ومضمونها أجراها ويليام بيرنز مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى ليبيا يوم 12 يناير 2023، أجرى خلالها مجموعة من اللقاءات “شبه الرسمية” -بالنظر إلى أن هذه الزيارة تمت بشكل مفاجئ ولم يتم التنويه عنها بشكل رسمي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية- في توقيت تمر فيه الأزمة الليبية بمنعطف دقيق ومفصلي، ليس فقط فيما يتعلق بالجانب الداخلي منها، بل أيضًا بالتفاعلات الإقليمية والدولية التي ربما تكون من الأسباب الأساسية لزيارة “بيرنز” إلى ليبيا.

من حيث الشكل، تعد هذه الزيارة من ضمن أهم الزيارات التي قام بها المسؤولون الأمريكيون إلى ليبيا منذ اقتحام القنصلية الأمريكية في بنغازي عام 2012، جنبًا إلى جنب مع زيارة قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا إلى ليبيا في يونيو 2020. وهي تعد كذلك الزيارة الأولى لبيرنز بصفته الحالية إلى ليبيا، مع ملاحظة أنه سبق له زيارتها إبان عمله في وزارة الخارجية الأمريكية، وتحديدًا خلال السنوات التي سبقت سقوط نظام القذافي، حيث تولى قيادة المجموعة التي شكلتها الخارجية الأمريكية عقب تطبيع العلاقات مع طرابلس، للتنسيق مع الحكومة الليبية في عدة ملفات أمنية.

التقى بيرنز خلال زيارته الأخيرة إلى طرابلس، التي رافقه فيها القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية في ليبيا، كلًا من رئيس حكومة الوحدة الوطنية -منتهية الولاية- عبد الحميد الدبيبة، بجانب كل من: وزيرة الخارجية والتعاون الدولي في هذه الحكومة نجلاء المنقوش، ورئيس جهاز المخابرات الليبية حسين العائب، ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء عادل جمعة. وقد تواردت أنباء نقلتها بعض وسائل الإعلام الليبية عن إجراء “بيرنز” لقاءً مع قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر في مقره بمنطقة الرجمة شرقي البلاد، لكن لم تتوفر دلائل مصورة واضحة على هذا اللقاء، على عكس لقاءات بيرنز في المنطقة الغربية.

ملفات متشابكة بين الداخل والخارج في زيارة “بيرنز”

بالنظر إلى الخلفية الأمنية والدبلوماسية لبيرنز واحتلال الملف الليبي حيزًا مهمًا من خبراته السابقة، يمكن القول إن زيارته إلى ليبيا تشير إلى بوادر “إعادة نظر” أمريكية في مقاربتها للأزمة الليبية، والتي شابتها اختلالات واضحة خلال المسارات التي تلت عام 2011، وبشكل خاص خلال فترة إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. 

الجانب السياسي من زيارة “بيرنز” يمكن ربطه بشكل وثيق مع الجهد الإقليمي والدولي الذي أطلقته القاهرة في نوفمبر الماضي عبر استضافة عدة لقاءات حول الشأن الليبي، من بينها اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب الليبي، المستشار عقيلة صالح، والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، واللقاء الذي جمع بين وزير الخارجية المصري سامح شكري والمبعوث الأممي إلى ليبيا عبد الله باتيلي، مرورًا بزيارة رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي الشهر الماضي إلى القاهرة، وصولًا إلى اللقاء الذي احتضنته القاهرة الشهر الجاري بين رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، والذي تلاه لقاء آخر بين المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي.

لقاء المشري وصالح في القاهرة حمل -من حيث المبدأ- ملامح إيجابية تضمنت اتفاق الجانبين على تفعيل التوافقات التي تم التوصل إليها بشأن النصوص الدستورية المتعلقة بالانتخابات خلال الاجتماعات الماضية للجنة الدستورية، وذلك عبر إحالة الوثيقة الدستورية التي تم التوافق عليها إلى مجلسي النواب والدولة؛ لإقرارها وفق النظم الداخلية لكلا المجلسين. بما يمثل حلًا وسطيًا ومرحليًا يتم من خلاله الالتفاف على النقاط الخلافية المتبقية في هذه الوثيقة والتي تتعلق بترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين، وهي نقطة سيتم ترحيلها ليتم بحثها ضمن القوانين الانتخابية التي سيبحثها كلا الجانبين، أو قد يتم الاستفتاء عليها شعبيًا في حالة تعذر التوافق عليها بين المجلسين لاحقًا، وهي صيغة تسمح بشكل أو بآخر بالتقدم خطوة نحو عقد الانتخابات.

في الإطار السابق -وبالنظر إلى اللقاء الذي احتضنته واشنطن مؤخرًا حول ليبيا حسب ما أفادت به صحيفة الجارديان البريطانية وضم ممثلين عن القوى الدولية الفاعلة في الملف الليبي ومنها إيطاليا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة- يمكن القول إن التوجهات الأمريكية المقبلة في الملف الليبي تحمل طابعًا أكثر انخراطًا من التوجهات السابقة، تميل فيها بشكل أكبر إلى التعامل مع حكومة الدبيبة كحكومة أمر واقع -على الأقل في المرحلة الحالية- لحين بلورة التوافقات الداخلية بشأن المسار السياسي، حيث تدفع واشنطن من حيث المبدأ نحو عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية في أقرب وقت ممكن، وهذا ما عبّر عنه سفيرها في ليبيا ريتشارد نورلاند في أعقاب اللقاء الذي جمع بين خالد المشري وعقيلة صالح في القاهرة.

بطبيعة الحال، يبدو الجانب الأمني طاغيًا في خلفيات زيارة “بيرنز” المفاجئة إلى ليبيا، وهو جانب يحمل تشابكات متعددة، منها ما يرتبط بشكل وثيق بصراع يدور في نطاق بعيد جدًا عن ليبيا ألا وهو المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا في أوكرانيا؛ إذ تريد واشنطن سبر أغوار التوجهات الروسية في ليبيا، من زاويتين: الأولى أمنية وعسكرية تتعلق بوجود عناصر “فاجنر” على الأراضي الليبية والتحركات الروسية المرتبطة بهذا التواجد، أما الزاوية الثانية: فهي اقتصادية ترتبط بالملف النفطي والغازي، لذا يمكن فهم زيارة “بيرنز” إلى المنطقة الشرقية -في حالة تأكيدها- من هذا المنظور، فالأدوار المتزايدة لعناصر “فاجنر” في الميدان الأوكراني، خاصة في معركة السيطرة على مدينة “سوليدار”، رفعت بشكل كبير من احتمالات لجوء موسكو إلى الضغط على المصالح الأوروبية في ليبيا بشكل أو بآخر خلال المرحلة المقبلة.

ولا يمكن فصل ملف “لوكيربي” عن الجانب الأمني من هذه الزيارة التي تأتي بعد نحو شهرين من تسليم حكومة الدبيبة لأحد المتهمين السابقين في هذه القضية وهو أبو عجيلة مسعود المريمي للسلطات الأمريكية، وهي خطوة كانت مفاجئة في سياقها وتوقيتها، ونتجت عنها ردود فعل ليبية غاضبة، دفعت حكومة الدبيبة إلى صرف النظر -ولو مؤقتًا- عن تسليم متهمين آخرين، من بينهم اللواء عبد الله السنوسي الذي يرجح أن ملفه قد تم تناوله خلال زيارة “بيرنز”، علمًا بأن أطرافًا ليبية عدة باتت ترى هذا الملف من منظور أنه أداة تستخدمها حكومة الدبيبة -من ضمن أدوات أخرى- لاستمالة الجانب الأمريكي إلى صفها في هذه المرحلة.

ملفا توحيد المؤسسة العسكرية ومكافحة الإرهاب يظلان جزءًا أصيلًا من الجانب الأمني لهذه الزيارة؛ إذ يُنتظر أن تُستأنف اجتماعات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة “5+5” في وقت لاحق من الشهر الجاري، بعد نحو ثمانية أشهر من انعقاد آخر اجتماع لهذه اللجنة. وحقيقة الأمر أن هذا الملف يعد الوحيد الذي شهد بعض التقدم من ضمن الملفات الليبية المفتوحة حاليًا، ويُتوقع أن يشهد نقاشات مفصلية فيما يتعلق بملف مصير الميليشيات والوحدات شبه العسكرية، وهو ما يشهد دعمًا أمريكيًا واضحًا لحسمه؛ لمحاولة تطويق أية احتمالات مستقبلية لحدوث تدهور أمني وعسكري بين المنطقتين الشرقية والغربية، في ضوء النوايا المعلنة من جانب وزارة الداخلية في حكومة الدبيبة لتطبيق خطط أمنية لتأمين مناطق خارج العاصمة طرابلس، مثل بنغازي والبيضاء وطبرق وسبها.

أما فيما يتعلق بملف مكافحة الإرهاب، يمكن القول إن واشنطن رصدت خلال الأشهر الأخيرة أنشطة متزايدة لعدة مجموعات إرهابية، على رأسها تنظيم “داعش” في المنطقتين الغربية والجنوبية، بجانب تصاعد أنشطة جماعات التهريب المختلفة، وظهور مؤشرات مقلقة على نشوء ارتباطات مفاجئة بين بعض التيارات المتطرفة في ليبيا وحكومة طالبان في أفغانستان، كان آخرها زيارة سامي الساعدي نائب مفتي ليبيا المعزول الصادق الغرياني إلى العاصمة الأفغانية كابول، ولقاءه مع عدد من مسؤولي حكومة طالبان، على رأسهم سراج الدين حقاني وزير الداخلية، والمُلاّ عبد الغني برادر نائب رئيس الحكومة، والقيادي في حركة طالبان مولوي عبد السلام حنفي.

إذًا، مما سبق يمكن القول إن زيارة “بيرنز” إلى ليبيا -رغم طابعها المفاجئ وحقيقة أن وزارة الخارجية الأمريكية قد رفضت التعليق عليها ورفضت حتى تأكيد ما نشرته صحيفة الجارديان حول الاجتماع الدولي الذي احتضنته واشنطن مؤخرًا حول ليبيا- تحمل في طياتها دلالات مهمة تتعدى الجوانب السياسية والأمنية، لترسم ملامح مقاربة أمريكية جديدة لهذا الملف، تحمل معها ضغوطًا على الأطراف الليبية لحسم الملفات السياسية والأمنية العالقة بشكل سريع، من زاوية أن استمرار الوضع الحالي يوفر أجواءً مواتية لاستمرار الدور الروسي في ليبيا وتوسعه، وهو ما يحمل مخاطر جدية على المصالح الأمريكية والأوروبية في المرحلة القادمة. لذا ستكون الأيام القادمة مفصلية في تحديد ما إذا كان التحرك الأمريكي الجديد في ليبيا سيكون مستمرًا وشاملًا يدفع في اتجاه عقد الانتخابات العام الجاري أم أن المعضلات التي تقف حيال توافق المكونات الرئيسة الأربع وتحقيق المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات سوف تدفع واشنطن إلى تغيير مقاربتها مرة أخرى في ليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى