أوروبا

“التايمز”: عاصفة الاستقالات تضرب أكبر جمعية خيرية إسلامية في بريطانيا

عرض – محمد منصور

تناول رئيس وحدة التحقيقات الاستقصائية في صحيفة “التايمز” البريطانية، أندرو نورفولك، جانبا من جوانب ملف كبير، يعد من أهم ملفات التغلغل القطري في النسيج المجتمعي البريطاني، وهو ملف أكبر جمعية خيرية إسلامية على الأراضي البريطانية، (هيئة الإغاثة الإسلامية)، وذلك ضمن تحليل مطول نشرته الصحيفة ونسختها الأسبوعية (صنداي تايمز)، أمس السبت.

تناول التحليل مستقبل هذه الهيئة، عقب اعتزام معظم أعضاء مجلس أمنائها، تقديم استقالات جماعية من هذه الهيئة، وذلك على خلفية تعيين مدير جديد للمنظمة في بريطانيا، وهو المدير السابق للهيئة في ألمانيا، المعتز طيارة، الذي يتهم بأنه يتبنى خطابا وأيدلوجية تحريضية، تحض على الكراهية والعنف ومعاداة السامية، وتؤيد بعض الجماعات الإرهابية المسلحة حول العالم، وهي للمفارقة نفس التهم التي تم توجيهها للمدير السابق المستقيل للهيئة حشمت خليفة.

وحسب التحليل الذي قدمه نورفولك في مقالته، فأن السبب الرئيسي وراء اعتزام أعضاء مجلس أمناء الهيئة، الاستقالة من مناصبهم، هو اتضاح التوجهات التحريضية للمدير الجديد للهيئة، من خلال منشورات عديدة نشرها هو على صفحاته الشخصية، بعدة مواقع للتواصل الاجتماعي، أعرب فيها عن تأييده للهجمات المسلحة على دول مثل إسرائيل، التي وصفها بوصف يندر استخدامه في أوروبا، وهو “العدو الصهيوني”، كما نشر المدير الجديد صوراً، يظهر فيها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، مرتدياً ملابس تظهر عليها نجمة داوود.

تعد هذه هي المرة الثانية خلال شهر واحد، التي يتم فيها توجيه سهام النقد إلى هذه الهيئة، بسبب منشورات مديريها على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة موقع (فيس بوك). هذه المنشورات، التي تمت كتابتها باللغة العربية، كشف النقاب عنها، لورنزو فيدينو، وهو أحد أهم الأكاديميين المتخصصين في شئون الحركات الإسلامية. عقب الكشف عن هذه المنشورات، اضطرت الهيئة إلى أصدار بيان، تعترف فيه أن هذه المنشورات كانت “غير لائقة وغير مقبولة”، وعلى أثر ذلك، أعلن أعضاء مجلس أمناء الهيئة، أنهم سيستقيلون من مناصبهم، من أجل انتخاب مجلس أمناء جديد.

يذكر أن المدير السابق للهيئة، حشمت خليفة، استقال من منصبه الشهر الماضي، بعد كشف صحيفة التايمز عن منشورات نشرها على صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي، أطلق فيها على الإسرائيليين ألقابا مثل “أحفاد القرود والخنازير”، بجانب أوصاف مسيئة أخرى طالت شخصيات قيادية على مستوى رفيع في العالم العربي. كما تم إجبار خليفة في نفس التوقيت، على التنحي عن منصبه كمدير صندوق وقفي تسيطر عليه الهيئة، تبلغ قيمة المبالغ المودعة فيه نحو سبعة ملايين جنيه إسترليني.

فيما يتعلق بالمنشورات الموجودة على صفحة المدير الجديد للهيئة، المعتز طيارة، على موقع فيس بوك، فقد وصف في إحداها قادة حركة حماس الفلسطينية، بأنهم “رجال عظماء، لبوا النداء المقدس لجماعة الإخوان المسلمين”، علما أن كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري للحركة، تم تصنيفه كمنظمة إرهابية، من قبل المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، منذ العام 2001.

 من أمثلة هذه المنشورات، منشور نشره طيارة في يوليو 2014، نصه يقول “أبطال القسام لم يتخرجوا في المدارس العسكرية البريطانية والأمريكية، التي خرجت حكام العرب وأمراؤها، هناك أرضعوهم الجبن والولاء لبني الفرنجة الأمريكان والأنجليز. أبطال القسام خريجو مدرسة الإخوان المسلمين ومدرسة النبوة، وتعلموا الفنون العسكرية في مدرسة خالد بن الوليد العسكرية”.

 كما نشر طيارة، هذا الرسم الكاريكاتوري، على صفحته في موقع فيس بوك، في أبريل 2015، يظهر فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما، مرتدياً ربطة عنق مرسوم عليها نجمة داوود، وبجانبه شخصيات أخرى من بينها الرئيس السوري والمرشد الإيراني.

طيارة في هذا التوقيت، كان يشغل منصب أمين صندوق الفرع الألماني لهيئة الإغاثة الإسلامية، وبعد ثلاثة أشهر من هذا التاريخ، تم تعيينه مديرا إقليمياً للهيئة، م تم تعيينه في يناير 2016، مديراً للفرع الألماني للهيئة، وفي هذا التوقيت كان باراك أوباما مازال في منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية.

هذا المنشور وغيره من المنشورات المماثلة، التي تم نشرها ما بين عامي 2014 و2015، كشف عنها الباحث الألماني، سيجريد مارشال، وأعاد نشرها في مدونته الخاصة عام 2017. وأعترف الفرع الألماني لهيئة الإغاثة الإسلامية، بأنها كانت على علم بهذه المنشورات ومضمونها، منذ عام 2017، وأن فرع الهيئة في ألمانيا سمح لطيارة بالاستمرار في منصبه كمدير له، بعد أن أعتذر عن هذه المنشورات، وأزالها ثم أغلق صفحته الشخصية.

وذكر الفرع الألماني للهيئة، أنه “صُدم من محتوى هذه المنشورات المعادي لإسرائيل والغرب، والتي تحمل في بعض أجزائها محتوى يحض على العنف والإرهاب”، لكنها في نفس الوقت أقرت أن طيارة قدم “دعمًا متميزًا” للعمل الخيري، لفترة تناهز عشر سنوات.

تزامنت هذه التوترات، مع اتهامات متكررة تم توجيهها للهيئة العاملة في المجال الإغاثي، حيث اتهمتها السلطات الألمانية سابقاً، بالارتباط الوثيق بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وهو ما نفته الهيئة بقوة.

ردود فعل الهيئة الإغاثة الإسلامية في بريطانيا، على الكشف عن مضمون منشورات مديرها السابق والحالي على فيس بوك، كانت محاولة منها لتقليل الأضرار الناتجة عن هذا الكشف قدر الإمكان، ففي يوليو الماضي، حين تم الكشف عن منشورات مديرها السابق حشمت خليفة، أصدرت الهيئة بياناً تضمن تعهدها ب “مراجعة عملياتها التي تستهدف فحص ومراقبة منشورات أعضاء مجلس أمنائها وكبار المديرين التنفيذيين فيها، على منصات التواصل الاجتماعي”، وتعهدت بعدم تكرار هذا الموقف.

الا أنها فوجئت بتكرر هذا مرة أخرى مع المدير الجديد المعتز طيارة، وأصدرت الهيئة بياناً قالت فيه أن منشورات طيارة على فيس بوك، كانت “مخالفة للقيم”، وأنه سوف يتنحى عن منصبه، ولن يكون له أي دور مستقبلي في الهيئة. وهنا لابد من الإقرار أن فرع الهيئة في بريطانيا، لم يكن على ما يبدو، على معرفة مسبقة بمنشورات طيارة على موقع فيس، إلى أن كشفت صحيفة التايمز عن هذا الأمر.

مفوضية المؤسسات الخيرية البريطانية، التي كانت قد أجرت منذ شهر، تحقيقات مع هيئة الإغاثة الإسلامية، حول منشورات المدير السابق لها، أعلنت أنها طلبت عقد لقاء عاجل مع القائمين على إدارة الهيئة، للتحقيق حول منشورات المدير الجديد للهيئة.

تعليقا على هذا الملف، صرح طيارة لصحيفة تايمز، بأنه يشعر “بالخجل الشديد” من منشوراته التي تم الكشف عنها، مشيرا إلى أنه كتبها مدفوعا بضيقه  من الوضع الحالي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مقرا أن هذ المنشورات، التي نسخها من حسابات خاصة بأشخاص أخرين، كانت “مخجلة وغير مقبولة”.

وأضاف أنه سبق وأعتذر عام 2017، للفرع الألماني للهيئة، عن هذه المنشورات، وقال “هذه المنشورات لا تعبر أبداً عن قناعاتي أو معتقداتي، وأنا لا أؤيد أي تنظيم إرهابي، ولست من مناصري كتائب القسام أو حركة الإخوان المسلمين، ولا معاد للسامية”.

من جانبه، أعتبر الدكتور لورنزو فيدينو، مدير برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن، أن منشورات خليفة وطيارة، تظهر أن هيئة الإغاثة الإسلامية “تعاني من مشاكل عديدة، طالت حتى أعلى مستويات قيادية فيها، ولا تقتصر هذه المشاكل على فرد واحد”.

وأوضح أن هذه التصرفات، يجب أن يتم وضع حد قاطع لها، من جانب المواطنين والحكومة البريطانية، وكافة منظمات المجتمع المدني، المشاركة في تمويل هذه الهيئة وأنشطتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى