علوم وتكنولوجيا

نقلة نوعية .. حروب الفضاء ومستقبل الردع العسكري

خطوة روسية نوعية وهامة في مجال نقل معادلات الردع العسكرية إلى الفضاء الخارجي تمت بشكل مفاجئ منتصف الشهر الماضي، بتدميرها قمر اصطناعي سوفيتي بشكل دقيق وكامل. وعلى الرغم من أن الأسلحة الصاروخية المضادة للأقمار الاصطناعية (ASAT)، تعد فعليًا تقنية غير مستحدثة، وعملت عليها كل من واشنطن وموسكو منذ ستينيات القرن الماضي، ناهيك عن أنه سبق لكل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية والهند، تنفيذ تجارب ناجحة لتدمير أقمار اصطناعية، إلا أن لحاق موسكو بهذه المجموعة وطبيعة وتوقيت قيامها بهذه التجربة، تبقى مؤشرات لها دلالات مهمة تتعلق بمستقبل ما يمكن أن نصفه بـ “سباق مستقبلي للتسلح الفضائي”.

كلمة السر في التجربة الصاروخية الروسية التي من خلالها تم تدمير القمر الاصطناعي السوفيتي “كوزموس-1408″، هو منظومة الصواريخ الباليستية المضادة للصواريخ “أيه-235 نودول” والتي تشكل بجانب منظومة “إس-500” مستقبل الدفاع الجوي الروسي، وحائط الحماية المخصص لحماية الأجواء الروسية من كافة التهديدات العدائية الجوية. منذ أن بدأ تطوير منظومة “نودول” أوائل عام 2011، تزايد القلق الأمريكي عامًا بعد أخر من القدرات المتفوقة لهذه المنظومة التي كانت في البداية تمثل بديل أكثر حداثة وتطورًا لمنظومة الدفاع الجوي الاستراتيجية الرئيسية التي تدافع عن أجواء العاصمة الروسية، وهي منظومة “أيه-135 أمور”، لكن أظهرت التجارب المتتالية على المنظومة الجديدة أنها ربما تكون أكثر من مجرد بديل.

منظومة “نودول”.. الهدف ليس فقط الصواريخ الباليستية

منظومة “نودول” ومنصة إطلاقها ذاتية الحركة

حرصت موسكو دومًا على إحاطة منظومتي الدفاع الجوي “نودول” و”إس-500″ بستار من السرية المشددة، خاصة المنظومة الأولى التي تعد الأكثر أهمية ضمن منظومات الدفاع الجوي الاستراتيجية الروسية، ففي عام 2019 صرح وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو أن وزارته تعمل على تسريع إدخال هذه المنظومة ضمن شبكة الدفاع الجوي التي تحمي المنطقة الصناعية المركزية في محيط العاصمة، بحيث يتم هذا بحلول العام المقبل علمًا أن الموعد المستهدف سابقًا كان بحلول عام 2025.

تصريحات شويغو كانت بعد أيام قليلة من تجربة إطلاق صواريخ منظومة “نودول”، وهي التجربة السابعة التي تتم على هذه المنظومة منذ عام 2014، لكن كانت تجربة عام 2019 لافتة بالنظر إلى أنها تضمنت اعتراض هدف في الطبقات العليا للغلاف الجوي، وهذا جعل واشنطن تضع هذه المنظومة كتهديد أساسي للولايات المتحدة ضمن مراجعة الدفاع الصاروخي التي أصدرها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في نفس العام.

هذه التجارب أظهرت بشكل ضمني أن منظومة “نودول” تتضمن ثلاثة أنواع من الصواريخ الاعتراضية، إحداها يمكن أن يستهدف أجسام جوية على ارتفاعات تصل إلى 1500 كيلو متر، مع وجود احتمالية لتزويد هذه الصواريخ برؤوس نووية أو أخرى حاملة لمركبات انزلاقية هجومية، وهو ما يجعل مدى التدمير القتالي لهذه الصواريخ أكبر من المدى المذكور ويتيح لها في نفس الوقت العمل ضمن كافة المدارات الخاصة بالأقمار الاصطناعية، والتي تكون عادة على ارتفاعات تتراوح بين 500 و700 كيلو متر عن سطح الأرض.

القدرات الفنية المتفوقة لصواريخ هذه المنظومة لا تتعلق فقط بالمدى الأكبر، بل أيضًا في قدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية المعادية بما في ذلك المركبات الانزلاقية والصواريخ الباليستية التي تصل سرعتها إلى عشرة أضعاف سرعة الصوت، وهي قدرات تجعل هذه المنظومة أفضل وأكثر مواكبة للتطور في مجال الصواريخ الباليستية من منظومة “نودول”، التي لم تكن تستطيع اعتراض الصواريخ الباليستية التي تزيد سرعتها عن خمسة أضعاف سرعة الصوت.

تسريع موسكو لدخول هذه المنظومة ومنظومة “إس-500” إلى الخدمة، يعود بشكل أساسي إلى وجودة فجوة حالية في القدرات المتوفرة لها في مجال الدفاع الجوي الاستراتيجي، خاصة فيما يتعلق باعتراض الصواريخ الباليستية في منتصف مسارها، والدفاع الجوي ضد الأهداف عالية الارتفاع، لهذا قامت على مدار الفترات الأخيرة بإدخال منظومات جديدة للدفاع الجوي مثل منظومة “إس-400″ و”إس-350” اللتان تمتلكان قدرات مهمة للدفاع ضد الصواريخ الباليستية.

تجربة منظومة “نودول” في أبريل 2020

مخاوف الولايات المتحدة من هذه المنظومة تزايدت بشكل حاد في أبريل 2020، بعد أن رصدت تجربة روسية أخرى على إطلاق صواريخ هذه المنظومة، تلاها في شهر يوليو تطور لافت رصد خلاله المحللون العسكريون في الولايات المتحدة الأمريكية تحركات غير مألوفة للقمر الصناعي العسكري الروسي “كوزموس-2542″، الذي اقترب بشكل حثيث من القمر الصناعي العسكري الأمريكي “يو أس أيه-245″، وأطلق جسمًا جويًا لم يعرف حينها ماهيته، واتضح بعد ذلك أن هذا الجسم كان قمرًا صناعيًا أصغر يسمى “كوزموس-2543″، والذي أطلق بدوره مقذوفًا متوسط السرعة نحو الفضاء.

هذه التجربة شكلت نقلة نوعية في التوجهات الروسية العسكرية في الفضاء الخارجي، رغم أن موسكو نفت حينها أن تكون هذه التجربة عسكرية، وقالت أنها كانت تجربة حول آلية لفحص الأقمار الصناعية عبر إطلاق أقمار صناعية أصغر تقوم بفحص التجهيزات الفنية وبدن الأقمار الصناعية الأكبر. واشنطن من جانبها اعتبرت هذه التجربة محاولة روسية أخرى لاختبار أسلحة مخصصة للفضاء، ورأت أن الخطوة الروسية تساهم في توسيع نطاق القدرات التي يمكن استخدامها في الفضاء، لتشمل مواجهات مباشرة في الطبقات العليا للفضاء تكون الأقمار الصناعية فيها أدوات قتالية، بعد أن كانت التطبيقات العسكرية الفضائية تتركز بشكل أساسي على عمليات اعتراض الأقمار الصناعية، عن طريق صواريخ بعيدة المدى يتم إطلاقها من سطح الأرض.

تسببت تداعيات هذه التجربة في عودة كل من واشنطن وموسكو أواخر شهر يوليو من نفس العام، إلى جولات المباحثات الثنائية حول الحد من التسلح و”أمن الفضاء”، بعد أن تم تجميد هذه المباحثات عام 2013. هذه الجولة شملت مباحثات بين ثلاثة مجموعات من الخبراء، يمثلون الوزارات السيادية في كلا البلدين، على رأسها وزارات الدفاع والخارجية، حيث ترأس الوفد الروسي حينها نائب وزير الخارجية سيرجي ريابكوف، في حين ترأس الوفد الأمريكي مارشال بيلينجسي نائب وزير الخارجية لشئون الأمن الدولي والحد من التسلح. إحدى هذه المجموعات الثلاث، تم تخصيصها للنقاش حول تعريف جديد لمصطلح (أمن الفضاء) في ظل التحديات المستحدثة في هذا المجال، والتي جعلت من الفضاء ساحة محتملة للنزاعات العسكرية بمختلف أنواعه. لم تصل هذه المباحثات إلى نتيجة واضحة أو مقررات يمكن الالتزام بها، وهذا أدى إلى تصعيد موسكو العام الجاري لنشاطها في هذا المجال.

“كوزموس-1408” .. نهاية منتج سوفيتي وبداية الردع الفضائي الروسي

قمر “تسيلينا-دي”

العام الجاري شهد تصعيدًا من جانب موسكو في مجال اختبار الأسلحة التي يمكن استخدامها في الفضاء الخارجي، ففي شهر يونيو أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وثيقة استراتيجية خاصة باستخدام التطبيقات العسكرية في الفضاء الخارجي، تضمنت تصنيفان خاصة بتطوير ونشر أسلحة مضادة للصواريخ وأسلحة هجومية في الفضاء لمواجهة التهديدات العدائية من جانب الدول الأخرى، وبهذا بات الفضاء الخارجي ضمن الرؤية الروسية لمصادر التهديدات العسكرية المحتملة للبلاد.

تلت هذه الخطوة تجربة تعتبر نقلة نوعية إضافية في القدرات الروسية في هذا الصدد، وهي التجربة الأولى التي يتم خلالها تدمير قمر اصطناعي عبر صاروخ مطلق من الأرض حيث تم إطلاق صاروخ من منظومة “نودول”، نحو قمر اصطناعي سوفيتي قديم يسمى “كوزموس-1408″، وهو قمر من نوع “تسيلينا-دي” مخصص للاستطلاع العسكري وهي فئة من الأقمار الصناعية المصممة في أوكرانيا، تم إطلاق ما مجموعه 69 قمر منها في الفترة بين عامي 1970 و1994 وكانت مخصصة للاستطلاع والمراقبة والتنصت، بحيث تقوم بإرسال البيانات التي تقوم بتسجيلها إلى المحطات الأرضية في الاتحاد السوفيتي أثناء مرورها فوق أراضيه.

القمر المستهدف تم إطلاقه في سبتمبر عام 1984، وقد تم تدميره بنجاح خلال هذه التجربة على ارتفاع يبلغ 485 كيلو متر عن سطح الأرض، وهو ما مثل تأكيدًا واضحًا ورسميًا على القدرات الخاصة بهذا الصاروخ في مجال استهداف الأجسام المحلقة في الفضاء الخارجي، خاصة أن وزارة الدفاع الروسية تحدثت في بيان رسمي عن تفاصيل هذه التجربة، وهو أمر لافت لم يسبق حدوثه في ما يتعلق بالتجارب الخاصة بالأسلحة المخصصة للفضاء.

الرصد الجوي للشظايا الناتجة عن تدمير القمر الاصطناعي السوفيتي

أهمية التجربة الروسية لم تكن فقط في نجاحها، بل أيضًا في عنصر المفاجأة الذي مثلته هذه التجربة خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتأكد من نجاح هذه التجربة إلا في اليوم التالي لإجرائها، بعد أن رصدت موجات متتالية من الشظايا المتولدة من تدمير القمر الاصطناعي السوفيتي، تكثفت بشكل واضح بعد التدمير مباشرة على ارتفاعات تتراوح بين 450 و550 كيلو متر عن سطح الأرض، وتشير بعض التقديرات الأمريكية أن بعض شظايا القمر الاصطناعي المدمر وصلت إلى ارتفاع 300 كيلو متر فقط فوق سطح الأرض، وبعضها الآخر وصل إلى ارتفاع 1100 كيلومتر.

التقديرات البريطانية أشارت في هذا الصدد إلى أن نحو نصف شظايا هذا القمر الاصطناعي ستعود إلى الغلاف الجوي للأرض وتحترق في غضون عام تقريبًا، في حين أن بعضه سيظل في المدارات الفضائية القريبة من الأرض لأعوام قادمة. سحابة الشظايا هذه دفعت الولايات المتحدة إلى التحذير من تشكيلها مخاطر كبيرة على محطة الفضاء الدولية ومحطة “تيانجونج” الفضائية الصينية، في حين قالت موسكو إن تدمير القمر الاصطناعي أنتج نحو 1500 شظية فقط وليس مئات آلاف الشظايا كما تشير التقديرات الأمريكية.

موسكو والإرث الفضائي العسكري السوفيتي

المحطة القتالية الفضائية “سكيف”

بشكل عام، يمكن اعتبار التجربة الروسية الأخيرة لتدمير قمر اصطناعي عن طريق صاروخ مطلق من الأرض، وكذلك التجربة التي أعلنت عنها وزارة الدفاع الروسية في نفس الشهر، لإطلاق صاروخ فضائي من نوع “سويوز” إلى الفضاء الخارجي حاملًا “مركبة عسكرية”، يمكن اعتبارهما أحد نتائج المسار الطويل من الأبحاث والتجارب السوفيتية في هذا المضمار.

فقد بدأ البرنامج الفضائي العسكري السوفيتي مطلع عام 1960، حين أقر الزعيم السوفيتي خروتشوف بدء البرنامج السوفيتي الصاروخي المضاد للأقمار الاصطناعية، وتم اعتماد الصاروخ الباليستي الأضخم في الترسانة السوفيتية “يو أر-200″، لاستخدامه في هذا البرنامج. لكن بعض التعقيدات التي شابت برنامج هذا الصاروخ أدت إلى استخدام الصاروخ الباليستي السوفيتي الأول “أر-7″، الذي تم اعتماده لاحقًا كصاروخ دافع للصاروخ الفضائي السوفيتي “سويوز”. تم عام 1963 الاختبار الأول لهذا الصاروخ لاعتراض أقمار اصطناعية، تلته تجارب أخرى بلغ مجموعها الإجمالي حتى عام 1971 سبعة اختبارات.

اللافت في هذا الصدد، أن التجارب السوفيتية كانت تميل بشكل كبير لاستخدام تكتيك مداري في تدمير الأقمار الصناعية المعادية، بحيث يتم استخدام أقمار صناعية مصغرة أو مركبات مدارية للاصطدام بالأقمار المعادية وتدميرها، لكن كان لهذا التكتيك عيوب أساسية منها ضرورة تحليق المقذوف المستخدم لدورة واحدة أو دورتين، قد تستغرق ثلاث ساعات قبل أن يتمكن من الوصول إلى مدار القمر الاصطناعي المستهدف وتدميره. 

في أواخر الستينيات تحولت التجارب السوفيتية لتركز بشكل كامل على تكتيك الاستهداف الصاروخي المباشر للأقمار الاصطناعية، حيث بدأت التجارب على صواريخ “أر-36” الباليستية في أكتوبر 1967 وأبريل 1968، وأحرزت هذه التجارب نجاحًا في اعتراض أجسام فضائية على ارتفاعات كبيرة. وتوقفت الاختبارات السوفيتية في هذا الصدد أواخر 1973 لكن أعيد استئنافها مرة أخرى عام 1976، بسبب مخاوف سوفيتية من تطبيقات عسكرية محتملة من جانب الولايات المتحدة لبرنامجها الخاص بمكوك الفضاء. 

طائرة “إليوشن-60 بيريف”

نظرًا لتعقيدات تمويلية ومالية طرأت أواخر ثمانينات القرن الماضي، قام الزعيم السوفيتي ليونيد أندروبوف بتجميد برنامج الاستهداف الصاروخي للأقمار الاصطناعية عام 1983 لصالح التحول لاستخدام تطبيقات عسكرية أخرى لمواجهة الأقمار الاصطناعية، مثل استخدام صواريخ جوية من نوع “كونتاكت” بحيث يتم إطلاقها من على متن المقاتلات السوفيتية الحدث حينها “ميج-31” مباشرة نحو الهدف، ومثل استخدام تطبيقات الليزر العسكرية مثل القبة الليزرية الدوارة التي تم تثبيتها على طائرات الإنذار المبكر “إليوشن-60 بيريف”، بجانب أبحاث أخرى تمت خلال الثمانينات لإنتاج محطات فضائية قتالية تحت اسم “سكيف”، يتم نقلها للفضاء الخارجي عبر مكوك فضائي بهدف تدمير الصواريخ المعادية المضادة للأقمار الاصطناعية.

عدد كبير من هذه المشاريع بدأت روسيا منذ أواخر عام 2009 في إعادة تفعيلها بعد أن تجمدت عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ومنها برنامج طائرات “إليوشن-60 بيريف” وصواريخ “كونتاكت” الجوية، بجانب العمل على تقنيات جديدة لاستهداف الأقمار الاصطناعية مثل منظومة الليزر القتالية “بيريزفت” التي تشير التقديرات الغربية أنها تستطيع توجيه حزم عالية التردد من أشعة الليزر نحو أهداف جوية. يضاف هذا إلى صواريخ “نودول” التي تم استخدامها في التجربة الأخيرة لتدمير قمر اصطناعي.

الولايات المتحدة الأمريكية والخطوة الأولى في “عسكرة الفضاء الخارجي”

صاروخ “GAM-87 Skybolt”

بدأ البرنامج العسكري الفضائي الأمريكي فعليًا أواخر خمسينيات القرن الماضي، ضمن برنامج أكبر وهو البرنامج الصاروخي “WS-199A”، حيث تم دراسة إجراء تعديلات على الصاروخ الباليستي “أوريون” الذي كان مصممًا للإطلاق من على متن القاذفات الاستراتيجية “بي-47″، بهدف إنتاج نسخة صاروخية يمكن من خلالها استهداف الأقمار الصناعية. تم إجراء نحو 12 تجربة في هذا الصدد بين عامي 1958 و1959 دون تحقيق نجاحات مهمة.

بهذه النتيجة، تم إيقاف البرنامج وبدء أخر تحت اسم “GAM-87 Skybolt”، واستمرت التجارب في هذا المضمار بوتيرة أقل خلال فترة الستينيات والسبعينيات. في عام 1982، شرع سلاح الجو الأمريكي في برنامج صاروخي جوي يتم من خلاله إطلاق صواريخ “ASM-1359” من على متن مقاتلات “أف-15″، وقد تم تعديل المقاتلات المستخدمة في التجارب، بحيث تمتلك القدرة على تعديل مسار الصواريخ عقب إطلاقها. بدأت التجارب في هذا الصدد في يناير 1984 واستمرت على مدار السنوات التالية، وقد تمكن هذا الصاروخ للمرة الأولى عام 1985 من إسقاط قمر صناعي أمريكي يسمى “سول ويند-بي78”.

إطلاق صاروخ “RIM-161″

أوقف الكونجرس الأمريكي عام 1987 التجارب العسكرية في هذا الصدد، إلا أن البرنامج العسكري الفضائي الأمريكي عاد ببطء إلى الحياة مرة أخرى عام 1996، حين خصص الكونجرس تمويلًا ماليًا لأبحاث تتعلق باستخدام صواريخ الطاقة الحركية لتدمير الأجسام الفضائية، لكن تم إيقاف هذا التمويل عام 2001. وبدأت الولايات المتحدة منذ أوائل عام 2008، في تنفيذ تجارب على استخدام صواريخ الدفاع الجوي لتدمير الأقمار الصناعية، وبالفعل قامت في نفس العام بتنفيذ تجربة ناجحة على ارتفاع يصل إلى 250 كيلو متر، لإطلاق صاروخ “RIM-161” من على متن إحدى الفرقاطات البحرية تم من خلاله تدمير القمر الاصطناعي الأمريكي “يو إس إيه-193″، الذي فقدت المحطات الأرضية التحكم به عقب إطلاقه في ديسمبر 2006.

 جدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تتخذ من التجارب الفضائية المدنية منصة لتجربة بعض التقنيات العسكرية، مثل ما حدث خلال الرحلة الخامسة لمكوك الفضاء “أكس-37بي” في سبتمبر 2017، حيث تم خلال هذه الرحلة التي دامت نحو 780 يوم إطلاق عدة مركبات جوية في مدارات عالية في الفضاء، مع تغيير المدار خلال كل عملية إطلاق. 

كما يضاف إلى ذلك، تنفيذ الولايات المتحدة تجربة الشهر الماضي تم فيها إطلاق مركبة جوية على متن الصاروخ الفضائي “سبيس-إكس” من قاعدة فاندنبرغ الفضائية، بهدف تجربة الاصطدام بكويكب فضائي بشكل مباشر بسرعة تصل إلى ستة كيلو متر في الثانية وهو الكويكب “دايمورفوس”، وهو جرم صغير يبلغ عرضه 160 متر ويدور حول كويكب أكبر يسمى “ديديموس” يدور بدوره حول الشمس. يتوقع أن يتم الالتقاء بين المركبة والجرم المستهدف منتصف العام القادم، وعلى الرغم من أن الشكل العام لهذه التجربة هو عملي ومدني بحت، إلا أنه يمكن قطعًا اعتبارها تجربة لها تطبيقات عسكرية عديدة.

الهند والصين … دخول مهم في مجال الردع العسكري الفضائي

الصاروخ “Prithvi Mark2”

كان لكل من الهند والصين مشاركة فعالة ومهمة في تشكيل صورة الردع العسكري الفضائي، فقد اعتمدت الهند في هذا الصدد على التقدم الذي أحرزته في برنامجها الرئيسي لتطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والذي بدأ عام 1999، ثم البرنامج المضاد للصواريخ الباليستية عام 2009، والذي تمت تسميته “Prithvi”. وتم الشروع بشكل أساسي في البرنامج المضاد للأقمار الصناعية عام 2016، بعد أن تمت تجربة أولية على اعتراض قمر صناعي عام 2014 وتجربة أخرى عام 2017، لاعتراض قمر صناعي متحرك.

في مارس 2019، أجرت الهند تجربتها الأساسية على صاروخ “Prithvi Mark2″، المكون من ثلاثة مراحل، المرحلة الثالثة منها مزودة بمقذوف طاقة حركية يتم توجيهه داخليًا عن طريق محدد ليزري للمدى وباحث بالأشعة تحت الحمراء. وقد تمت التجربة تحت أسم (شاكتي) على ارتفاع 300 كيلومتر ومدار منخفض لاستهداف القمر الصناعي الهندي “مايكروسات أر”، وبالفعل نجح الصاروخ بعد إطلاقه بنحو 140 ثانية من إصابة هدفه بنجاح.

الصاروخ “SC-19″

فيما يتعلق بالصين، فلم تكن في العقود السابقة تولي اهتمام كبير بالتكتيكات المضادة للأقمار الصناعية، وقد أجرت تجربتها الأولى في هذا الإطار في يناير 2007 وفيها تم استخدام الصاروخ “SC-19″، بعد تزويده برأس حربي متشظي قاتل للحركة لاستهداف قمر صناعي صيني مخصص للأرصاد الجوية يسمى “Fengyun 1C”، تم إطلاقه عام 1999 في مدار يتجاوز ارتفاعه 800 كيلو متر. وتمكن الصاروخ عقب إطلاقه من على متن منصة ذاتية الحركة من تدمير القمر الصناعي بشكل مباشر، وتم إعادة اختبار الصاروخ بعد ذلك عدة مرات حتى عام 2013.

لم تتوقف التجارب الصينية في هذا المجال، ففي مايو 2013 أعلنت الحكومة الصينية عن تجربة صاروخ شبه مداري يحمل معدات علمية مخصصة لدراسة الغلاف الجوي، لكن سادت شكوك حينها خاصة من جانب وزارة الدفاع الأمريكية وأن هذه التجربة هي ستار لاختبار منظومة صينية جديدة لاعتراض الأقمار الصناعية. نفس المعنى تحدثت عنه الولايات المتحدة حيال التجربة الصينية التي تمت في فبراير 2018، وفيها تم اختبار الصاروخ الباليستي العابر للقارات “Dong Feng 3” علمًا أن هذه التجربة خارج الغلاف الجوي للأرض.

مستقبل الردع الفضائي العسكري

يتوقع أن تدخل مزيد من القوى الدولية مثل فرنسا وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، إلى قائمة الدول التي تمتلك قدرات فضائية عسكرية، ففرنسا، التي استفزها اقتراب قمر صناعي عسكري روسي عام 2017 بشكل خطير من أحد أقمارها الصناعية العسكرية، أعلنت في يوليو الماضي عن أضافتها الفضاء الخارجي كمجال أساسي يضاف إلى مجالات اهتماماتها العسكرية، وتم على أثر ذلك إعادة تشكيل قيادة القوات الجوية في الجيش الفرنسي وتسميتها “قيادة سلاح الجو والفضاء”، وكذلك تجهيز مركز مستقل لإدارة عمليات الفضاء في مدينة تولوز الفرنسية.

وعلى الرغم من وجود بعض المعاهدات الدولية المتعلقة بالفضاء الخارجي، مثل معاهدة حرية الملاحة في الفضاء الخارجي التي وقعها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية عام 1967، لضمان حرية جميع الدول في استخدام الفضاء للأغراض السلمية طالما أنها تحترم مصالح مستخدمي الفضاء الآخرين وتعمل في وفقا للقانون الدولي. وكذا مذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين عامي 1971 و1972 لحماية الأقمار الصناعية المخصصة للاستطلاع والاتصالات، إلا أن هذه المعاهدات لم تحظر بشكل صريح الهجمات المتعمدة على الأقمار الصناعية أو تمنع تجارب الأسلحة المضادة لها. تمت محاولات من جانب الصين وروسيا عام 2008 لتقديم مسودة معاهدة لمنع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي – إلى مؤتمر نزع السلاح في جنيف، كذلك كان للاتحاد الأوروبي عام 2010 محاولة مماثلة في نفس الإطار.

رغم هذه المحاولات توسعت التطبيقات العسكرية المختلفة للتكنولوجيا الفضائية خلال السنوات الأخيرة وباتت أسلحة الفضاء تنتمي إلى فئات متعددة من الأنظمة القتالية، وبعضها يحمل أكثر من استخدام وبعضها الأخر لا يعتبر الفضاء مسرح أساسي له، لكنه يمتلك القدرة على العمل فيه. لذلك حصرت المنظمات الدولية أنواع الأسلحة والمنظومات القتالية المتعلقة بالفضاء الخارجي في ستة أقسام. القسم الأول، هو القسم المتعلق بالأنظمة الصاروخية التي يتم إطلاقها من منصات أرضية وهو الأكثر شيوعًا حتى الآن، وتمكن خطورته في أنه قد يكون ستارًا لإجراء تجارب نووية في الفضاء، كما أن عمليات استهداف الأقمار الصناعية في المدارات المرتفعة قد ينتج عنها تناثر حطام هذه الأقمار في الفضاء الخارجي مما يعرض الملاحة الفضائية والأقمار الصناعية الأخرى إلى مخاطر جدية.

القسم الثاني، يتعلق بـ المنظومات الإلكترونية، التي يتم إطلاقها من أجهزة توجيه أرضية بهدف التشويش على الأقمار الصناعية المعادية وإحداث أضرار فنية بها سواء بشكل مؤقت أو دائم. القسم الثالث، هو القسم الخاص بالمواجهات التي تتم بين الأقمار الصناعية، سواء عن طريق اعتراض إحداها للأخرى، أو إطلاق أحد الأقمار مقذوفات موجهه نحو الأقمار المعادية. أمام القسم الرابع، فهو مشابه للقسم الثاني، لكنه يتم من خلال أقمار صناعية في الفضاء وليس من محطات أرضية، حيث يتم تخصيص قمر صناعي معين من أجل بث موجات عالية التردد في اتجاه الاقمار المعادية.

يضاف إلى هذه الأقسام، قسمين يتعلقان بمستقبل النزاعات العسكرية في الفضاء الخارجي، الأول، يرتبط بالقدرة على ضرب أهداف أرضية عن طريق مقذوفات مطلقة من وسائط فضائية. القسم الثاني، يعمل بنفس الآلية، لكنه يستخدم إشارات الميكروويف وأشعة الليزر وتطبيقات الحرب الإلكترونية، من أجل التشويش على المركبات الفضائية المعادية أو الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تتخذ مسارات للتحليق قريبة من الفضاء الخارجي.

خلاصة القول، إن معادلات الردع العسكري المستقبلية حول العالم، سوف تتضمن بكل تأكيد الساحة الفضائية كمسرح أساسي من مسارح النزاعات العسكرية المحتملة في المستقبل، وهو ما يفرض على جهود التسلح الدولية أنماطًا مستحدثة من التطوير والاختبار، خاصة أن بعض التقنيات العسكرية الفضائية تتعارض بشكل أساسي مع جهود استغلال الفضاء الخارجي من أجل التقدم البشري، وبعضها الآخر يحمل في طياته أوجه استخدام مدنية مفيدة وناجعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى