العالم

تعزيز الوجود … القطب الشمالي ما بين موسكو وبكين والناتو

على مدار السنوات الماضية، بدا أن اهتمام موسكو بمنطقة القطب الشمالي، قد تقلص تدريجيا بالمقارنة بما كان الحال عليه خلال الحقبة السوفيتية، لكن تغيرت هذه القناعة بشكل كلي بعد التحركات العسكرية الروسية الأخيرة في هذا النطاق، وهي تحركات متنوعة ومكثفة توحي بشكل كبير إلى أن الاهتمام الروسي بهذه المنطقة الحيوية قد عاد وبقوة.

فقد شهدت منطقة القطب الشمالي خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من التحركات العسكرية واللوجستية الروسية، التي تختلط أهدافها ما بين العوامل الاقتصادية، والعسكرية، والجيوسياسية، وهي عوامل تشترك جميعها في أن تحفيزها تم بسبب عوامل بيئية بحتة، تتلخص في بدء جليد القطب الشمالي في الذوبان بوتيرة أسرع خلال السنوات الأخيرة، وهو ما كان حافزا لموسكو، ولعواصم أوروبية وآسيوية أخرى، كي يعود اهتمامهم بهذه المنطقة إلى سابق عهده مرة أخرى.

بداية رسم خطوط المواجهة الباردة بين موسكو والناتو

بدأ اهتمام موسكو بالقطب الشمالي فعليا عام 1937، عبر ارسال بعثة للبحوث أنشأت قاعدة على بعد نحو 20 كيلو مترا من مركز القطب الشمالي، تلتها بعثة أخرى عام 1950، اتسمت بالسرية التامة، وقامت على مدار عام كامل، بسلسلة من الأبحاث البيئية، بما في ذلك قياس الأعماق ودراسة الخصائص الكيميائية والبيولوجية لمياه البحر في المحيط القطبي الشمالي، بالإضافة إلى أبحاث أخرى متعلقة بمدى إمكانية إنشاء قواعد جوية في هذا النطاق.

كان المحرك الأساسي للتحركات السوفيتية في ذلك التوقيت، قرب المسافة بين حدود الاتحاد السوفيتي ودول حلف الناتو في منطقة القطب الشمالي، وبشكل خاص حدود الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تبعد عن حدود الاتحاد السوفيتي مسافة 70 كيلو مترا فقط، في منطقة “ألاسكا” التي اشترتها واشنطن من موسكو عام 1867 بمبلغ ناهز ثمانية ملايين دولار. تماست حدود الاتحاد السوفيتي أيضاً مع دول أخرى في حلف الناتو هي الدانمارك والنرويج وأيسلندا وفنلندا والسويد، بجانب كندا.

بسبب هذا الوضع الجغرافي، ظل الاتحاد السوفيتي – الذي كان يسيطر فعلياً على 53 بالمائة من مساحة القطب الشمالي – في حالة استنفار دائمة في هذه المنطقة، نظراً لحاجته الدائمة إلى تأمين حدوده القريبة جدا من الدول الأخرى المطلة على القطب الشمالي، خاصة النرويج التي يبلغ طول حدودها مع الاتحاد السوفيتي في القطب الشمالي 200 كيلو متر، وكذلك الولايات المتحدة التي يفصل بينها وبين الأراضي السوفيتية مضيق “بيرنج”، البالغ عرضه 90 كيلو متر فقط.

بحلول ستينيات القرن الماضي، شرع الاتحاد السوفيتي في سلسلة جديدة من الأبحاث وعمليات التنقيب في القطب الشمالي، ثبت من خلالها أن معظم مناطقه تحتوي على احتياطيات كبيرة غير مكتشفة من النفط والغاز الطبيعي. لهذا الغرض أنشأت موسكو خلال السنوات اللاحقة، مجموعة من القواعد العسكرية والمطارات، وكدست كميات كبيرة من الأسلحة والمنظومات الدفاعية، وكذلك فعلت بقية الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي حاولت خلال سبعينيات القرن الماضي، بناء قواعد صاروخية تابعة لها في ألاسكا وجرينلاند، لكن أحجمت عن هذه الخطوة كي لا تستفز موسكو.

في المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة، أعلن الزعيم السوفيتي السابق ميخائيل جورباتشوف خلال خطاب ألقاه في مدينة مورمانسك في أكتوبر 1987، أن القطب الشمالي يجب أن يكون “منطقة سلام وتعاون”. منذ ذلك التوقيت، تراجع اهتمام موسكو على الجانب العسكري بالقطب الشمالي، وتحولت التفاعلات في هذه المنطقة نحو القضايا ذات الاهتمام المشترك بين موسكو والغرب، مثل حماية البيئة والتنمية المستدامة، لا سيما من خلال مجلس القطب الشمالي، الذي تأسس عام 1996.

2007 … عودة روسية أولى إلى القطب الشمالي

تغير هذا الوضع بشكل جذري عام 2007، حين وصلت إلى القطب الشمالي بشكل مفاجئ غواصتي أبحاث روسيتين، تمت تسميتهما “مير-1” و”مير-2″، قامتا بوضع العلم الروسي على سلسلة جبال “لومونوسوف”، على عمق أربعة كيلو مترات تحت سطح المحيط القطبي الشمالي، في خطوة أرادت من خلالها موسكو التأكيد على تضمين هذه المنطقة ضمن جرفها القاري، وإيذاناً بعودة عمليات التنقيب والبحث عن احتياطيات الغاز والنفط في القطب الشمالي. هذه الخطوة أثارت قلق الدول الأخرى المطلة على القطب الشمالي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب انها فتحت الباب أمام خلاف أساسي مع موسكو بشأن الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة في القطب الشمالي.

فاقم من خطورة هذه الخطوة، نتائج التقييم الذي قامت به هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في نفس العام، لحجم الموارد الطبيعية الموجودة في المحيط المتجمد الشمالي، وتحديداً الاحتياطيات الغازية والنفطية، حيث أظهرت نتائج هذا التقييم، أنه يحتوي على 30 بالمائة من احتياطيات الغاز الطبيعي الغير مكتشفة في العالم (17 تريليون قدم مكعب)، وثلاثة عشر بالمائة من احتياطيات النفط العالمية (نحو 90 مليار برميل نفط)، بجانب كميات ضخمة من معادن اخرى مثل الزنك والنيكل والنحاس، بجانب عناصر طبيعية نادرة تدخل في الصناعات الدقيقة.

وعلى الرغم من قيام الدول الخمس المطلة على المحيط المتجمد الشمالي عام 2008، بإعادة تأكيد التزامها بقانون البحار في القطب الشمالي، وتوقيع كل من روسيا والنرويج عام 2010، تم بموجبه إنهاء الخلاف التاريخي بينهما على الحدود البحرية في بحر “بارنتس”، الذي يقع جنوبي المحيط المتجمد الشمالي، إلا أن الخلافات مازالت قائمة بين الدول المطلة على القطب الشمالي، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بشأن الملاحة في مضيق “بيرنغ”، كما أن الولايات المتحدة وكندا تختلفان حول الحدود البحرية لكل منهما في بحر “بوفورت” الغني بالموارد الطبيعية.

رغم هذه الخلافات، إلا أن الصعوبات التي كانت تكتنف عمليات استخراج الثروات النفطية والغازية من القطب الشمالي – وهي صعوبات تكنولوجية وطبيعية في الأساس – ساهمت في عدم ظهور هذه الخلافات إلى العلن، لكن مع التقدم المطرد في عمليات التنقيب والاستخراج، وكذا تزايد معدلات ذوبان الجليد، يتوقع أن يكون هذا الملف من الملفات الخلافية على المستوى الدولي خلال السنوات القادمة، خاصة مع التوسع المتوقع في عمليات التنقيب في هذه المنطقة، علماً ان روسيا تمتلك حالياً العدد الأكبر من حقول الغاز والنفط في القطب الشمالي، وهو 43 حقلا، مقابل 11 حقلا لكندا، وستة حقول للولايات المتحدة، وحقل نفطي واحد للنرويج.

 2013 … عودة الوجود العسكري الروسي في القطب الشمالي

بشكل عام بدأ الجيش الروسي عام 2013، في تقييم حالة المنشآت العسكرية التابعة له في القطب الشمالي، من أجل تحديثها وإدامة تمركز أسلحة نوعية بها، وقد سرعت موسكو هذه العملية بشكل واضح العام الجاري، حيث بدأت في إعادة تأهيل المنشآت العسكرية والمطارات والموانئ التي أنشأها الاتحاد السوفيتي السابق في مناطق سيطرته في هذه المنطقة، وأضافت إليها منذ ذلك التوقيت ما يقرب من 16 ميناء ونقطة تمركز بحرية، ونحو 500 موقع عسكري جديد.

 من أهم التعزيزات التي وصلت إلى القواعد الروسية في هذه المنطقة، وصول أربع مقاتلات اعتراضية من نوع “ميج-31” تابعة لسلاح الجو الروسي أوائل العام الجاري لقاعدة “روجاتشيفو” الجوية في أرخبيل “نوفايا زيمليا”، بجانب طائرات أخرى ومروحيات مخصصة لمهام النقل والدوريات البحرية، ويضاف إلى ذلك إنشاء موقع تمركزت فيه بطاريات منظومة “إس-400” للدفاع الجوي بعيد المدى داخل المطار، وتضاف هذه القاعدة إلى قاعدتين جويتين شرعت موسكو منذ عام 2017 في إنشائها، الأولى هي قاعدة “ناغورسكوي” الجوية في جزيرة “ألكسندرا” الواقعة شمال شرق بحر بارنتس، وقاعدة “تيمب” الجوية في جزيرة “كوتيلني”.

 هذه التعزيزات تضاف إلى الوجود البحري العسكري متعدد الأوجه الذي ضخته روسيا في هذه المنطقة، منذ أن دشنت عام 2014 مركز قيادة استراتيجية مخصص لإدارة التواجد العسكري الروسي في القطب الشمالي، وفعلت بشكل كبير مواضع لتمركز أسطول بحر الشمال في شبه جزيرة “كولا”، حيث خضعت المنشآت البحرية في شبه الجزيرة لعمليات تحديث مكثفة خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك توسيع قاعدة “جادجييفو” للغواصات، والمرافق التابعة لأسطول الشمال الروسي في خليج “أوكولنايا” ومنطقة “بولشوي”، وقاعدة “سيفرومورسك -1” الجوية. جدير بالذكر هنا أن شبه جزيرة كولا تحتضن موقع اختبار الصواريخ الاستراتيجية المسمى “بليستيك”.

 يضاف إلى ما سبق، نشر صواريخ مضادة للقطع البحرية من نوع “باستيون” ومنظومات الدفاع الجوي قصير المدى “بانتسير”، في عدة مناطق بالقطب الشمالي، منها أرخبيل “نوفايا زيميليا” وجزيرة “كوتيلني”، بجانب منظومات الرادار “سوبكا-2” التي تم نشرها في جزيرة “رانجلر”، التي تقع على بعد 400 كيلومتر من آلاسكا.

النقطة الأهم فيما يتعلق بالقدرات العسكرية لروسيا في القطب الشمالي، تتمثل في امتلاك أسطول الشمال الروسي أكبر عدد من كاسحات الجليد – سواء كانت نووية أو غير نووية – على مستوى العالم، حيث يمتلك ما يناهز 40 سفينة، في حين تمتلك كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا نحو عشر سفن فقط، وهو ما يسمح لموسكو بحرية الحركة في الممرات الملاحية المتجمدة للمحيط القطبي الشمالي، خاصة الممر الملاحي الشمالي الغربي، وهذا يحظى بأهمية مضاعفة، في حالة ما إذا وضعنا في الاعتبار أن بعض كاسحات الجليد الروسية، مزودة بمعدات قتالية تشمل صواريخ مضادة للقطع البحرية وأنظمة الحرب الإلكترونية.

جانب أخر من جوانب الاهتمام العسكري الروسي بالقطب الشمالي، يتمثل في تكثيف التدريبات العسكرية في هذا النطاق منذ عام 2018، الذي شهد تدريب “فوستوك-18″، في المناطق الشرقية لروسيا، وبشكل جزئي في منطقة بحر “بيرنغ” الواقع في القطب الشمالي، وقد شارك في هذا التدريب ما مجموعه ثلاثمائة ألف جندي، وكان فعلياً المناورة الأكبر للجيش الروسي منذ عام 1981.

شهد العام التالي ثلاث مناورات جرت أحداثها في القطب الشمالي، حيث نفذت البحرية الروسية التدريب البحري “أوشن شيلد” البحري، وخلاله دخلت وحدات الأسطول الشمالي إلى المحيط القطبي الشمالي، وتحديداً بحر “بارنتس”، ونفذت مناورات بالذخيرة الحية قبالة الساحل النرويجي. التدريب الثاني تمت تسميته “تسنتر-19″، وخلاله نفذ أسطول الشمال الروسي عدة مناورات في أرخبيل “نوفايا زيميليا” وجزر سيبيريا.

التدريب الثالث تمت تسميته “جروم-19” وشاركت فيه قوة الغواصات النووية الروسية، ممثلة في ثماني غواصات نووية من كافة الأساطيل الروسية، وتم خلاله تجربة إطلاق طوربيدين نوويين في بحر “بارنتس”. من المتوقع أن ينفذ الجيش الروسي في سبتمبر المقبل سلسلة المناورات الاستراتيجية “زاباد-2021″، والتي ستتم في عدة مناطق في غرب روسيا وبيلاروسيا، وتضم هذه المناطق أيضاً نطاق تواجد الأسطول الشمالي الروسي في القطب الشمالي.

 آخر إرهاصات اهتمام روسيا العسكري بالقطب الشمالي، تمثل بحدث لافت تم في مارس الماضي، حين نفذت وحدات بحرية وجوية وبرية روسية، مجموعة من التدريبات العسكرية المفاجئة في القطب الشمالي، شملت تحرك ثلاث غواصات نووية – اثنتان منها من الفئة “دولفين” والثالثة من الفئة الأحدث “بوري-أيه” – بشكل مفاجئ إلى القطب الشمالي، وظهورها فوق الجليد قرب جزيرة “إلكسندرا”، وقيام إحداها باختبار إطلاق طوربيد نووي. وقد تضمنت هذه التدريبات أيضاً تحليق مقاتلات “ميج-31” الاعتراضية وتزويدها بالوقود جواً، بجانب تنفيذ 600 فرد من وحدات المشاة الروسية، مناورات بالذخيرة الحية فوق أراضي القطب الشمالي.

مبعث قلق الدول الأخرى المطلة على القطب الشمالي من هذه التحركات العسكرية، هو أنها تضمنت اختبار أحد الأسلحة الأكثر تطوراً وخطورة في الترسانة الروسية، وهو الطوربيد النووي “بوسايدون”، الذي أعلن عنه الرئيس الروسي رسمياً في يوليو 2018، ويتميز بمداه البالغ عشرة الآف كيلو متر، وسرعته الكبيرة البالغة 200 كيلو متر في الساعة، وقدرة رأسه المتفجر التي تصل إلى 2 ميجا طن، والذي يستطيع إحداث صدمة انفجارية، تتسبب في هزات أرضية، ينتج عنها موجات تسونامي كبيرة. هذا السلاح المتفوق بدأ بالفعل في المناوبة القتالية في البحرية الروسية، ويعد من أسلحة “الردع الاستراتيجي”، نظراً للدمار الكبير الذي يمكن أن ينتج عنه.

قلق واضح من حلف الناتو تجاه النوايا الروسية في القطب الشمالي

في منتصف أبريل الماضي، صرّح وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، بأن “مسرحاً جديدا للنزاع” يمكن أن يظهر في القطب الشمالي بسبب الدور الروسي المتنامي هناك، الذي يريد استغلال التغيرات المناخية التي طرأت على هذه المنطقة، من أجل فرض السيطرة على مساحات جديدة من المياه والأراضي، وتحديث القواعد العسكرية الروسية في القطب الشمالي، وبناء أخرى جديدة”. هذا التصريح اوضح بشكل كبير الذهنية الغربية الحالية تجاه التحركات الروسية، خاصة في ظل تزايد احتمالات حدوث صدام عسكري بين الولايات المتحدة وروسيا بسبب المناوشات المتكررة بين القطع البحرية التابعة لأسطول بحر الشمال الروسي، والقطع البحرية التابعة لحلف الناتو، في بحر بارنتس وقبالة الساحل النرويجي.

من أمثلة هذه الحوادث، ما حدث عام 2018، خلال مناورات حلف الناتو في النرويج، حين شوشت الرادارات الروسية على إشارات منظومة تحديد المواقع العالمية “جي بي أس”. لذا بدأت دول الحلف في إعادة تمركز بعض من وسائطها القتالية في منطقة القطب الشمالي، مثل تمركز قاذفات القنابل الأمريكية الاستراتيجية “بي-1 لانسر” في قاعدة “أورلاند” الجوية النرويجية، والدوريات المتتابعة للغواصات الأمريكية قبالة الساحل النرويجي. النرويج تبدو معنية أكثر بمواجهة الأنشطة الروسية بالنظر إلى قربها الجغرافي من الحدود الروسية، وهذا يبدو واضحاً من خلال اعتزام الجيش النرويجي خلال شتاء 2022، تنظيم أكبر مناورات عسكرية في القطب الشمالي منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحت اسم “الاستجابة الباردة”، يتوقع أن يشارك فيها نحو 40 ألف جندي، بجانب وحدات بحرية وجوية نرويجية.

ستقام هذه المناورات بشكل رئيسي في مدينة “أوفتنين”، التي تضم قاعدة “إيفينيس” الجوية، التي يتم اعدادها حالياً لتكون مقر الأسطول النرويجي الجديد من طائرات الدورية البحرية من نوع “بي-8 بوسيدون”، ومقاتلات “أف-35″، ويبعد هذا المطار نحو 600 كيلومتر عن شبه جزيرة كولا، المقر الرئيسي للغواصات الروسية التابعة لأسطول الشمال. جدير بالذكر ان الولايات المتحدة الأمريكية تستعد لإعادة فتح بعض المنشآت العسكرية في القطب الشمالي، التي قامت بإغلاقها عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، مثل قاعدة مشاة البحرية في منطقة “كيفلافيك” في ألاسكا.

بكين ليست بعيدة عن الصراع حول القطب الشمالي

بدأت الحكومة الصينية في تشكيل سياستها في القطب الشمالي في يناير 2018. وعلى الرغم من أنها لا تدعي ملكيتها لأية مناطق او اراضي في هذا النطاق، إلا أنها في نفس الوقت تعتبر الصين “دولة جارة للقطب الشمالي”، لها الحق في إجراء البحوث العلمية، وبحث كيفية استغلال الموارد الاقتصادية الخاصة بهذه المنطقة، واستخدام الممرات الملاحية الموسمية فيها من اجل دعم التجارة الصينية، كما أنها تعتبر هذه المنطقة جزء من مشروعها الدولي “مبادرة الحزام والطريق”.

المدخل الذي اتخذته بكين لخلق تواجد لها في القطب الشمالي كان المدخل النرويجي، عن طريق الاتفاق مع الحكومة النرويجية على تواجد دائم للعلماء الصينيين في محطة أبحاث البيئة والطقس في جزيرة “سبيتسبيرجين”، وكذا التعاون مع السلطات النرويجية لتسيير دوريات في القطب الشمالي مكونة من سفن للأبحاث وأخرى كاسحات للجليد. كذلك تستثمر بكين في جزيرة جرينلاند الدنماركية، خاصة في مجال التنقيب عن الحديد، حيث فازت شركة صينية عام 2014 برخصة للتنقيب عن الحديد في الجزيرة.

وقد زادت بكين مؤخرًا من استثماراتها في الأبحاث الخاصة بالقطب الشمالي، حيث تنفق نحو 60 مليون دولار سنويًا، وعززت تواجدها في دول أخرى بالقطب الشمالي، مثل أيسلندا التي وقعت معها اتفاقية للتجارة الحرة، وفنلندا التي تمتلك عدة مشروعات مشتركة مع الصين. عسكرياً حاولت بكين تأسيس قاعدة بحرية وأخرى جوية في مدينة “نوك” عاصمة جزيرة جرينلاند، لكن أفشلت الولايات المتحدة هذه المحاولة.

إذن نصل إلى خلاصة مفادها أن موسكو عادت مجدداً للاهتمام بالقطب الشمالي، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً من أجل خدمة أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية. في الوقت الحالي تجد الدول الأخرى المطلة على القطب الشمالي نفسها عاجزة عن مجاراة التحركات الروسية سريعة الوتيرة، لكن الأكيد ان هذه الدول تراقب عن كثب تحركات موسكو في هذه المنطقة، التي قد يرسم الصراع المستقبلي حولها ملامح الوضع الدولي خلال العقود القادمة سياسياً واقتصاديا.

وتبقى الصين وسط كل هذه الأطراف، تعمل بشكل هادئ ومستتر على تحقيق أهدافها الاقتصادية في هذا النطاق الذي لا ترتبط به فعلياً بأي روابط جغرافية، لكن في عصرنا الحالي باتت الروابط الاستراتيجية والاقتصادية والجيوسياسية هي المحرك الأكبر لأي توجهات خارجية لأي دولة، ناهيك عن الدول الكبرى.

مصادر:

1- https://2u.pw/nDcOk

2- https://2u.pw/DDFDB

3- https://2u.pw/wxYqx

4- https://2u.pw/jllGV

5- https://2u.pw/YgkLE

6- https://2u.pw/vBwH2

7- https://2u.pw/ZxBLJ

8- https://2u.pw/X934L

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى