الأزمة الأوكرانية

القمم الثلاث.. واشنطن ومحاولة تصعيد الضغوط على موسكو

في ظل استمرار تصاعد الموقف الميداني في أوكرانيا، ضمن ثنايا العمليات العسكرية الروسية التي أتمت شهرها الأول، تجد أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية نفسها حيال أوضاع سياسية واقتصادية تنذر بتحولات أساسية في العقيدة الدفاعية الأوروبية، وفي موازين القوى الإقليمية والدولية. مسألة “وحدة أوروبا” في هذا الصدد، تبدو ضرورية وأساسية، وهذا هو المدخل الأساسي الذي يمكن من خلاله النظر إلى التحركات الأمريكية على المستوى الخارجي خلال المدى المنظور.

هذا الإطار هو المحدد الأساسي للجولة الأوروبية التي بدأها مساء أمس -الأربعاء- الرئيس الأمريكي جو بايدن، عبر زيارة العاصمة البلجيكية بروكسل، والتي يستهدف من خلالها المشاركة في قمة زعماء دول حلف شمال الأطلسي -الناتو- وقمة الدول الصناعية السبع الكبرى، وكذا اجتماع المجلس الأوروبي، الذي سينعقد اليوم وغدًا، ويتوقع أن يوجه بايدن خلاله رسالة إلى قادة الدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي، قبل أن يغادر إلى بولندا.

جولة بايدن الأوروبية، تعد الثالثة التي يقوم بها منذ توليه منصبه، وتتزامن مع تصاعد الأزمة الحالية في أوكرانيا، على عكس جولته الأوروبية العام الماضي، التي كانت مخصصة لحضور قمة مجموعة الدول العشرين -التي انعقدت في إيطاليا- ومؤتمر الأمم المتحدة للمناخ الذي انعقد في اسكتلندا. 

الملفات والرسائل التي يتوجب على بايدن النظر فيها ومحاولة إيجاد مقاربات فعالة لها تتجاوز مجرد التأكيد على وحدة أوروبا حيال ما يحدث في أوكرانيا – وهي الوحدة التي أظهرت هذه الأزمة أنها تعاني من معضلات جدية. حيث ترغب الولايات المتحدة في التأكيد على استمرار دعمها لكييف، وعلى أنها ستتخذ خطوات أكبر في هذا الصدد خلال المدى المنظور.

مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان، ألقى مزيدًا من الضوء -عبر تصريحات صحفية- حول أهداف بايدن من هذه الجولة، حيث قال إن بايدن وقادة حلف الناتو، سيبحثون خلال اجتماعاتهم بشأن تشكيل خطط عسكرية طويلة المدى، لتعزيز الأمن والدفاع في أوروبا، وبحث كيفية توسيع قاعدة الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا. 

في حين أشار سوليفان إلى أن ملف محاولة “سحب” بكين من الخانة الروسية فيما يتعلق بالملف الأوكراني، وملف إيجاد اتجاهات جديدة لتوريد الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وملف اللاجئين القادمين من أوكرانيا، ستكون على رأس الملفات التي سيتم بحثها بين بايدن وقادة الدول الأوروبية خلال اجتماع المجلس الأوروبي. كذلك ستحاول الولايات المتحدة مع شركاؤها الأوربيين، بحث كيفية عزل موسكو بشكل أكبر على المستوى الدولي، عبر مزيد من العقوبات الاقتصادية، سواء كان ذلك عبر سن عقوبات جديدة أو تشديد العقوبات الحالية.

العامل الداخلي يبدو أيضًا من أسباب بدء بايدن هذه الجولة الأوروبية، فقد أظهر استطلاع جديد للرأي في الولايات المتحدة الأمريكية – أجرته وكالة “أسوشيتدبرس” للأنباء ومركز “نورك” للأبحاث، وتم نشر نتائجه أمس – أن غالبية المستطلع آراؤهم لم يجدوا تطبيقًا حقيقيًا لادعاءات بايدن الانتخابية حول خبرته في التعامل مع الأزمات الدولية الطارئة، حيث شمل هذا الاستطلاع عينة تتألف من 1082 شخص، وأفادت النتائج أن 56% من الأمريكيين يعتقدون أن بايدن لم يكن صارمًا بما يكفي تجاه روسيا.

زيادة الدعم العسكري … وبحث أمن الناتو في شرق أوروبا

تحدثت أوكرانيا مرارًا حول عدم كفاية المساعدات العسكرية المقدمة من الغرب إليها، وعن عدم توافق هذه المساعدات مع الطلبات الأوكرانية التي شملت أنظمة دفاع جوي متقدمة وطائرات مقاتلة. هذا الملف كان من أسباب ظهور عدم التجانس في المواقف الغربية حيال نوعية الدعم العسكري المقدم إلى كييف، خاصة بعد أن فشلت محاولة دعم سلاح الجو الأوكراني بمقاتلات “ميج-29” بولندية، وكذلك فشل محاولات مماثلة لتزويد الدفاع الجوي الأوكراني ببطاريات “أس-300” تمتلكها دول أخرى. في هذا الإطار يمكن القول إن الجانب المتعلق بالدعم العسكري في جولة بايدن الأوروبية، ينقسم إلى قسمين أساسيين.

القسم الأول، يتعلق ببحث إمكانية زيادة المساعدات العسكرية المقدمة إلى كييف، سواء على مستوى الكم أو النوع، حيث أوشكت واشنطن على إرسال أول شحنة من حزمة أسلحة جديدة بقيمة 800 مليون دولار لأوكرانيا، أقرها الرئيس جو بايدن الأسبوع الماضي، ومن المتوقع أن يبحث بايدن خلال جولته الأوروبية، إيجاد مبادرات أكثر مماثلة من جانب الدول الأوروبية، وكذلك بحث إمكانية تزويد كييف بمنظومات دفاع جوي بعيدة المدى، حيث تجري الولايات المتحدة حاليًا مباحثات مع سلوفاكيا لنقل بعض أنظمة الدفاع الجوي إلى أوكرانيا، وهو ما قد يتم الاتفاق عليه خلال الجولة الحالية.

القسم الثاني، يمس أمن حلف الناتو، فقد صرح بايدن أمس تصريحًا لافتًا أفاد فيه أن احتمالات شن روسيا هجومًا كيميائيًا على أوكرانيا بات “تهديدًا حقيقيا”، وهو تصريح إذا ما وضعناه جنبًا إلى جنب مع تصريحات المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، حول إمكانية تفكير روسيا في استخدام أسلحتها النووية إذا شعرت أن هناك “تهديدًا وجوديًا”، يمكن من خلاله فهم التوجس الذي ينتاب حلف الناتو من القدرات النووية الروسية وتصاعد النشاط العسكري لموسكو في أوكرانيا.

هذا الملف تم بحثه بطبيعة الحال خلال قمة الحلف اليوم، حيث تم التوافق بين الشركاء الأوروبيين على خطط لكيفية الرد الآني على استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، وتمت مناقشة خطط الحلف طويلة المدى فيما يتعلق بالانتشار الميداني في أوروبا، خاصة في الجناح الشرقي منها. مخرجات اجتماع الحلف اليوم لم يتم الإعلان عنها بشكل واضح، لكن الجزء الأهم فيها كان الإعلان عن مضاعفة أعداد مجموعات الناتو القتالية المنتشرة في شرق أوروبا، وتشكيل أربعة مجموعات جديدة ستتمركز في بلغاريا وسلوفاكيا ورومانيا والمجر، وموافقة قادة الحلف على زيادة المخصصات المالية العسكرية المتعلقة بالأزمة الأوكرانية.

ملف العقوبات المستقبلية على موسكو

منذ ما قبل بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، كانت العقوبات الاقتصادية بمثابة السلاح “المعلن” من جانب الولايات المتحدة الأمريكية الذي لوحت باستخدامه في حالة إقدام موسكو على مهاجمة أوكرانيا. تفعيل هذا السلاح لم يثني موسكو عن الاستمرار في عملياتها العسكرية في أوكرانيا، وهو ما ترافق مع خلافات أوروبية واضحة بشأن هذه العقوبات. هذا الوضع يلقى مزيدًا من الضغوط على الإدارة الأمريكية، لبحث إمكانية إيجاد طرق جديدة لفرض عقوبات على روسيا، ربنا تشمل الطبقة السياسية وقطاع الطاقة. 

توجد إمكانية معقولة لإعلان بايدن خلال جولته الأوروبية الحالية عن عقوبات جديدة على موسكو، خاصة أن هذا الملف سيتم بحثه خلال قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، وقد تشمل هذه العقوبات – حسب تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي – إضافة المزيد من البنوك الروسية والمؤسسات الحكومية إلى قائمة العقوبات، وكذلك بعض الشخصيات السياسية الروسية، بما في ذلك أعضاء مجلس الدوما. الخلافات الأوروبية في هذا الصدد تبدو ماثلة للعيان، من خلال تصريح أدلى به اليوم رئيس وزراء هولندا “مارك روته”، الذي قال إن زعماء الاتحاد الأوروبي لن يتفقوا على فرض عقوبات جديدة على روسيا في قمتهم التي تبدأ اليوم.

ملف العقوبات يتضمن أيضًا مسارًا مهمًا يتعلق بالطاقة، حيث يتوقع أن يعلن الرئيس الأمريكي غدًا، أثناء لقائه مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فوندرلين في بروكسل، عن مبادرة كبرى لتوجيه شحنات من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، تستهدف الحد من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وهو ما قد يعني -في حالة تطبيق هذه المبادرة- إعادة تنظيم تدفق الطاقة حول العالم بشكل كامل، ما سيكون له تأثيرات ممتدة خلال السنوات القادمة. ملف أزمة الطاقة في أوروبا سيكون هو الملف الرئيس في اجتماعات المجلس الأوروبي، خاصة بعد إعلان الاتحاد الأوروبي أنه سيطلب مساعدة الولايات المتحدة لزيادة مرافق تخزين الغاز الطبيعي في الشتاء المقبل.

وعلى الرغم من مناشدة عدة دول أوروبية الولايات المتحدة -مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان- مساعدتها في توفير بدائل للغاز الروسي، إلا أن هناك انقسامات أساسية داخل الاتحاد الأوروبي حول ما إذا كان ينبغي اتباع الولايات المتحدة في فرض حظر على واردات الطاقة من روسيا، مثل ألمانيا مثلًا، التي ترى أن هذا الحظر سيضر ألمانيا أكثر من روسيا. هذه الانقسامات ربما تجعل التركيز الأمريكي في هذا الصدد منصبًا على توفير بدائل للغاز الروسي، دون الضغط على الدول الأوروبية لحظر واردات الغاز الروسية، خاصة وأن روسيا تصدر للاتحاد الأوروبي نحو 40 بالمائة من احتياجاته من الغاز الطبيعي. 

الصين وملف اللاجئين

يضاف إلى هذه الملفات، ملف أزمة اللاجئين المتصاعدة في شرق أوروبا، بعد لجوء نحو 3.5 مليون أوكراني إلى الدول القريبة من أوكرانيا، من ضمنهم أكثر من 2 مليون عبروا إلى الداخل البولندي. هذا الملف سيتم بحثه خلال اجتماعات بايدن في بروكسل، وأيضًا خلال زيارته غدًا إلى بولندا، حيث ترغب دول أوروبا الشرقية في الدعم الأوروبي والأمريكي، لإدارة هذا الملف. تحظى بولندا في هذا الصدد بأهمية خاصة، كونها نقطة الاستقبال الرئيسة للاجئين، وكذلك الممر الأساسي للأسلحة الواردة إلى أوكرانيا، لذا كانت هي المحطة الثانية في هذه الجولة، وسبق وزارها مؤخرًا كل من وزير الخارجية بلينكن، ونائبة بايدن كامالا هاريس.

ملف العلاقات مع الصين يبدو أيضًا من الملفات التي سيتم بحثها خلال هذه الجولة، إذ تخشى الولايات المتحدة من تقديم بكين دعم اقتصادي وعسكري ملموس إلى روسيا خلال المدى المنظور، وحال حدوث ذلك فإن المشهد في شرق أوروبا سيكون أسوأ بكثير من المشهد الحالي. واشنطن من جانبها قامت بسبر الأغوار الصينية، عبر لقاء جمع بين مستشار الأمن القومي الأمريكي سوليفان ونظيره الصيني في روما، أعقبه مكالمة هاتفية استمرت ما يقرب من ساعتين بين بايدن والرئيس الصيني شي جين بينغ. 

وخلال الجولة الأوروبية الحالية يبحث بايدن مع الدول الأوروبية، سبل إقناع بكين بالبقاء بعيدًا عن الموقف الروسي الحالي في أوكرانيا، وهي سُبل تبدو معقدة ووعرة، بالنظر إلى متانة العلاقات بين بكين وموسكو. سلاح العقوبات يبدو هو الأقرب في هذا الإطار، حيث تعد أوروبا سوقًا رئيسة للقطاع الصناعي الصيني، وبالتالي قد يتم في هذه الجولة التلويح بإمكانية فرض عقوبات اقتصادية على بكين، في حالة ما إذا قدمت دعمًا عسكريًا أو اقتصاديا لموسكو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى