الأزمة الأوكرانية

المواجهة عن بعد… دور الطائرات بدون طيار في الحرب الأوكرانية

لم يعد من الجائز اعتبار دور الطائرات بدون طيار في ميادين القتال الحديثة أمرًا مستحدثًا أو استثنائيًا؛ فقد عبرت هذه التقنية مرحلة الاستخدامات الاستثنائية المحدودة منذ سنوات، وأصبحت ركنًا أساسيًا في أي استراتيجية عسكرية ميدانية. لكن اتسم استخدام الطائرات بدون طيار في المعارك الجارية حاليًا في الأجواء والأراضي الأوكرانية بسمة لم تتكرر فيما سبق من حروب تم فيها استخدام الطائرات بدون طيار، ألا وهي انخراط عدد كبير من أنواع الطائرات بدون طيار الروسية والأوكرانية في هذه الحرب، لتنفيذ طيف واسع من المهام الاستطلاعية والقتالية.

بشكل عام، استخدم كلا الطرفين القسم الأكبر من أنواع الطائرات بدون طيار التي يمتلكها، سواء لتنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف، أو عمليات تصحيح نيران المدفعية وتقييم نتائج الضربات الجوية، أو مهام استكشاف مواضع أنظمة الدفاع الجوي. ذلك بجانب المهمة الأكثر حداثة، وهي تنفيذ الهجمات المباشرة على الأرتال والمواقع المعادية. 

عدد الأنواع التي تم توثيق استخدامها ميدانيًا حتى الآن من الطائرات بدون طيار في هذه الحرب يعد فعليًا الأكبر مقارنة بكافة النزاعات العسكرية الإقليمية والدولية السابقة، بما في ذلك المواجهة بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم “ناجورنو قره باغ” عام 2020، والتي شهدت استخدامًا مكثفًا للطائرات بدون طيار.

الإرث “السوفيتي” بدون طيار يظهر في شرق أوروبا

طائرة “توبوليف-141” في أحد المتاحف الأوكرانية

على عكس ما كان متوقعًا -وللمفارقة التاريخية الكبيرة- كان بطل افتتاحية استخدام الطائرات بدون طيار في “معركة أوكرانيا” نوع قديم وليس حديث من أنواع التقنيات المسيرة، وتحديدًا طائرة “توبوليف-141” السوفيتية، التي تعد ثاني طائرة بدون طيار صممها الاتحاد السوفيتي، بعد “توبوليف-123″، التي كانت وليدة إلغاء مشروع الصاروخ الجوال النووي “توبوليف-121”. 

طائرة “توبوليف-141” كانت ضمن وسائط الاستطلاع السوفيتية خلال ما يقرب من عقد من الزمان، بين عامي 1979 و1989، واستُخدمت بشكل أساسي لاستطلاع الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي باستخدام الكاميرات الحرارية والفوتوغرافية التي كانت مزودة بها.

كانت خصائص هذه الطائرة تعد جيدة حتى بمقاييس العصر الحالي، فقد بلغ مداها الأقصى نحو 1000 كيلومتر، وتستطيع التحليق على ارتفاعات تصل إلى 6 كيلو مترات، بسرعات كبيرة تصل إلى 1100 كيلومتر. وكان إطلاقها يتم عبر منصة إطلاق أرضية، ومن ثم تقوم بالتحليق عبر محرك نفاث، ومن ثم تقوم بالهبوط باستخدام مظلة مثبتة في منطقة الذيل. وقد خرجت هذه الطائرة من الخدمة في الجيش السوفيتي لصالح الطائرة الأحدث “توبوليف-143″، التي كان لدول عربية مثل سوريا والعراق تجربة مع استخدامها.

طائرة “توبوليف-143” في إقليم دونباس عام 2014

ظهور هذه الطائرة مرة أخرى وعودتها إلى الخدمة لم يكن في روسيا، بل كان في أوكرانيا، التي ورثت بطبيعة الحال كميات كبيرة من هذا النوع ضمن ما حصلت عليه من الاتحاد السوفيتي بعد انهياره، حيث ظلت هذه الكميات مخزنة إلى أن قررت كييف عام 2014، إعادة هذه الطائرة وأنواع اخرى إلى الخدمة، بالتزامن مع اندلاع المعارك مع القوات الانفصالية في إقليم دونباس، حيث قامت بإعادة تأهيل 69 طائرة سوفيتية بدون طيار، من بينها “توبوليف-141” و”توبوليف-143″، وهذه الأخيرة كانت مطورة من الأولى، وظلت في الخدمة لدى القوات الجوية السوفيتية حتى عام 1989.

خلال تلك المعارك أسقطت القوات الانفصالية طائرة واحدة على الأقل من نوع “توبوليف-143″، لكن لم تظهر بشكل واضح طائرات “توبوليف-141″، ولم يتضح بشكل موثوق ماهية التطوير الذي أجرته أوكرانيا على هذه الطائرات كي تكون مواكبة للعصر، خاصة على مستوى آليات التصوير وتخزين الصور على متنها، حيث تعتمد الكاميرات المثبتة على متن كلا النوعين، وهي كاميرا الرؤية البانورامية “PA-4″، والكاميرا الأساسية “A-86-P” على آليات قديمة لتخزين الصور تعتمد على الأفلام الفوتوغرافية.

طائرة “توبوليف-141” في شبه جزيرة القرم مارس 2022

الظهور الأول لطائرات “توبوليف-141” في المعارك الدائرة حاليًا في أوكرانيا، كان مزدوجًا، حيث حلقت طائرتان من هذا النوع في الثامن من الشهر الجاري في اتجاهين مختلفين، فتوجهت الأولى جنوبًا في اتجاه شبه جزيرة القرم، وهناك أسقطتها الدفاعات الجوية الروسية، أما الثانية فحلقت -بشكل أثار تساؤلات عديدة- عبر أجواء رومانيا والمجر، قبل أن تحلق في أجواء كرواتيا لمدة سبع دقائق، قبل أن تتحطم وسط العاصمة الكرواتية زغرب. 

وعلى الرغم من أن الغرض من تحليق الطائرة الأولى كان واضحًا -وهو استطلاع تحركات القوات الروسية العابرة لقناة القرم- إلا أن الغرض من تحليق الطائرة الثانية ظل محل جدل، وإن كانت المؤشرات المتوفرة تشير إلى أن كييف كانت ترغب في اجتذاب ردود فعل من جانب حلف الناتو، خاصة أن شعار القوات الجوية الأوكرانية لم يكن على كلا الطائرتين اللتين شاركتا في هذه العملية. واللافت هنا أن حلف الناتو استشعر الحرج من هذه العملية؛ نظرًا لعدم مقدرة قيادة الدفاع الجوي الموحدة الخاصة به على رصد هذه الطائرة، رغم تحليقها في أجواء المجر لنحو 40 دقيقة كاملة.

ثمار التجربة السورية تجنيها التقنيات المسيرة الروسية

عمليات القصف الروسية باستخدام الطائرات بدون طيار في ماريوبول

أواخر عام 2018، أصدرت وزارة الدفاع الروسية سلسلة من البيانات حول إمكانيات الأنظمة الجوية غير المأهولة التي تمتلكها، وكان المحور الرئيس لهذه البيانات هو أنه عندما بدأت العمليات الروسية في سوريا، كان واضحًا افتقار الوحدات الروسية هناك إلى الطائرات الهجومية دون طيار التي تتيح لها القدرة على تحديد وضرب الأهداف المعادية بشكل عاجل وسريع، وهي واحدة من أهم المهام التي تضطلع بها الطائرات الهجومية دون طيار المشار إليها اختصارًا بـ “UCAV”.

وقد تأكد لدى القيادة العسكرية الروسية خلال العمليات السورية، أهمية هذا النوع من الطائرات دون طيار، رغم أنها استخدمت أنواعًا استطلاعية مختلفة الأحجام والأنواع من الطائرات دون طيار في الأجواء السورية، ولذلك كان من ضمن الأهداف العسكرية الاستراتيجية التي أعلن عنها الرئيس الروسي عام 2019، هو العمل على تطوير طائرات قتالية بدون طيار، وهو ما أثبتت عمليات أوكرانيا انه قد تحقق بالفعل.

استخدمت القوات الروسية في أوكرانيا بشكل أساسي -حتى الآن- ثمانية أنظمة مسيرة دون طيار في عملياتها على كافة الجبهات، وقد كان لافتًا بشكل كبير مدى الاستفادة التي حازتها موسكو من عملياتها في سوريا، والتي اشتملت على تجارب ميدانية لعدة أنواع من الطائرات بدون طيار، ما مكّن الجيش الروسي من اللحاق بشكل كبير بالدول الرئيسة في مجال تصنيع الطائرات بدون طيار، خاصة الأنواع الهجومية منها.

 لذا نجد أنه للمرة الأولى ميدانيًا تستخدم القوات الروسية نوعين من أنواع الطائرات الهجومية بدون طيار، بجانب أربعة أنواع استطلاعية، ونوع واحد من أنواع الذخائر الجوالة “الانتحارية”، بجانب نوع من انواع الطائرات الهدفية.

طائرة “Forpost” في سوريا

تعد طائرة الاستطلاع/الهجوم المتوسطة دون طيار “Forpost”، من أهم الطائرات الاستطلاعية التي استخدمها الجيش الروسي خلال عملياته في كل من سوريا وأوكرانيا. هذه الطائرة هي نسخة منتجة بترخيص من إسرائيل، ومبنية على الطائرة الاستطلاعية بدون طيار “Searcher-2″، التي حصلت روسيا على أعداد منها ضمن صفقة بقيمة 54 مليون دولار عام 2009، لتبدأ بعد ذلك عمليات تصنيع وتجميع هذا النوع داخل روسيا منذ أوائل عام 2012، لتدخل الخدمة في الجيش الروسي عام 2014. 

تم تطوير هذا النوع تحت اسم “Forpost-M” عام 2017، ووصل مداه إلى 250 كيلو مترًا، وسرعته القصوى 200 كيلو متر في الساعة، ويستطيع التحليق على ارتفاعات تصل إلى خمسة كيلومترات، والطيران المتواصل لمدة تصل إلى 18 ساعة.

النسخة القتالية من طائرة “Forpost” خلال عمليات أوكرانيا

كان الغرض الأساسي لإدخال الجيش الروسي لهذا النوع من الطائرات في عملياته بسوريا هو اختبار قدراته، وخلصت هذه الاختبارات إلى اعتماد هذا النوع كأساس للبناء عليه لإنتاج طائرة هجومية دون طيار، وهذا أسفر عن اكتمال تصميم النموذج القتالي الجديد من هذا النوع تحت اسم “Forpost R” في أغسطس 2019، ودخل هذا النموذج مرحلة الإنتاج الكمي عام 2020.

الاستخدام الميداني الأول للنسخة القتالية من هذه الطائرة كان خلال المعارك الدائرة حاليًا في أوكرانيا، حيث بدأت القوات الروسية في استخدام هذه النسخة، التي لوحظ تزويدها بنقطتي تحميل خارجيتين، يمكن تحميلهما بذخائر موجهة أو حرة التوجيه، واستخدمت في مراقبة واستهداف أبراج الاتصالات ومرابض المدفعية الأوكرانية في الجبهتين الجنوبية والشمالية. واللافت أنه تم استخدامها في بعض الغارات الليلية، علمًا بأن الدفاعات الجوية الأوكرانية تمكنت من إسقاط طائرة واحدة من هذا النوع حتى الآن.

النوع القتالي الثاني الذي تم توثيق استخدامه من جانب القوات الروسية هو الطائرة “أوريون-أنوخودت”، التي تصنعها شركة “كرونشتادت” الروسية، وهي من فئة الطائرات بدون طيار متوسطة الارتفاع، حيث تستطيع التحليق على ارتفاعات تصل إلى 8 كيلو مترات، بسرعة قصوى تصل إلى 200 كيلومتر في الساعة، ومدى يصل إلى 250 كيلو متر. 

من أهم مميزات هذه الطائرة امكانية تحميلها بذخائر قتالية موزعة على أربع نقاط تحميل خارجية، بإجمالي وزن يصل إلى 200 كيلو جرام، تشمل القنابل الجوية “كاب-230” و”كاب-500″، بجانب أنواع اخرى من الذخائر الموجهة بالليزر أو حرة التوجيه.

طائرة “أوريون – أنوخودت” أثناء العمليات في أوكرانيا

طائرة “أوريون” كانت ضمن الطائرات بدون طيار التي اختبرتها موسكو في سوريا، حيث تمركزت لعدة سنوات في قاعدة “التيفور” الجوية السورية في محافظة حمص، ونفذت ما مجموعه 38 طلعة جوية، تتضمن تسعة عشر غارة جوية، وثمانية عشر رحلة استطلاعية.

قبيل بدء المعارك في أوكرانيا، قامت وزارة الدفاع الروسية بتنفيذ عدة اختبارات لافتة على هذا النوع من الطائرات؛ ففي ديسمبر الماضي، أجرت الوزارة تجربة على هذا النوع في شبه جزيرة القرم، تم خلالها بنجاح إطلاق نسخة جوية من الصاروخ المضاد للدبابات “كورنيت” من على متن هذه الطائرة، نحو مروحية بدون طيار.  هذه التجربة تم تطبيقها عمليًا خلال المعارك في أوكرانيا، بعد أن تم قصف عدة مواقع أوكرانية في إقليم دونباس بهذا النوع من الصواريخ، مثل مقر قيادة كتيبة “إيدار” الواقع قرب مدينة “دونيتسك”، ويضاف إلى هذا تركيز هذا النوع على قصف مرابض المدفعية والمدفعية الصاروخية الأوكرانية.

أما فيما يتعلق بالطائرات بدون طيار الاستطلاعية التي استخدمتها القوات الروسية في أوكرانيا حتى الآن، فكان على رأسها الطائرة الأكثر استخدامًا في سوريا “أورلان-10″، التي تعد الطائرة بدون طيار الرئيسة في تسليح الجيش الروسي، بعدد يتجاوز 2000 طائرة.

تعمل هذه الطائرة في الميدان السوري منذ أكتوبر 2015، وهي طائرة استطلاع متوسطة مزودة بكاميرات متخصصة في رسم الخرائط ثلاثية الأبعاد وعمليات الاستطلاع والتصوير الجوي، ومن أهم مميزاتها إمكانية عملها في أسراب تتكون مما بين ثلاث إلى خمس طائرات، يتم توزيع المهام عليها ما بين مهام الحرب الإلكترونية والاستطلاع ونقل الإشارات والبيانات إلى محطة التحكم.

 وقد سبق وظهر هذا النوع من الطائرات في مناطق أخرى في العالم مثل أوكرانيا وليبيا. تستطيع هذه الطائرة العمل بشكل متواصل لمدة 16 ساعة، والتحليق على ارتفاعات تصل إلى خمسة كيلومترات، وتصل سرعتها القصوى إلى 150 كيلو مترًا في الساعة، ومداها القتالي الأقصى يقدر بنحو 140 كيلو مترًا.

طائرة “أورلان-10” أثناء العمليات في أوكرانيا

تم حتى الآن إسقاط سبع طائرات من هذا النوع، إحداها سقطت بشكل غير معروف الملابسات فوق الأراضي الرومانية. اعتمدت القوات الروسية بشكل أساسي على هذا النوع من الطائرات بدون طيار، لتنفيذ عمليات تصحيح نيران المدفعية ورصد الأهداف وتحديد إحداثياتها من أجل توجيه الصواريخ الجوالة والباليستية، ورصد نتائج الضربات الجوية والصاروخية وتحليلها. وقد لعب هذا النوع من الطائرات دورًا مهمًا في الجبهة الجنوبية؛ إذ تمكنت من خلاله القوات الروسية من تحديد أماكن وجود الأطقم الأوكرانية المضادة للدروع التي كانت تتخفى فوق أسطح المباني.

طائرة “Eleron-3sv” أثناء العمليات في أوكرانيا

النوع الاستطلاعي الثاني هو الطائرة الخفيفة “Eleron-3SV”، التي بدأ تصنيعها عام 2005، وشرع الجيش الروسي منتصف عام 2015 في استخدامها في سوريا من أجل عمليات الاستطلاع الميداني القريب. وتصل سرعتها القصوى إلى نحو 130 كيلو مترًا في الساعة، وتستطيع التحليق على ارتفاعات تصل إلى خمسة كيلو مترات. وتم إسقاط أربع طائرات من هذا النوع حتى الآن في أوكرانيا. 

النوع الثالث هو الطائرة الخفيفة “Granat-4″، المتخصصة في عمليات الاستطلاع القريب، وتتراوح سرعتها القصوى ما بين 90 و145 كيلو مترًا في الساعة، ويصل مداها الأقصى إلى 10 كيلو مترات. النوع الرابع من أنواع الطائرات الاستطلاعية بدون طيار هي الطائرة “ZALA421-16E”، التي بدأ إنتاجها عام 2012، وتعد من طائرات المراقبة القريبة متوسطة المدى، يتراوح مداها بين 75 و120 كيلو مترًا، وتستطيع التحليق بشكل متواصل لمدة أربع ساعات، وقد استخدمتها الوحدات الروسية والشيشانية بشكل مكثف في الجبهتين الجنوبية والشرقية.

الذخيرة الجوالة “ZALA-KYB” في كييف

فيما يتعلق بالذخائر الجوالة، تم توثيق استخدام القوات الروسية لنوع واحد منها، وهي الذخيرة الجوالة “ZALA-KYB”، التي تم الكشف عنها للمرة الأولى عام 2019، وتتزود برأس حربي زنته 3 كيلو جرامات، وتستطيع التحليق لمدة نصف ساعة متواصلة، وتنفيذ هجمات بسرعة تصل إلى 130 كيلو مترًا في الساعة. وتم توثيق استخدام هذه الذخائر ضد مواقع بالعاصمة الأوكرانية.

الطائرة الهدفية “E-95M” في أوكرانيا

النوع الأخير من أنواع الطائرات الروسية بدون طيار التي تم رصد استخدامها في أوكرانيا حتى الآن، هو الطائرة الهدفية “E-95M”. هذه الطائرة تعد من الطائرات المستخدمة في تدريب وحدات الدفاع الجوي، كمحاكٍ للصواريخ الجوالة، وبالتالي يمكن أن نعد استخدامها من جانب الجيش الروسي وسيلة لاستدراج الدفاعات الجوية المعادية، وإجبارها على تشغيل رادارات الاشتباك، ومن ثم الإغلاق على الهدف؛ ما يساهم في معرفة مواضع انتشار هذه الرادارات، وبالتالي يسهل استهدافها عن طريق الصواريخ المضادة للرادار.

تتميز هذه الطائرة الهدفية بامتلاكها عدسة لزيادة المقطع العرضي الراداري، وعواكس رادارية حادة الزاوية، وآليات بث حراري، وهي جميعها أدوات لإظهار هذه الطائرة على الرادارات المعادية بشكل أقرب ما يكون للمقاتلات أو الصواريخ الجوالة. تستطيع هذه الطائرة البقاء في الجو بشكل متواصل لمدة نصف ساعة، على ارتفاع يصل إلى 3 كيلو مترات، بسرعة تتراوح بين 200 و300 كيلو متر.

البيرقدار … سلاح أوكراني أساسي لكنه ليس الوحيد

تم توثيق استخدام كييف لستة أنواع من الطائرات بدون طيار حتى الآن، أبرزها بطبيعة الحال الطائرة التركية الصنع “بيرقدار”. رغم امتلاك أوكرانيا برنامج جيد لإنتاج الطائرات بدون طيار بجميع أنواعها، إلا أن معاناة الصناعات العسكرية التركية جراء توتر العلاقات بين أنقرة وبعض الدول مثل فرنسا والولايات المتحدة وألمانيا خلال السنوات الماضية، وتأثير ذلك على إمكانية استيراد أحد أهم المكونات التي تحتاجها هذه الصناعة من أجل إدامة استمرار دوران عجلة التصنيع العسكري المحلي، ألا وهي المحركات، خاصة بعد إيقاف شركة “روتاكس” النمساوية، إحدى شركات مجموعة “بومباردير” الكندية للصناعات الجوية، تصدير محركات “روتاكس 912” الخاصة بالطائرات الهجومية بدون طيار “بيرقدار” إلى تركيا، هذا كله دفع كييف وأنقرة إلى التعاون فيما بينهما في هذا الصدد.

غارة طائرة بيرقدار” على رتل روسي قرب مدينة مالين

بدأت كييف في تلقي دفعات من الطائرات التركية بدون طيار “بيرقدار”، تضمنت أول دفعة منها اثنتي عشرة طائرة عام 2019، وآخر هذه الدفعات تسلمتها بعد بدء الهجوم الروسي. قبيل تسلم هذه الدفعة، كانت وزارة الدفاع الأوكرانية تتحدث عن امتلاكها 20 طائرة من هذا النوع، الذي سبق وتم استخدامه للمرة الأولى في الميدان القتالي الأوكراني في أكتوبر 2021، حين تم استهداف بطارية مدفعية تابعة للقوات الانفصالية في إقليم دونباس. يصل مدى هذا النوع من الطائرات القتالية إلى 150 كيلو مترًا، وتتزود بما يصل إلى أربعة صواريخ صغيرة موجهة بالليزر من نوع “مام-إل”، تتراوح زنتها بين 45 و65 كيلو جرامًا. 

في بداية العمليات القتالية، ركز الجيش الأوكراني على استهداف الأقسام الخلفية من الأرتال العسكرية الروسية المتقدمة نحو كييف -مثل الغارة التي استهدفت رتل روسي في مدينة “مالين”- خاصة عربات التموين والإعاشة ووسائط الدفاع الجوي، ثم انتقل هذا التركيز ليصبح نحو وسائط المدفعية الروسية، وكذا خطوط السكك الحديدية الموجودة في الجنوب الأوكراني التي استخدمتها القوات الروسية لنقل عرباتها المدرعة.

لكن مع دخول المعارك شهرها الأول، لوحظ تراجع استخدام هذا النوع من الطائرات القتالية دون طيار من جانب القوات الأوكرانية، وهذا يرجع إلى عدة أسباب، من بينها: القصف المركز للمدارج والمطارات الأوكرانية، ما يصعب من عملية إقلاع طائرات “بيرقدار”، كذلك الانتشار الكثيف لمنظومات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية الروسية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن المنطقة العسكرية الروسية الغربية قد قامت قبيل بدء المعارك بتنفيذ تدريبات مخصصة للتعامل مع هذا النوع من الطائرات، عن طريق التشويش على مستشعراتها الكهروبصرية بواسطة منظومة الحرب الإلكترونية “Palantin”.

يضاف إلى هذا النقص الذي قد يطرأ على الذخائر الخاصة بهذه الطائرات، وهي كلها عوامل أدت على ما يبدو إلى توخي كييف الحذر الشديد في استخدام هذه الطائرات التي لم يتم توثيق سوى إسقاط طائرة واحدة منها فقط من جانب الدفاع الجوي الروسي.

طائرة “Punisher”

على عكس ما يعتقده أغلب المتابعين لملف الحرب في أوكرانيا، استخدم الجيش الأوكراني أنواعًا أخرى من الطائرات بدون طيار ذات الطابع “الهجومي”، منها الطائرة الخفيفة “Punisher”، وهي طائرة محلية الصنع، يمكن أن تحمل قذيفة زنتها 3 كيلو جرامات، وتستطيع التحليق على ارتفاعات تصل إلى 400 متر، لمسافة 50 كيلو مترًا. وبدأ إنتاجها عام 2014، عبر شركة أنشأها بعض المحاربين القدامى في الجيش الأوكراني تحت اسم “UA-Dynamics”. وتم استخدام هذه الطائرة بشكل أساسي لاستهداف الأرتال الإدارية والفنية للجيش الروسي، خاصة في الجبهة الجنوبية.

تضمن المجهود العسكري الأوكراني في هذا الإطار استخدام ابتكار كانت قد بدأت كييف في التجهيز له منذ عام 2020، عبر سلسلة من التجارب التي تم فيها استخدام طائرات الإقلاع العمودي بدون طيار ذات المراوح الرباعية أو الثمانية، لإسقاط ذخائر حرة التوجيه فوق أهداف محددة. هذه التجارب تمت في منطقة “تشيركاسي”، وفيها تم تعديل القنابل اليدوية السوفيتية المضادة للدبابات “RKG-3” لتصبح قنابل جوية تمت تسميتها “RKG-1600″، يتم إلقاؤها بشكل حر من على متن هذه الطائرات على الأهداف المراد تدميرها. 

هذا التكتيك الذي سبق تطبيقه في العراق وسوريا، أثمر بعض النجاح خلال العمليات الجارية حاليًا في أوكرانيا، خاصة أن بعض المجموعات المتطوعة، مثل مجموعة “بلاك ستورك” البيلاروسية، لها خبرة في هذا الصدد، وسبق وهاجمت قوات الشرطة البيلاروسية بطريقة مماثلة خلال احتجاجات سابقة.

يضاف إلى ما سبق، ثلاثة أنواع من الطائرات الاستطلاعية بدون طيار، استخدمتها القوات الأوكرانية بشكل محدود، هي الطائرة الاستطلاعية “ليلايكا-100″، وهي طائرة الاستطلاع الرئيسة في الجيش الأوكراني، وتستطيع التحليق على ارتفاع 2 كيلو متر، ويصل مداها إلى 70 كيلو مترًا، وظهرت بشكل محدود جدًا في إقليم دونباس، بجانب الطائرة “UJ-22” والطائرة “A1-SM FURIA”، التي يبلغ مداها 50 كيلو مترًا، وتستطيع التحليق بشكل متواصل لمدة 3 ساعات.

جدير بالذكر أن وزارة الدفاع الأوكرانية -تحسبًا لعدم مقدرتها على إدامة تحليق الطائرات بدون طيار التي تمتلكها- أطلقت دعوة لكل من يمتلك طائرات بدون طيار صغيرة إلى تزويد الجيش الأوكراني بها، من أجل مراقبة محيط العاصمة والمدن الكبرى، خاصة أن وحدات القوات الخاصة الأوكرانية تستخدم بعض الأنواع الصينية التجارية من الطائرات بدون طيار. وقد تجاوب بعض المتطوعين مع هذه الدعوة، مثل ثلاثة أشخاص من فنلندا، قاموا بشراء 140 طائرة صينية بدون طيار مخصصة للاستخدامات التجارية، وقاموا بإيصالها إلى أوكرانيا عبر الأراضي البولندية.

ربما يكون الجيش الأوكراني -في المدى المنظور- على موعد مع أنواع جديدة من الطائرات بدون طيار؛ إذ تفكر الولايات المتحدة الأمريكية حثيثًا في إرسال أعداد من الذخائر الأمريكية الجوالة “Switchblade” إلى أوكرانيا، وهي ذخائر قصيرة المدى تستطيع التحليق لمدة 40 دقيقة، ويصل مداها إلى 10 كيلو مترات. يضاف إلى هذا احتمالية تزويد كندا كييف بمعدات تصوير خاصة بالطائرات بدون طيار. 

خلاصة القول، إن الميدان الأوكراني قد شهد انخراط عدة أنواع من الطائرات بدون طيار من كلا الجانبين، منها ما هو حديث للغاية، ومنها ما يعود إلى الحقبة السوفيتية، ومنها ما هو في الأساس مخصص للاستخدامات التجارية والترفيهية، ولكن طبيعة المعركة في أوكرانيا ربما تضع دور الطائرات بدون طيار في مرتبة ثانية أو حتى ثالثة ضمن العوامل المؤثرة على نتيجة الحرب النهائية، لأنه بات من الواضح أن هذه الطبيعة تختلف بشكل كلي عن طبيعة معارك إقليم “ناجورنو قره باغ”، التي كان فيها للطائرات بدون طيار دور رئيس وحاسم.

مصادر

https://2u.pw/zj0KA

https://2u.pw/uQn4q

https://2u.pw/4l4tq

https://2u.pw/KFYGq

https://2u.pw/Uj3xQ

https://2u.pw/52uM8

https://2u.pw/qBqff

https://2u.pw/nhYgD

https://2u.pw/aiaDB

https://2u.pw/0w3ZU

https://2u.pw/aN4Y2

https://2u.pw/uQn4q

https://2u.pw/Cb0Dz

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى