أفريقيا

عبور “تيكيزي” … هل تنتقل معارك تيجراي أكثر نحو الجنوب؟

كما توقع المرصد المصري في مادة سابقة استمرت عمليات القوات الموالية لجبهة تحرير شعب تيجراي، بهدف السيطرة على كامل الحدود الجغرافية والإدارية للإقليم، ولم تكتفي بالسيطرة على المدن الرئيسية وسط وشرق الإقليم. هذا التطور يطرح سؤال أساسي حول حقيقة النوايا المستقبلية للجبهة على المستوى الميداني، في ظل المكاسب السريعة التي حققتها أمام القوات الإثيوبية، وتحققها الآن أمام الوحدات الخاصة التابعة لإقليم الأمهرة.

واقع الأمر أن وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي كانت قد تمكنت حتى أيام قليلة من السيطرة على كامل الحدود الجغرافية القديمة لإقليم تيجراي، وهنا المقصود هو حدود الإقليم في الفترة ما قبل عام 1991، التي كانت تمتد من التخوم الشمالية لمدينتي “موهوني” و “مايشيو” جنوب غرب الإقليم، صعودًا حتى سد “تيكيزي” وسط الإقليم، ثم شمالاً حتى منطقة “مثلث بادمي”، لكن منذ ثلاثة أيام بدأت قوات الجبهة في الهجوم على عدة اتجاهات لتجاوز هذه الحدود والوصول إلى الحدود التي كانت تحدد الإقليم بعد عام 1991، والتي تصل إلى خط الحدود مع السودان غرباً، وجنوباً نحو الحدود مع إقليم أمهرة.

فهل تنتقل هذه المعركة جنوبًا نحو إقليم أمهرة، لتشكيل ضغط إضافي على الجيش الإثيوبي والقوات الأمهرية، التي ستجد نفسها محاصرة من الشمال بوحدات جبهة تحرير تيجراي، وغربًا بالعناصر التابعة لجبهة تحرير أوروميا، ناهيك عن القلاقل الأمنية التي تشهدها أقاليم اخرى مثل عفار وبني شنقول، بالإضافة إلى إقليم أمهرة نفسه، أم أن التكتيك الحالي لجبهة تحرير شعب تيجراي ينصب على تأمين كافة مناطق الإقليم بشكل سريع، قبل ان تنجح محاولات الحشد التي بدأتها بالفعل السلطات المحلية في إقليم أمهرة، في إبطاء أو إيقاف التقدم الميداني لقوات تيجراي؟

استمرار التقدم الميداني لقوات تيجراي

الهجوم الجديد الذي بدأته قوات جبهة تحرير شعب تيجراي كان على ثلاثة اتجاهات رئيسية، اتجاه واحد نحو ما تبقى من مناطق في الجزء الجنوبي الشرقي للإقليم، واتجاهين نحو المنطقة الغربية شمالاً وجنوبًا، وهنا نلاحظ أن الاتجاهات الثلاث تخرج عن نطاق حدود الإقليم ما قبل عام 1991. في الاتجاه الشمالي الشرقي، كانت المواجهة مباشرة بين قوات الجبهة والوحدات الخاصة التابعة لإقليم أمهرة، التي حاولت الحفاظ على منطقة “رايا” الإدارية كجيب تابع لها في هذا النطاق، لكن كان تقدم قوات تيجراي سريع الوتيرة بصورة ملحوظة، حيث تحركت هذه القوات انطلاقًا من بلدة “هايواني”، التي منها يتفرع طريق “أيه-2” الرئيسي إلى طريقين يؤديان في النهاية إلى مدينة “ألاماتا” الرئيسية. سيطرت قوات تيجراي على كافة المدن الموجودة في هذا النطاق مثل “موهوني” و”ما شيو” و”شيميرو” و”كوريم”، بجانب القرى الواقعة قرب الحدود مع إقليم أمهرة مثل “جوبا” و”شيكوا”، وتمكنت أمس من تأمين مدينة “ألاماتا” بعد أن انسحبت منها القوات الخاصة الأمهرية والميليشيات التابعة لها، نتيجة للضغط المستمر عليها خلال الأيام الماضية.

المثير للاهتمام في سيطرة قوات جبهة تحرير شعب تيجراي على ألاماتا، أنها وجدت بها عشرات المعدات العسكرية النوعية، من بينها ناقلات الجند المدرعة صينية الصنع “تايب-89″، التي تم تدمير عدد كبير منها خلال المواجهات التي تمت على مدار الأشهر السابقة في الإقليم، كذلك صادرت قوات الجبهة عدة مدافع ميدان روسية الصنع من نوع “دي-30” عيار 122 ملم، وراجمات مدفعية صاروخية صينية من عيار 107 ملم، بجانب المدافع الروسية الثنائية المضادة للطائرات من نوع “زد أس يو – 23”. هذه المعدات تضاف إلى أخرى تمت مصادرتها في عدة مناطق في الإقليم خاصة في العاصمة “ميكيلي”، وتشكل أضافة مهمة لقوات الجبهة خاصة في ظل تمكن مقاتليها من استخدام وقيادة هذه المعدات، لخبراتهم العسكرية السابقة منذ الحرب مع إريتريا.

التقدم السريع لقوات تيجراي في منطقة “رايا”، والذي أدى إلى السيطرة بشكل شبه كامل عليها، والوصول إلى الحدود مع إقليم “أمهرة”، كانت له أسباب عديدة، على رأسها انهيار الروح المعنوية للقوات المتبقية في هذه المنطقة، والتي كانت خليط ما بين الوحدات الأمهرية شبه العسكرية، وبعض الكتائب المتبقية من فرقة المشاة الحادية عشر في الجيش الإثيوبي، والتي للمفارقة تم أسر قائدها العقيد حسين محمد، خلال معارك السيطرة على عاصمة الإقليم. لم تغفل وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي الجانب الإنساني كما فعلت القوات الإثيوبية إبان سيطرتها على الإقليم.

فقد أقامت معسكر كبير للأسرى الذين تم اعتقالهم خلال المعارك، وذلك في منطقة “عدي أيشر” جنوبي عاصمة الإقليم، واستخدمت الآليات العسكرية التي سيطرت عليها خلال المعارك مع الجيش الإثيوبي، في توزيع مياه الشرب على القرى النائية في وسط الإقليم وجنوبه الغربي. في جانب آخر، لوحظ اهتمام الجبهة بتدعيم الدفاعات الجوية المتوفرة على أراضي الإقليم، حيث أظهرت التسجيلات المصورة الواردة من تيجراي عمليات نقل صواريخ “سام-2” الروسية للدفاع الجوي متوسط المدى، لإعادة ملء القواذف المتواجدة في قواعد الدفاع الجوي المتواجدة في الإقليم، وهي ثلاثة مواقع كانت الجبهة في بداية معارك تيجراي قد سيطرت عليها لعدة أيام.

الاتجاهين الثاني والثالث لهجوم وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي كانت في المنطقة الغربية، والتركيز بشكل رئيسي كان على الاتجاه الجنوبي الغربي، بهدف مرحلي وهو إكمال السيطرة على الشريان الرئيسي لوسط وجنوب الإقليم وهو طريق “بي-30″، الذي شهد خلال الأشهر الماضية عمليات استنزاف وكمائن متكررة نفذتها عناصر الجبهة، وساهمت بشكل رئيسي في النتائج الميدانية الحالية. حشد القوات التابعة للجبهة تم في مدينة “إكسوم”، وانتقلت القوات منذ ثلاثة أيام إلى مدينة “شيراي”، ومن ثم بدأت المعارك على تخوم مدينة “أيندا أبا جونا”، حيث قاتلت الوحدات الأمهرية قتالاً تراجعيًا، واضطرت إلى الهروب في اتجاه الغرب، ومن ثم وصلت قوات تيجراي إلى محيط جسر “تيكيزي” المدمر جزئيًا، وتلاقت هناك مع وحدات صديقة أخرى أكملت التقدم جنوبًا في اتجاه مدن “امبا ميدري” و”ماي تسبيري”، بجانب مدينة “ماي تمسيري”، التي تم السيطرة عليها بحلول مساء أمس، علمًا أنها تضم معسكرًا للاجئين. الاتجاه الهجومي الثالث لم يتم تفعيله بشكل كامل، ولكنه يستهدف الوصول إلى مدينة “حميره” الحدودية في أقصى شمال غرب الإقليم، ويتوقع أن يتم تفعيل هذا الاتجاه خلال الأيام القادمة.

مخاوف الحكومة المركزية في أديس أبابا، وكذلك الحكومة المحلية في إقليم أمهرة من وتيرة التقدم السريع لقوات تيجراي، دفعتهما إلى اتخاذ إجراءات ذات لهجة تصعيدية، تنبئ بتوسع نطاق القتال على الأراضي الإثيوبية، وتحوله بشكل رسمي إلى “حرب أهلية”، فقد دعا صراحة رئيس الحكومة المحلية في إقليم أمهرة إلى التعبئة العامة للأمهريين من أجل مواجهة ما وصفه “بتهديدات التيجراي”، وهي نفس الدعوة التي وجهتها “حركة الأمهرة الوطنية” وهي الحزب الأساسي في الإقليم.

كذلك نشر اليوم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في حسابه الرسمي على موقع “تويتر”، بيانًا رسميًا يعتبر فيه تحركات جبهة تحرير تيجراي “تهديد وجودي لإثيوبيا”. وقد أظهرت الصور المتاحة من إقليم أمهرة أن عمليات الحشد قد بدأت بالفعل في مدينة “ديربي ماركوس” الواقعة جنوبي عاصمة إقليم امهرة “بحر دار”، وهو ما ينذر بمعارك أكثر ضراوة خلال الأيام القادمة، بعد أن ظهر بشكل واضح أن حكومتي أديس أبابا وأمهرة تريدان التغطية على هزيمتهما في إقليم تيجراي، بإشعال حرب أهلية بين الأقاليم.

محاولات إشعال الحرب الأهلية لم تقتصر فقط على ما سبق، بل يضاف إلى ذلك استهداف السلطات الأمنية في إقليم أمهرة والعاصمة أديس ابابا للسكان المنحدرين من عرقية التيجراي، ومن أمثلة ذلك الهجوم على فنادق ومحال يمتلكها منحدرين من هذا العرق في منطقة “وريتا” في إقليم أمهرة هذا الأسبوع، ما أسفر عن مقتل ثلاثة على الأقل، كذلك أفادت تقارير قدمها محامون للجمعية الإثيوبية لحقوق الإنسان، أن الشرطة الفيدرالية قامت باعتقال عشرات المنتمين لعرقية التيجراي في عدة مناطق بالعاصمة خلال الفترة الماضية، من بينها مدينة “أكاكي كاليتي”، واتهمتهم بأنهم يدعمون قوات جبهة تحرير شعب تيجراي.

خلاصة القول، أن الأيام القليلة المقبلة سوف تكون فاصلة في تحديد حجم التحرك المستقبلي لقوات جبهة تحرير شعب تيجراي، التي كان لها سابقًا تجربتين في الثورة على الحكم المركزي في أديس أبابا، الأولى خلال فترة حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي وفشلت، والثانية كانت خلال فترة حكم منجستو هيلا سيلاسي، والتي أدت إلى سقوط نظامه وتأسيس الفيدرالية الإثيوبية، التي على ما يبدو تواجه حاليًا تحديًا وجوديًا بالفعل. الأكيد أن إقليم تيجراي كان عنوانًا عريضًا لفشل الرهانات العسكرية لرئيس الوزراء الإثيوبي، وكذلك فشل رهاناته السياسية، حيث أصر على إقامة انتخابات تشريعية يشكك الشعب الإثيوبي والمجتمع الدولي في مصداقية أي نتائج مترتبة عنها، خاصة في ظل غياب ثلاثة أقاليم عن هذه الانتخابات، وهذا أدى إلى فوز بطعم الخسارة لحزب “الازدهار” الحاكم، الذي لم يجد وقتًا كي يحتفل بحصوله على 410 مقعد تشريعي من إجمالي 436 مقعد، بسبب الظروف الاقتصادية والأمنية السيئة التي تعيشها البلاد.

فشل الرهان العسكري لآبي أحمد لم يكن فقط بسبب الهزيمة الميدانية، لكن أيضًا بسبب انكشاف عدم صحة الادعاءات التي تتالت منه بشأن هذا الملف، وأكثرها وضوحًا كان قوله قبل أيام أن انسحاب الجيش الإثيوبي من تيجراي كان بسبب انتهاء التهديد الذي كانت تمثله جبهة تحرير شعب تيجراي، لكنه اليوم عاد واعتبر هذه الجبهة “تهديد وجودي” لنظامه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى