الانتخابات الأمريكية

بعد بدء فعاليات الثلاثاء العظيم … ما هي خريطة توجهات الولايات الأمريكية؟

ربما يمكن أن نعتبر الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام خارجة بشكل كامل عن أية توقعات، رغم تقدم المرشح الديموقراطي جو بايدن في السواد الأعظم من استطلاعات الرأي، بمتوسط نحو 50.7 بالمائة (6.7 نقطة) مقابل 44 بالمائة للمرشح الجمهوري دونالد ترامب، (علمًا أن ترامب لم يكن متقدمًا على بايدن سوى في أربعة استطلاعات للرأي فقط). إلا أن تجربة الانتخابات الرئاسية السابقة، التي كانت فيها المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون متقدمة بفارق مريح في استطلاعات الرأي (تراوح حينها بين ثلاثة وأربعة نقاط)، ولكنها خسرت الانتخابات في النهاية، تجعل من نافلة القول أن ننحي أية استطلاعات للرأي جانبًا، رغم أهميتها في تحديد ملامح المزاج العام للمقترعين.

يضاف إلى هذا، مسألة أصوات المجمع الانتخابي، التي تبلغ 538 صوتًا، وكانت حاسمة في فوز الرئيس الحالي دونالد ترامب في الانتخابات الماضية، رغم حصول منافسته هيلاري كلينتون على إجمالي أصوات انتخابية يتجاوزه بنحو ثلاثة ملايين صوت، لكنها في النهاية لم تتمكن من الحصول على النسبة المطلوبة من أصوات المجمع الانتخابي (270 صوتًا)، وحصلت فقط على 227 صوتًا مقابل 304 صوت لدونالد ترامب الذي استفاد من فوزه في العديد من الولايات الرئيسة، وإن كان فوزه فيها بهامش ضئيل، لكن ظفر بها نظرًا لأن الفائز بأغلبية أصوات كل ولاية يحصل على كافة أصواتها في المجمع الانتخابي، حتى لو كانت الأغلبية التي فاز بها لا تتجاوز 1 بالمائة. لهذا من الضروري إلقاء نظرة على توجهات كل ولاية، قياسًا على ميولها الحزبية التاريخية، وأدائها في الانتخابات الماضية.

السمة الأساسية للمعركة الانتخابية هذا العام كانت في زيادة عدد الولايات التي لم تتضح بشكل قطعي توجهاتها الانتخابية، فتاريخيًا كان لكلا الحزبين المتنافسين عدد من الولايات التي تصوت تاريخيًا لهما، الحزب الجمهوري يحتفظ بأفضلية كبيرة في 20 ولاية، وهي ولايات ألاباما وألاسكا وأركنساس وايداهو واإديانا وكانساس وكنتاكي ولويزيانا ومسيسبي وميسوري ومونتانا ونبراسكا وداكوتا الشمالية وأوكلاهوما وكارولينا الجنوبية وداكوتا الجنوبية وتينيسي ويوتاه وفيرجينيا الغربية ووايومنج. ويبلغ مجموع أصوات هذه الولايات في المجمع الانتخابي 125 صوتًا، في حين يمتلك الحزب الديمقراطي أفضلية في 18 ولاية، وهي كاليفورنيا وكونيتيكت وديلاواير وهاواي وإلينوي وماين وماريلاند وماساتشوستس ونيوجيرسي ونيوميكسيكو ونيويورك وأوريغون ورود ايلاند وفيرمونت وفيرجينيا والعاصمة واشنطن، ويبلغ مجموع أصوات هذه الولايات مجتمعة في المجمع الانتخابي 203 صوت.

الرهان في هذه الانتخابات سيكون على عدد من الولايات التي يتقاسم كلا الحزبين الأفضلية فيها، مع هامش تفوق ضئيل لإحداهما، ويضاف إليها عدة ولايات كانت تصوت تاريخيًا للحزب الجمهوري، لكن تزايد نفوذ الحزب الديمقراطي فيها بشكل يطرح احتمالات كبيرة لقيامها بالتصويت لجو بايدن. يمكن حصر أهم الولايات التي تمثل (رمانة ميزان) انتخابات هذا العام في الولايات التالية:

ولاية فلوريدا

ركز كلا الحزبين على هذه الولاية، التي تقع في أقصى الجنوب الشرقي للبلاد، حيث حازت على نسبة الإنفاق الأكبر من الميزانيات الانتخابية لكلا المرشحين. تمتلك هذه الولاية 29 مقعدًا في المجمع الانتخابي، لتصبح بذلك هي ثالث أكبر ولاية من حيث عدد المقاعد في المجمع الانتخابي، خلف ولايتي كاليفورنيا (55 مقعدًا) وتكساس (38 مقعدًا). يبقى هامش الأفضلية بين كلا الحزبين في هذه الولاية قليل للغاية، علمًا أنها كانت تاريخيًا من الولايات المصوتة للحزب الجمهوري، لكن في الانتخابات الماضية صوتت الكتلة اللاتينية (تبلغ نسبتها 20% من إجمالي سكان الولاية)، لصالح المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، وفاز ترامب في النهاية بأصوات هذه الولاية في المجمع الانتخابي، لكن بهامش ضئيل للغاية لم يتجاوز 1%، وذلك بفضل تصويت كتلة المتقاعدين له، والذين تبلغ نسبتهم 22 بالمائة من إجمالي سكان الولاية. 

الحزب الديمقراطي يراهن على تأثر شعبية ترامب في هذه الولاية جراء تفشي جائحة كورونا، حيث تعد هذه الولاية الأكثر تأثرًا بتفشي هذه الجائحة ضمن كافة الولايات الأخرى، وهذا ربما يفسر تقدم بايدن بفارق نقطة واحدة عن ترامب في استطلاعات الرأي التي تمت في هذه الولاية، التي يتوقع أن تكون رمانة ميزان أساسية في هذه الانتخابات، نظرًا لإقبال سكانها منقطع النظير على التصويت، فقد أعلنت الولاية أن عدد المقترعين في التصويت المبكر فيها وصل إلى تسعة ملايين شخص، وهي نسبة تقارب تقريبًا نسبة المقترعين الإجمالية في هذه الولاية خلال الانتخابات الماضية.

ولاية جورجيا

 تمتلك هذه الولاية 16 مقعدًا في المجمع الانتخابي، وهي جارة لولاية فلوريدا، وكانت تصوت تاريخيًا أيضًا لصالح الحزب الجمهوري، حيث داومت منذ انتخابات عام 1996 على ترجيح كفة مرشحه، لكن الزيادة المطردة في أعداد سكان هذه الولاية الصناعية خلال العقد الأخير (10.6 مليون نسمة)، من ضمنهم نحو 33% من أصل أفريقي جعل الكتلة التصويتية تنقسم بشكل واضح، ما بين تصويت الأفارقة وأصحاب الشهادات العليا للحزب الديمقراطي، وتصويت أهالي الريف والإنجيليين إلى الحزب الجمهوري، علمًا بأن الرئيس الحالي ترامب فاز في هذه الولاية عام 2016، بأغلبية ضئيلة بلغت 50.4 بالمائة.

ولاية كارولينا الشمالية

تمتلك هذه الولاية خمسة عشر صوتًا في المجمع الانتخابي، وتتميز بالتنوع الواضح في تشكيلتها السكانية، التي تبلغ عشرة ملايين نسمة، ما بين مزارعين وطلاب ورجال أعمال، وتعد من ولايات ما يعرف بـ (حزام الصدأ) التي تأثرت على المستوى الصناعي منذ عقود، وأصيبت بخيبة أمل من عدم تحقيق الرئيس الحالي ترامب، لوعوده بخصوص إعادة إحياء الأنشطة الاقتصادية فيها. 

تاريخيًا كانت هذه الولاية تصوت للحزب الديمقراطي، حتى عام 1964، ومن ثم تحولت للتصويت لصالح مرشح الحزب الجمهوري. نظرًا لمعاناة هذه الولاية من مشاكل متجذرة، نابعة من تعامل الشرطة مع السود الذين تبلغ نسبتهم 22% من إجمالي السكان. يتوقع أن تصوت هذه الكتلة لصالح الحزب الديمقراطي، في حين درجت العادة على تصويت أهل الريف وأعضاء الطائفة الإنجيلية لصالح الحزب الجمهوري، علمًا بأن عزوف السود عن التصويت في انتخابات 2016، ساهم بشكل رئيس في فوز ترامب بأغلبية أصوات هذه الولاية.

ولاية أريزونا

تمتلك إحدى عشر صوتًا في المجمع الانتخابي، وتعد سادس أكبر ولاية من حيث عدد السكان (سبعة ملايين نسمة)، وهي تقع جنوب غرب البلاد على الحدود مع المكسيك. كانت تاريخيًا تصوت للحزب الجمهوري، حيث ظلت تصوت لمرشحه منذ عام 1952 وحتى الانتخابات الماضية، عدا مرة واحدة صوتت فيها لصالح الحزب الديمقراطي في انتخابات عام 1996. 

الكتلة التصويتية الكبيرة في هذه الولاية تبقى لأصحاب الأصول اللاتينية، الذين يبلغ عددهم ثلثي سكان الولاية، وعلى الرغم من اعتيادهم على التصويت لصالح الحزب الجمهوري، إلا أنه لوحظ عبر استطلاعات الرأي، تزايد نفوذ الحزب الديمقراطي في الكتلة التصويتية للولاية بصفة عامة.

ولاية ويسكونسن

تعد ولاية ويسكونسن من ضمن قائمة الولايات التي كانت تصوت تاريخيًا للحزب الديمقراطي، وبدأ نفوذ الحزب الجمهوري فيها في الزيادة تدريجيًا خلال السنوات الماضية، وهي قائمة تشمل أيضًا ولايات نيفادا (6 أصوات في المجمع الانتخابي)، وكولورادو (9 أصوات في المجمع الانتخابي)، ونيوهامشاير (أربعة أصوات في المجمع الانتخابي)، ومشيجان (ستة عشر صوتًا في المجمع الانتخابي) ومينيسوتا (عشرة أصوات في المجمع الانتخابي).

الرئيس الحالي دونالد ترامب فاز بنسبة 47.2 فقط من أصوات هذه الولاية في الانتخابات الماضية، وحينها كانت نسبة التصويت الإجمالية أقل من 23 ألف صوت، علمًا بأن الكتلة التصويتية لهذه الولاية تتجاوز 2 مليون وثمانمائة ألف صوت، ضمن تعداد السكان الذي يبلغ 5.8 مليون نسمة. بشكل عام كانت المناطق الريفية في الولاية تصوت للحزب الجمهوري، في حين تصوت المناطق الحضرية للحزب الديموقراطي، وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن بايدن متقدم بفارق ستة نقاط على ترامب في هذه الولاية.

ولاية بنسلفانيا

كان لدونالد ترامب تصريح شهير، قال فيه إنه لو فاز بهذه الولاية، فإنه سيضمن الفوز بفترة رئاسة جديدة. هذه الولاية التي تضم مسقط رأس المرشح الديموقراطي بايدن، كانت سابقًا صناعية بامتياز، ومعقلًا مهمًا لمناجم الفحم، تراجعت خلال السنوات الماضية، وسجلت معدل بطالة هو الأكبر في كامل الولايات الأمريكية. في الانتخابات الماضية، صوتت الكتلة التصويتية العمالية في هذه الولاية لصالح ترامب، وحصل في هذه الولاية على 44 ألف صوت، لكن على ما يبدو يتقدم بايدن حاليًا فيها حسب استطلاعات الرأي، وإن كان تقدمه ضئيلًا، لا يتجاوز 4.3 نقطة. تمتلك هذه الولاية 20 صوت في المجمع الانتخابي، وهي ثاني أعلى ولاية من حيث حجم الإنفاق الذي وجهه إليها كلا الحزبين خلال الحملة الانتخابية، ويبلغ عدد سكانها 12 مليون نسمة. كانت تاريخيًا تصوت للحزب الديموقراطي، ويتركز نفوذ هذا الحزب في المناطق المتاخمة لمدينة فيلادلفيا، في حين يحظى الحزب الجمهوري بتأييد كبير في الأجزاء الريفية الغربية القريبة من ولاية أوهايو. 

إذًا بإحصاء بسيط، نستطيع أن نستخلص أن عددًا كبيرًا من الولايات مازال خارج التوقعات بشكل كبير، حيث يمكن إحصاء 15 ولاية ضمن هذه القائمة، بما مجموعه 179 صوتًا انتخابيًا، مقسمة بين ولايات رئيسية متأرجحة بين الحزبين، يبلغ مجموع أصواتها 96 صوت وهي (أيوا – أوهايو – أريزونا – كارولينا الشمالية – جورجيا – فلوريدا)، وولايات ديموقراطية تاريخيًا تتحول إلى تأييد الجمهوريين، يبلغ مجموع أصواتها في المجمع الانتخابي 75 صوت وهي (ويسكونسن – نيفادا – كولورادو – نيوهامشير -ميتشغان – مينيسوتا – بنسلفانيا)، بجانب ولايتين يتقاسم فيهما كلا الحزبين الأفضلية، وهم ماين (أربعة أصوات في المجمع الانتخابي)، ونبراسكا (خمسة أصوات في المجمع الانتخابي).

يتوقع أن تشهد انتخابات اليوم مشاركة واسعة، خاصة وأن التصويت بالبريد شهد نسبة قياسية من الإقبال، حيث أدلى أكثر من 95 مليونًا بأصواتهم في التصويت المبكر، بنسبة 69 بالمئة من إجمالي المشاركين في التصويت في انتخابات عام 2016. وقد تم حتى الآن الإعلان عن نتائج الاقتراع في قريتي ديكسفيل نوتش وميلزفيلد في ولاية نيو هامشاير قرب الحدود الكندية، وقد فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن في قرية ديكسفيل نوتش، حاصدًا أصواتها الخمسة في المجمع الانتخابي، في حين حصل الرئيس الحالي دونالد ترامب على أغلبية تقدر بـ 16 صوتا في قرية ميلزفيلد، علمًا بأن هذا النطاق يعد منطقة نفوذ للحزب الديموقراطي. 

من المبكر بالتأكيد استخلاص أية مؤشرات واضحة لكمن سيفوز، لكن ينتظر الجميع نتائج الفرز في ولاية فلوريدا، التي بدأت الفرز منذ فترة، ويمكن من خلال نتائجها وضع مؤشرات أولية، يضاف إليها نتائج الاقتراع في ولايات أخرى ستقوم بالبدء في الفرز الليلة، مثل ولاية كارولينا الشمالية.

مصادر

1- https://edition.cnn.com/election/2020/electoral-college-interactive-maps#2020-CNN-map

2-https://www.realclearpolitics.com/epolls/2020/president/us/general_election_trump_vs_biden-6247.html3- https://www.albayan.ae/one-world/us-presidential-elections/2020-11-03-1.4003293

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى