ليبيا

بين التعدد والتخوف … الانتخابات الرئاسية الليبية وتعدد المرشحين

تزايدت بشكل لافت خلال الأيام القليلة الماضية، أعداد المرشحين لدخول السباق الانتخابي الرئاسي في ليبيا، الذين توافدوا على مقار المفوضية العليا للانتخابات لتقديم أوراق ترشحهم. هذا الواقع رغم أنه يعد في الأجواء العادية أمرًا صحيًا ومؤشرًا على تعاظم الثقة في العملية الانتخابية المقبلة، إلا أنه يمكن اعتباره في الحالة الليبية مؤشرًا مقلقًا قد يضيف مزيدًا من الغموض على إمكانية عقد الانتخابات الرئاسية أواخر الشهر المقبل من عدمها.

بالنظر إلى العدد الكبير من الشخصيات السياسية والاقتصادية والرياضية التي أعلنت على مدار العامين الماضيين نيتها الترشح في هذه الانتخابات، يمكن القول إنه في حالة انعقادها سوف تشهد منافسة شرسة بين من سيتم الموافقة على ترشحهم، خاصة وأن كلًا من شرق ليبيا وغربها ترشح منها عدة شخصيات لها وزن سياسي وقبائلي فاعل.

لكن يتوقع قبل بدء فعاليات هذه الانتخابات، أن تشهد الساحة الليبية توترات كبيرة، نظرًا لأن المفوضية العليا للانتخابات تقوم حاليًا بالتدقيق في أوراق المرشحين الذين قدموا أوراقهم، خاصة فيما يتعلق بازدواج الجنسية والمطالبات الجنائية، على أن تقوم بنشر قوائم أولية للمرشحين، يتم بعدها منح مدة 12 يومًا لتقديم الطعون على المرشحين الواردين فيها، ومن ثم يتم نشر القوائم النهائية للمرشحين، وبالطبع سوف يثار حول هذه القوائم جدل كبير، بالنظر إلى حالة الاستقطاب الحالية في البلاد.

المرشح الأول الذي قام بتقديم أوراقه إلى المفوضية العليا للانتخابات، كان عبد الحكيم بعيو، الذي يشغل منصب مدير عام شركة “الحمراء” القابضة ومقرها إسبانيا، التابعة بدورها للمؤسسة الليبية الحكومية للاستثمارات الخارجية. تتركز خبرته بشكل عام على الجوانب الاقتصادية والمالية، والتي من خلالها اصطدم مرات عدة ببعض المسؤولين.

وذلك مثل تصريحاته في مارس 2017، التي هاجم فيها خالد شكشك، رئيس ديوان المحاسبة، وحمّله فيها مسؤولية أزمة السيولة المالية وارتفاع سعر صرف العملات الصعبة. ووجه كذلك عام 2018 اتهامات واضحة بالفساد للمجلس الرئاسي حينها، حين اعتبر أن قرار المجلس الرئاسي فرض رسوم إضافية على مبيعات العملات الأجنبية، وإيداعها في حسابات بنكية تابعة للمجلس، ساهم في جمع أكثر من 3 مليار دولار، دون أن يكون للمصرف المركزي الليبي أية رقابة على هذه المبالغ وكيفية صرفها.

في المقابل، وُجهت اتهامات لبعيو بالفساد والفشل الإداري خلال فترة إدارته لشركة “الحمراء” القابضة، حيث خاض لسنوات غمار أربع قضايا حول الفساد المالي والإداري، تم رفعها ضده في المحاكم الإسبانية، تم الحكم فيها بالبراءة في يونيو 2021، نظرًا لسحب من قاموا برفعها لدعاويهم. تم التمديد له مرتين في منصبه الحالي، وهو ما أثار ردود فعل داخلية غاضبة، خاصة أن هذه الشركة تعاني من مصاعب مالية، وتم بيع بعض أصولها. وخضعت أنشطة الشركة للتحقيق من جانب النائب العام الليبي بشبهة إهدار المال العام والفساد الحكومي.

سياسيًا، لم تكن لبعيو مواقف واضحة، نظرًا لانعدام خبرته السياسية، وعدم وجود قاعدة شعبية واضحة مؤيدة له، لكنه صرح قبل أشهر تصريحًا لافتًا حول الجيش الليبي، حين قال “يجب أن يتم اختيار القائد العام للجيش بالتشاور مع الضباط الموجودين على الأرض”. وأضاف “الجيش في الشرق أو الغرب ليس هو الشرعي الوحيد، فكل من يحمل رقمًا عسكريًا هو شرعي، لأنه تدرب وتأهل ضمن القوات المسلحة سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب”.

الشخصيات الرئيسة المترشحة عن (المحور الشرقي)

صدقت التوقعات التي كانت تستشرف الشخصيات الرئيسة التي سوف تترشح في الانتخابات الرئاسية الليبية المقبلة سواء من شرق البلاد أو غربها. واللافت هنا أن بعض الشخصيات التي تنتمي جغرافيًا إلى مناطق أخرى غير المنطقة الشرقية، كانت في النهاية محسوبة على الخط السياسي العام لهذه المنطقة، وتشاركت هذه الشخصيات في مجملها في نقطة أساسية وهي رفض المنطقة الغربية التام لترشحهم، ولكنه رفض تتفاوت درجته بين شخصية وأخرى، وهو ما يفرض مجازًا أن نعد هؤلاء مرشحي (المحور الشرقي).

الشخصية الأولى في هذا المحور هي نجل العقيد الراحل معمر القذافي سيف الإسلام القذافي، الذي كان ثاني المترشحين في هذه الانتخابات، وهذا لم يكن مفاجئًا رغم حقيقة أنه لم يعلن سابقًا نيته الترشح، لكن كان هذا متوقعًا بالنظر إلى تحركاته خلال الأشهر الأخيرة، ولتصريحاته منتصف العام الجاري عن تخطيطه للعب دور سياسي في مستقبل ليبيا.

ترشح القذافي أثار بالطبع ثائرة معظم المكونات السياسية والمسلحة في غرب ليبيا، نظرًا لدوره السابق في منظومة العقيد القذافي، بالإضافة إلى حقيقة انه يترشح رغم ملاحقته من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، كما سبق وأصدر مكتب المدعي العام العسكري بالعاصمة طرابلس، مذكرة ضبط وإحضار بحقه في يوليو الماضي.

يستند سيف الإسلام القذافي على المستوى الشعبي إلى قبيلته القذاذفة وشعبيتها الممتدة في مدن وسط وغرب ليبيا، خاصة مدينة سبها التي قدم فيها أوراق ترشحه. يضاف إلى ذلك تأييد بعض القبائل الأخرى خاصة قبائل مدينة سرت التي ينحدر منها في الأساس، وقبيلتي البراعصة وورفلة في المنطقة الشرقية، علاوة على قبائل مختلفة في الزنتان والجفرة وترهونة وبني وليد والشويرف وغيرها من المناطق المعروفة بولائها للنظام السابق. 

على المستوى الخارجي يحتفظ سيف الإسلام بعلاقات جيدة مع روسيا، التي تحدثت مرارًا عن ضرورة لعبه دور سياسي في ليبيا، لكن تبقى معضلة ملاحقته أمام المحكمة الجنائية الدولية، نقطة فاصلة بالنظر إلى أن هذه النقطة قد تكون سببًا في رفض أوراق ترشحه، ناهيك عن أن قبول هذه الأوراق ودخوله إلى العملية الانتخابية فعليًا، قد ينسف العملية برمتها، بالنظر إلى الكلام الصريح من جانب عدة مكونات في الغرب الليبي، عن منع عقد الانتخابات في حالة استمرار ترشح القذافي.

الشخصية الثانية في هذا المحور هي المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي. بدأت التكهنات تدور بشكل كبير حول ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، عندما أصدر قرارًا في سبتمبر الماضي يقضي بتفويض سلطاته لرئيس الأركان العامة الفريق عبد الرازق الناظوري، حتى الانتخابات القادمة. 

تقديم المشير أوراقه بشكل رسمي إلى مفوضية الانتخابات، جعله الوجه صاحب الحظوظ الأكبر ضمن مكونات الشرق الليبي في الحصول على نسبة كبيرة من الأصوات في حالة انعقاد الانتخابات. حفتر المولود عام 1943، يرتكز في شعبيته على دوره الميداني المهم في الشرق الليبي، بداية من إطلاقه “عملية الكرامة” في مايو 2014، لمواجهة المجموعات المسلحة في مدينة بنغازي، مرورًا بتعيينه في مارس 2015 قائداَ للجيش الليبي، وصولًا إلى تأمينه الهلال النفطي عبر عملية “البرق الخاطف” في سبتمبر 2016، والتأمين الكامل لكافة مدن الساحل الليبي بما في ذلك مدينتي درنة وسرت.

بالإضافة إلى المؤسسة العسكرية، يحتفظ حفتر بعلاقات متينة بكافة القبائل في المنطقة الشرقية، خاصة قبيلتي الزوية وورفلة. على الجانب الآخر، وعلى الرغم من أن النصيب الأساسي من ردود الفعل الغاضبة في غرب البلاد كانت من نصيب ترشح سيف الإسلام القذافي، إلا أن ترشح حفتر كان له نصيب وافر من ردود الفعل هذه، خاصة من جانب المكونات الموالية لتركيا، مثل “مجلس حكماء وأعيان مصراتة”، الذي أصدر بيان يرفض فيه ترشح حفتر، ويرفض أساسًا إتمام العملية الانتخابية في ظل الظروف الحالية.

التحديات التي تواجه حفتر لا تقتصر فقط على رفض الغرب الليبي لترشحه، بل أيضًا إمكانية رفض أوراق ترشحه، كما تظهر حياله معضلة تشتت الأصوات الانتخابية في الشرق؛ فترشح سيف الإسلام القذافي، ولاحقًا المستشار عقيلة صالح، جعل الأصوات القبلية في هذا النطاق مفتتة بينهم بشكل يقلص كثيرًا من فرص فوز أي منهم في الانتخابات المقبلة. 

هذا التحدي ربما كان سببًا أساسيًا في تفضيل حفتر “تفويض” سلطاته كقائد للجيش إلى رئيس الأركان لمدة مؤقتة، بدلًا من الاستقالة بشكل دائم، وهذا يعني عمليًا أنه في حالة اضطراره للانسحاب من الانتخابات لصالح شخصية أخرى، أو حدوث أي احتمالات أخرى، مثل عدم عقد الانتخابات أساسًا، أو خوضه إياها وعدم فوزه، سيكون من المنطقي واليسير أن يعود لممارسة مهام منصبه مرة اخرى.

الشخصية الثالثة في هذا المحور هي المستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي، الذي على الرغم من أن ترشحه كان متوقعًا نظرًا لعدة اعتبارات، إلا أن قيامه بهذه الخطوة بعد ترشح كل من حفتر والقذافي، يشي بأن صالح ربما يرى أن مفوضية الانتخابات قد تستبعدهما لاحقًا.

 ولد عقيلة صالح في يناير 1944، في مدينة “القبة”، وينتمي لواحدة من أكبر قبائل الشرق الليبي وهي قبيلة “العبيدات”. حصل على بكالوريوس القانون العام عام 1970 من جامعة بنغازي، وتدرج في السلك القضائي بداية من تعيينه كمساعد نيابة عام 1971، مرورًا برئاسة نيابة منطقة الجبل الأخضر في مدينة البيضاء شرقي البلاد عام 1974، ثم محاميًا عامًا في محكمة استئناف نفس المدينة عام 1976، ثم رئيسًا لفرع إدارة التفتيش القضائي في محكمة استئناف مدينة درنة عام 1999.

بعد اندلاع أحداث فبراير 2011 في ليبيا، تم اختياره من جانب المجلس الوطني الانتقالي، كعضو في اللجنة القضائية التي شكلها المجلس للتحقيق في قضايا الفساد أثناء عهد الرئيس الراحل معمر القذافي. بعد انتهاء فترة المؤتمر الوطني العام، أول هيكل تشريعي في البلاد بعد الثورة، دخل في السباق على تولي منصب رئيس مجلس النواب، حيث ترشح ممثلًا عن مدينة القبة، وتسلم بالفعل في أغسطس 2014 هذا المنصب بعد أن خاض جولتين انتخابيتين، واختاره 170 عضوا من إجمالي أعضاء المجلس الـ200.

كانت مواقف صالح بشكل عام متوافقة خلال السنوات الأخيرة مع قائد الجيش الوطني خليفة حفتر، خاصة خلال مرحلة المعارك في بنغازي ودرنة، وكذلك خلال عملية الهجوم على طرابلس. لكن شابت العلاقة بينهما بعض التوترات المؤقتة؛ نتيجة لبعض التباينات حول المرحلة التي تلت وقف إطلاق النار في طرابلس. يرتكز صالح بشكل أساسي على دعم قبيلته “العبيدات” وكذا على موقعه القانوني والسياسي، كرئيس للجسم المنتخب الوحيد حاليًا في الساحة الليبية.

من ردود الفعل على ترشح صالح، يمكن فهم أن هذا الترشح لا يواجه بأي رفض او انتقاد معتبر من جانب غرب البلاد، على عكس الوضع بالنسبة لكل من حفتر والقذافي، وهي نقطة قوة اساسية لدى صالح في هذه الانتخابات. يضاف إلى هذا حقيقة أنه اتبع نفس أسلوب حفتر في التخطيط لترشحه، مع فارق أساسي هو أنه أدار بشكل لافت مرحلة وضع القاعدة القانونية للانتخابات الرئاسية، والتي أتاحت له ولحفتر الترشح، ووضعت عراقيل أمام ترشح بعض الشخصيات مثل رئيس الوزراء الحالي الدبيبة، الذي سحب صالح الثقة عن حكومته. هذا بجانب أن صالح وضع أمام نفسه طريقًا للعودة، فهو عمليًا في إجازة من منصبه حتى موعد الانتخابات، بحيث يعود إلى منصبه في حالة عدم انعقاد الانتخابات.

تضاف إلى الشخصيات الرئيسة الثلاث في هذا المحور، شخصيات أخرى ترشحت بالفعل، منها أسعد محسن زهيو، وهو ناشط سياسي ليبي، يبلغ من العمر 37 سنة، ويشغل منصب الأمين العام الحالي لـ “التجمع الوطني الليبي”، وهو تنظيم سياسي تم تأسيسه عام 2015. شغل سابقًا منصب المتحدث باسم الحركة الوطنية الشعبية الليبية، وهي حركة سياسية أسستها عام 2012، شخصيات من النظام الليبي السابق، منها اللواء خويلدي الحميدي، العضو السابق في مجلس قيادة الثورة الليبية. سبق وترشح زهيو لعضوية المجلس الرئاسي في تشكيلته الأخيرة، ويعد من الوجوه السياسية الشبابية الليبية التي تظهر بشكل دائم في الإعلام، وله مواقف سياسية تقترب بشكل كبير من وجهة نظر أنصار نظام القذافي. 

ترشح أيضًا الشيخ السنوسي عبد السلام الحليق الزوي، الذي يترأس المجلس الأعلى لقبيلة “الزوية”، أحد أكبر القبائل الليبية في المنطقة الشرقية، ويشغل أيضًا منصب نائب رئيس المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان ليبيا. ظل خارج ليبيا معارضًا لنظام القذافي حتى عام 2004، وكان أحد المشاركين في تأسيس المجلس الانتقالي عقب سقوط القذافي، ويتولى بشكل أساسي لجنة النفط والغاز في المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان ليبيا، وله دور أساسي في إيقاف ضخ الغاز والنفط إلى الموانئ النفطية أواخر فترة حكم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني السابقة. 

له علاقات وثيقة بقيادة الجيش الليبي، وبدول جوار ليبيا، وله مواقف أساسية معلنة ضد الدور التركي في ليبيا. ترتكز شعبيته الأساسية على زعامته لأحد أكبر قبائل الشرق الليبي، وكذا إمساكه بشكل كامل بملف توريد النفط والغاز إلى موانئ الهلال النفطي، وكذلك خبرته السياسية خاصة خلال السنوات الأخيرة، التي خاض فيها مباحثات متكررة مع البعثة الأممية في ليبيا. ترشحه في هذه المرحلة، في ظل ترشح شخصيات أخرى من الشرق الليبي، مثل المشير خليفة حفتر، قد تطرح إمكانية انسحابه لاحقًا وتقديمه الدعم للمشير.

من الأسماء التي يمكن أن نضعها في هذا المحور، اسم رجل الأعمال إسماعيل الشتيوي، وهو من مواليد مارس 1962، وترأس خلال فترة حكم القذافي، ما بين عامي 2006 و2007، نادي أهلي طرابلس، إلا أن خلافات بينه وبين نظام القذافي أجبرته على الاستقالة، ومن ثم غادر إلى الإمارات العربية المتحدة، وظل فيها حتى عام 2015، حين عاد إلى ليبيا وتولي الرئاسة الشرفية لنادي الأهلي طرابلس. 

يتمحور دوره في ليبيا على الجانب المالي كونه من رجال الأعمال، وكانت له ارتباطات وثيقة في هذا الصدد بشرق ليبيا، حيث ساهم في سد العجز في ميزانية حكومة الثني عدة مرات، خاصة في مجال الأدوية والمعدات الطبية، علاوة على أن أنشطته الخيرية في العاصمة طرابلس كبيرة ومستمرة. توجه له من جانب بعض مكونات العاصمة طرابلس بعض الاتهامات المتعلقة بدعمه للجيش الوطني الليبي خلال الهجوم على طرابلس العام الماضي.

من بين الأسماء الإضافية في هذا المحور، رئيس تيار “إحياء ليبيا” عارف النايض، الذي ولد عام 1962 في مدينة بنغازي، لكن تعد العاصمة طرابلس هي مستقره الأساسي، حيث درس فيها خلال المرحلة الثانوية، ثم سافر إلى إيطاليا وكندا والولايات المتحدة، حيث حصل على بكالوريوس في الهندسة الصناعية والبيولوجية من جامعة جويلف الكندية، وحصل على الماجستير في فلسفة العلوم الطبيعية، وعلى درجة الدكتوراه في علم “التأويل”.

وبالإضافة إلى توجهاته الفكرية، عمل ضمن المنظومة الاستثمارية لعائلته، خاصة في مجال الإنشاءات، وأسس شركة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وكذلك شركة “كلام للبحوث والإعلام” في العاصمة الإماراتية عام 2009. بدأ دوره السياسي في ليبيا فعليًا بتعيينه من جانب المؤتمر الوطني العام كسفير لليبيا في الإمارات العربية المتحدة، وظل في منصبه هذا حتى عام 2016، حيث أعلن عام 2017 ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية لأول مرة.

وعلى الرغم من ترشيحه من بعض أعضاء ملتقى الحوار السياسي المجتمعين في تونس في نوفمبر 2020، لمنصب رئيس الوزراء إلا أنه رفض ذلك لرغبته في الترشح في الانتخابات الرئاسية. وتثار حوله من المنطقة الغربية بعض علامات الاستفهام، منها ما يتعلق بحرية حركته في ليبيا خلال حقبة القذافي، وكذلك علاقته بالمشير حفتر، وقد صرح مؤخرًا أن جماعة الإخوان المسلمين هي الطرف الوحيد الذي له مصلحة في تعطيل الانتخابات.

الاسم الأخير في هذا المحور هو الأمين الأسبق لجمعية الدعوة الإسلامية محمد أحمد، وهو من مواليد أكتوبر 1937 بمنطقة السلوم. تخرج في قسم الفلسفة بكلية الآداب عام 1960، وسافر في العام التالي إلى الولايات المتحدة، والتحق بجامعة شيكاغو ومنها حصل على درجة الماجستير في فلسفة الأخلاق عام 1963، ثم الدكتوراه عام 1971. 

بعد عودته إلى ليبيا عمل مدرسًا في جامعة بنغازي عام 1971، وشغل في العام التالي منصب وزير التربية والتعليم حتى عام 1980. عمل منذ ذلك التاريخ في عدة اتجاهات متعلقة بالعقيدة الإسلامية والدعوة، بالإضافة إلى توليه مسؤولية جائزة القذافي العالمية لحقوق الإنسان بين عامي 2002 و2011. سبق وتم اعتقاله ضمن رموز النظام الليبي السابق حتى يونيو 2016، غادر بعدها لفترة إلى الأردن. يرتكز أحمد في شعبيته على أنصار النظام السابق، بجانب مكانته كداعية إسلامي.

المنطقة الغربية … تعدد المرشحين وتضارب المصالح

نفس الوضع السابق تشهده المنطقة الغربية في ليبيا، أو ما يمكن وصفه بـ “المحور الغربي”. فقد ترشح في هذا المحور عدة مرشحين من بينهم أسماء وازنة، سوف تتفتت بينها الأصوات الانتخابية حتمًا في حالة دخولها جميعًا السباق الانتخابي. 

الاسم الأول في هذه القائمة هو وزير الداخلية السابق في حكومة الوفاق فتحي باشاغا، الذي أكد مرارًا على مدى الأشهر الماضية عزمه الترشح لهذه الانتخابات. يحظى باشاغا بشعبية كبيرة في مسقط رأسه مدينة مصراتة، والتي قاد التحركات العسكرية فيها بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي، فكان اللاعب الرئيس في مجلس مصراتة العسكري، واختير نائبًا عن المدينة في عام 2014، ولعب دورًا بارزًا في مفاوضات الصخيرات التي أفضت إلى اتفاق الصخيرات عام 2015. 

يرتكز باشاغا في حملته الانتخابية على الدعم والمساندة الدوليين له، فهو قد عزز من شعبيته لدى الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا من خلال نشاطه وقتما كان وزيرًا للداخلية في ضبط تحركات الميلشيات المسلحة في الغرب، وهو النشاط الذي تعرض بسببه وبسبب خلافاته بهذا الشأن مع رئيس حكومة الوفاق فايز السراج إلى محاولة اغتيال في فبراير 2021.

ويلاحظ أن باشاغا الذي خسر في انتخابات رئاسة الوزراء في السلطة التنفيذية الانتقالية قد عمد خلال الشهور الماضية إلى تسويق نفسه على المستوى الداخلي، حيث كثف تحركاته لانتزاع تأييد القبائل الليبية في المنطقة الغربية، وتحديدًا في مدينة مصراتة، خاصة وأن شعبيته هناك كبيرة، وهو يراهن في كسب الشعبية داخليًا في هذا النطاق على عدائه مع ميليشيات طرابلس، التي دخلت خلال السنوات الأخيرة في معارك متفرقة مع ميليشيات مصراتة.

الشخصية الرئيسية الثانية في هذا المحور هو رئيس الوزراء الحالي عبد الحميد الدبيبة، الذي يصنف كواحد من أهم رجال الأعمال الليبيين منذ حقبة القذافي، ويبلغ من العمر 62 عاما، وينحدر من مدينة مصراتة شمالي غرب ليبيا، وينتمي إلى عائلة يعمل معظم أفرادها في المجال الاستثماري. وهو حاصل على درجة الماجستير في الهندسة المدنية من جامعة تورنتو الكندية. 

الخلفية الأساسية للدبيبة كانت المجال الاستثماري الحكومي، فقد تولى خلال حقبة القذافي رئاسة مجالس إدارات عدة مؤسسات وشركات تابعة للدولة الليبية، منها جهاز تنمية المراكز الإدارية (أوداك) في الفترة ما بين عامي 1989 و2011، والشركة الليبية القابضة للتنمية والاستثمار (ليدكو) منذ عام 2006، وقد كان نشطًا في مجال التنمية والاستثمار خلال فترة حكم القذافي، وشارك منذ عام 2007، في التجهيز لمشروع (ليبيا الغد)، الذي اشتمل على عشرات المشاريع التنموية، بجانب خطط لتطوير البنية التحتية وتعزيز التعليم. 

بعد توليه منصبه الحالي، بدا من أدائه الحكومي، خاصة على مستوى العلاقة مع المكونات المحلية في الغرب والجنوب، أنه يحاول عبر الأموال والخدمات، توسيع قاعدة شعبيته، بشكل يسمح له بعد ذلك بالحصول على حصة كبيرة من الأصوات الانتخابية في الانتخابات المقبلة، وهذا ربما كان السبب الرئيس في إقرار البرلمان الليبي للمادة 12 في قانون الانتخابات الرئاسية، التي توجب على الموظف الحكومي ترك منصبه لمدة ثلاثة أشهر كاملة قبل ترشحه في الانتخابات الرئاسية.

وهذه المادة تمثل العائق الأساسي أمام الدبيبة، الذي رغم تقديمه إقرار الذمة المالية، تبقى خطوة ترشحه غير واضحة المعالم، فهو عمليًا مازال في منصبه الحكومي. خطوة ترشح الدبيبة -رغم الموانع القانونية- قد توحي أيضًا بأنه سيحاول الدفع نحو تأجيل الانتخابات حتى مارس المقبل، ما يسمح له بالترشح بشكل قانوني، أو أنه يعلم يقينًا أن الانتخابات لن تعقد، وفي هذه الحالة يكون ترشحه مجرد خطوة دعائية وسياسية لفرض نفسه أكثر كطرف أساسي في الغرب الليبي.

يرتكز الدبيبة في شعبيته على المكونات المحلية والبلديات التي منحها خدمات وأموال خلال الأشهر الأخيرة، بجانب شعبيته ضمن أصوات بعض المشجعين لرياضة كرة القدم، بالنظر إلى امتلاكه نادي “الاتحاد الرياضي”. علامات الاستفهام حوله تجعل من السهل استهدافه سياسيًا، سواء بالجدل حول الفترة التي غادر فيها ليبيا عام 2011، حيث استقر لفترة ما بين تركيا وقبرص، وحينها وضعه المجلس الوطني الانتقالي على قائمة المطلوبين، وطالب الإنتربول باعتقاله -لكن تم إلغاء هذه المذكرة فيما بعد – أو فيما يتعلق بقضايا الفساد المتعددة التي أثيرت بشأنه خلال السنوات الأخيرة. 

هذه النقاط متوقع أن تثار من جانب المرشحين في الشرق والغرب الليبي، لأن الدبيبة في جانب شابت علاقته مع المشير حفتر خلال الأشهر الماضية توترات عديدة، ومن جانب آخر يعد مرشحًا أساسيًا في الغرب الليبي، سيزاحم -في حالة تم إقرار ترشحه- مرشحين أساسيين آخرين مثل وزير الداخلية السابق باشاغا، الذي ينحدر من نفس المدينة.

الشخصية الثالثة في هذا المحور تنحدر أيضًا من مدينة مصراتة، وهو النائب السابق لرئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق. ولد عام 1972 وحصل على بكالوريوس الاقتصاد من جامعة لندن للدراسات الاقتصادية العالمية عام 1994، ودكتوراه في إدارة الأعمال من مركز الدراسات التجارية الدولية في الجامعة الأوروبية بإيطاليا.

 خلفيته الأساسية هي الخلفية الاقتصادية، حيث أدار لسنوات شركات عائلته العاملة في مجال البناء والتطوير العقاري داخل ليبيا. بعد سقوط نظام القذافي، أصبح مستشارًا اقتصاديا للمؤتمر الوطني العام عام 2013، ثم تم انتخابه من جانب المؤتمر في مايو 2014، رئيسًا للوزراء، إلا أنه لم يتولى المنصب فعليًا، نظرًا لتعقيدات شابت عملية انتخابه وكذلك الظروف الميدانية والسياسية في ذلك التوقيت. تم اختياره عضوا للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني ونائبًا أول لرئيس المجلس أوائل عام 2016.

على الرغم من أن معيتيق ليس محسوبًا سياسيًا على تيار سياسي معين، لكنه كان يسعى منذ فترة للوصول إلى منصب رئيس الحكومة الليبية، وهذا ظهر واضحًا من خلال خلافه مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق السابقة فايز السراج، إذ بدأ منتصف عام 2019، في التخطيط لإزاحته من منصبه، وإعادة تشكيل المجلس الرئاسي، عبر عقد لقاءات مع أعضاء مستقيلين من المجلس، لكن هذه الخطة توقفت بعد أن بدأ هجوم الجيش الوطني على العاصمة طرابلس. 

الموقف اللافت الثاني في هذا الصدد، هو مناشدة معيتيق للقوات التابعة لحكومة الوفاق في يونيو 2020، التوقف عن هجومها الذي كان جاريًا حينها على مدينة سرت، وهذا حدث بعد زيارة معيتيق لموسكو، وهي زيارة جعلته على ما يبدو منذ ذلك التاريخ، الرهان الروسي الأول في غرب ليبيا. هذه القناعة تعززت أكثر بالاتفاق حول إعادة تصدير النفط، الذي توصل إليه معيتيق مع المشير حفتر في سبتمبر 2020. 

يرتكز معيتيق في شعبيته على بعض المكونات الشعبية والمسلحة في مدينة مصراتة، لكنه في هذا الإطار لا يضاهي الشعبية التي يحوزها وزير الداخلية باشاغا في مصراتة وطرابلس، لكنه رغم ذلك يعد مرشحًا أساسيًا يحظر بقبول معقول في الغرب الليبي وكذلك في الشرق.

يضاف إلى الشخصيات الثلاث، شخصيات أخرى كانت لها خبرة سياسية خلال أعوام ما بعد 2011، منها رئيس المؤتمر الوطني السابق نوري أبو سهمين، وهو من مواليد عام 1956 في مدينة زوارة الليبية، وينحدر من أصول أمازيغية. حصل على درجة الليسانس في القانون من جامعة بنغازي عام 1978، ودرس العلاقات الدولية في بريطانيا، وعمل في القطاع الصناعي في مجمع بتروكيماويات أبو كماش حتى عام 2000. 

بعد أحداث 2011، تم انتخابه لعضوية المؤتمر الوطني العام كمستقل عن دائرته بمدينة زوارة، وتولي رئاسة المؤتمر خلال الفترة بين يونيو 2013 وفبراير 2014. معروف بارتباطاته بجماعة الإخوان المسلمين، حيث دعمه حزب العدالة والبناء خلال فترة المؤتمر الوطني العام، وإن شابت فترة رئاسته لهذا المؤتمر مشاكل عديدة بينه وبين جماعات مسلحة في العاصمة، أدت إلى اختطافه عدة مرات. الدعم الإخواني له أدى إلى تأسيسه تيار “يا بلادي” السياسي في يوليو 2020، والذي تنضوي تحت لوائه عدة شخصيات مرتبطة بالجماعة، رغم أن نوري تفادى توجيه النقد بشكل مباشر لأي طرف من الأطراف الليبية.

من ضمن الأسماء الأخرى رئيس الوزراء السابق على زيدان، وهو من مواليد مدينة ودان وسط ليبيا عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الآداب عام 1975، وماجستير العلاقات الدولية عام 1980 من جامعة جواهر لال نهرو في الهند. بدأ عمله في السلك الدبلوماسي الليبي عام 1975، وكان ضمن طاقم السفارة الليبية في الهند بين عامي 1980 و1982، ثم أعلن انضمامه لـ “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا”، وشغل منصب أمينها التنفيذي ورئيس مكتبها في العراق بين عامي 1982 و1992.

بعد اندلاع أحداث فبراير 2011، تم تعيينه ممثلًا للمجلس الانتقالي الليبي في أوروبا، ومشرفًا على البعثات الدبلوماسية الليبية في الخارج، ومنسق العلاقات الإعلامية والسياسية بين المجلس الانتقالي وفرنسا، وساهمت علاقته مع الأخيرة في توالي الاعترافات الأوروبية بالمجلس الانتقالي.

أسس عام 2012 حزب “الوطن للتنمية والرفاه”، وهو ليبرالي التوجه، ينادي بدولة ديمقراطية موحدة ذات نظام لا مركزي. ترشح زيدان عام 2012 لرئاسة الحكومة الليبية، وتولى المنصب في نوفمبر 2012، إلا أن علاقته بالمكونات السياسية والعسكرية داخل البلاد تدهورت بشكل سريع، لدرجة تعرضه للاختطاف من جانب إحدى المجموعات المسلحة في أكتوبر 2013، وتعرضت حكومته لعدة محاولات لسحب الثقة، آخرها كانت في مارس 2014، وحينها تم بالفعل سحب الثقة منه. وغادر بعدها البلاد إلى ألمانيا. يرتكز بشكل أساسي على علاقاته الخارجية، خاصة مع عدة دول بالاتحاد الأوروبي ومنها فرنسا، ويع\ فعليًا ممثل المنطقة الليبية الوسطى (سهل الجفرة) في الانتخابات الرئاسية القادمة، وهو ما قد يمنحه أصوات قبائل هذه المنطقة.

رئيس الوزراء السابق خليفة الغويل كان أيضًا من ضمن المترشحين، وهو من مواليد مصراتة عام 1964، ودرس بها حتى المرحلة الثانوية، ثم التحق بجامعة بنغازي ودرس بكلية الهندسة، وتخرج فيها عام 1986. 

بعد أحداث فبراير 2011، ترشح للانتخابات البلدية في مصراتة، وفاز بمقعد من مقاعد المجلس المحلي بها، ثم تم اختياره نائبًا لرئيس الوزراء في حكومة عمر الحاسي في يونيو 2014، ثم وزيرًا للدفاع في نفس الحكومة في يوليو 2014، ثم بعد إقالة الحاسي تولي رئاسة الحكومة بين أبريل 2015 وحتى تنازله عن السلطة بعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني بمقتضى اتفاق الصخيرات نهاية عام 2015، إلا أنه عاد وأعلن ان حكومته مازالت قائمة في مارس عام 2016، وخاض حينها لمدة شهر معارك ميدانية بين الميليشيات التابعة له والقوات التابعة لحكومة السراج في طرابلس.

يحظى الغويل بدعم عدة ميليشيات مسلحة داخل مصراتة، ويعد من ضمن الأسماء الفاعلة داخل المدينة وفي العاصمة، وقد رفع الاتحاد الأوروبي اسمه في مارس 2021 من قائمة العقوبات الخاصة بليبيا.

مرشحون آخرون للانتخابات الرئاسية الليبية

الأسماء المهمة التي سبق ذكرها، انضمت إليها في تقديم أوراق الترشح للانتخابات الرئاسية الليبية، أسماء أخرى غير واضحة التوجهات السياسية، منها رئيس حزب “القمة” عبد الله ناكر، وهو من مواليد يونيو 1972، وينحدر من مدينة الزنتان، وظهر اسمه على الساحة الليبية مع بداية الأحداث في ليبيا في فبراير 2011، حين قام بتشكيل تنظيم مسلح تحت اسم “سرية الشهيد رياض الكفالي” في مدينة الزنتان، واشتبك في معارك عديدة مع قوات القذافي، ثم تولى بعد سقوط القذافي رئاسة “مجلس ثوار طرابلس”. 

أسس بعد ذلك حزب “القمة” عام 2012، وكانت علاقته مع فصائل الإسلام السياسي سيئة بشكل عام، حيث انتقد بشكل دائم جماعة الإخوان المسلمين. ورفض في أبريل 2018، التوقيع على ميثاق شرف العمل السياسي بين الأحزاب الليبية، الذي كانت احزاب ليبية قد توافقت عليه في تونس، وفي ديسمبر 2020، أعلن ترشحه لرئاسة الحكومة الليبية. على مستوى نفوذه وشعبيته، تبقى هذه الشعبية مرتبطة بشكل وثيق بمدينة الزنتان ومحيطها، وهي شعبية تنازعه فيها شخصيات أخرى.

 رئيس اللجنة المؤقتة لحزب “تيار المشروع الوطني” فتحي بن شتوان كان أيضًا من ضمن المترشحين، وهو من مواليد بنغازي عام 1951، تخرج في كلية الهندسة في جامعة “قاريونس” عام 1975، وعمل في الإذاعة والتلفزيون في ليبيا، ثم مديرًا للشؤون الهندسية التابعة للإذاعة في شرق ليبيا. 

سبق له تولي منصبين وزاريين في حكومات ما قبل عام 2011، منها منصب وزير الصناعة حتى عام 1993، ثم تم تعيينه عام 2004 وزيرًا للطاقة حتى عام 2006. غادر ليبيا عام 2011 إلى مالطا ثم إلى فرنسا، ثم عاد إلى ليبيا وأسس في يونيو الماضي تيار “المشروع الوطني”، وأبرز مواقف هذا التيار كان رفضه سحب الثقة من حكومة الدبيبة، ودعوته لاستمرارها في العمل حتى موعد الانتخابات. بشكل عام يعتبر فتحي بن شتوان وجهًا أكاديميًا لا يمتلك ثقلًا شعبيًا واضحًا، خاصة وأنه كان بعيدًا لفترة عن الأجواء الليبية بعد عام 2011.

يضاف إليهما أسماء أخرى، منها المهندس محمد المزوغي، وهو من مواليد العاصمة طرابلس في مارس 1973. ووزير التعليم السابق عثمان عبد الجليل، وينحدر من مدينة الزنتان، وشغل هذا المنصب في حكومة الوفاق الوطني السابقة منذ تشكيلها وحتى أكتوبر 2019. والدكتور عبد السلام رحيل أحد أعضاء هيئة التدريس بقسم التخطيط المالي بكلية الاقتصاد جامعة طرابلس منذ يونيو 2015. ووكيل وزارة التخطيط سابقًا خالد محمد الغويل، الذي ولد في طرابلس عام 1965، ويقطن حاليًا في مدينة مصراتة، ويترأس حزب “السلام والازدهار” الذي تم إشهاره في أكتوبر الماضي. والفريق محمد المهدي، الذي ولد في مدينة ودان، وتخرج ضمن الدفعة الثامنة عشر من الكلية الحربية الليبية، وتم تعيينه في فبراير 2019 رئيسًا لأركان القوات التابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني حتى سبتمبر 2020.

الليبيون في انتظار القوائم النهائية للمرشحين

حتى اكتمال قائمة الأسماء المرشحة في هذه الانتخابات، وإعلان القوائم النهائية، يبقى الوضع القائم هو تزايد غضب الغرب الليبي من ترشح كل من سيف الإسلام القذافي والمشير خليفة حفتر، وهذا عبرت عنه بوضوح عدة فصائل مسلحة مثل فصائل مدينة الزاوية التي أعلنت أنها لن تسمح بفتح مقار الاقتراع.

وقد تكررت هذه الدعوات من جانب شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي، مثل نجل المفتي المعزول الصادق الغرياني، وعبد الرحمن السويحلي الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة، وسامي الساعدي أحد قيادات الجماعة الليبية المقاتلة والموجود حاليًا في ليبيا، والقيادي في جماعة الإخوان عبد الرازق العرادي.  آخر هذه التصريحات كان تصريح القيادي بالمجلس العسكري بمصراتة إبراهيم بيت المال، الذي يتولى قيادة غرفة عمليات سرت – الجفرة، رفض فيها بشكل قاطع ترشح سيف الإسلام القذافي، ولوح بمنع ذلك بشتى الطرق

يضاف إلى ذلك تعرض مقار مفوضية الانتخابات بالفعل لعمليات اقتحام وإغلاق، مثل مقار مفوضية الانتخابات في مدينة غريان، ومقار أخرى في مدن الزاوية والخمس وزليتن ومصراتة، وهذه الأخيرة بالتحديد تشهد تحشيدًا مضادًا لعقد الانتخابات، بداية من بيانات مجلس حكماء وأعيان المدينة، وصولًا إلى التحركات على الأرض، لدرجة دفعت أدارة الدائرة الانتخابية التاسعة التي تتبع لها المدينة، لمخاطبة المفوضية العليا للانتخابات، بقرار إغلاق كافة المراكز الانتخابية بالمدينة، بناء على طلب مجلس حكماء المدينة.

موقف حكومة الدبيبة في الوضع الحالي يبدو أيضًا مشجعًا على تأجيل الانتخابات، خاصة بعد تلميح رئيسها بعدم تسليم الحكم للسلطة المنتخبة في حال لم يكن هناك توافق على نزاهة نتيجتها. يضاف إلى ذلك أن مصلحة الدبيبة في هذا التأجيل تبدو أساسية، بالنظر إلى أن هذا التأجيل سوف يسمح له عمليًا بالمضي قدمًا في الترشح، علمًا بأنه يعد خارج منصبه منذ 24 سبتمبر.

يضاف إلى ذلك، بدء مكونات غرب ليبيا في استهداف كل من حفتر وسيف الإسلام، عبر مذكرة أرسلها وكيل النيابة بالادعاء العسكري التابع لحكومة البيبة، تطالب مفوضية الانتخابات بوقف اجراءات ترشح سيف الإسلام وحفتر لحين مثولهما للتحقيق. دور المجلس الأعلى للدولة ورئيسه في هذا الإطار يبدو أساسيًا، حيث يقود خالد المشري جهود تأجيل الانتخابات، وصرح من تركيا بوضوح أنه يجب تأجيل الانتخابات لمدة ثلاثة أشهر، قبل أن يعود عن هذا التصريح، ويناشد المواطنين الليبيين بمقاطعة الانتخابات وإفشالها. هذا ترافق مع التصويب على أعمال مفوضية الانتخابات، واتهامها بعدم المهنية وعدم قدرتها على عقد الانتخابات، خاصة بعد اختراق حسابها على موقع “فيس بوك”، ونشر منشور يفيد برفض طلب ترشح سيف الإسلام القذافي.

بشكل عام يمكن القول إن تعدد المرشحين في الشرق والغرب الليبي بات أمرًا أساسيًا في هذه المرحلة، وإن كانت القوائم النهائية هي التي ستحدد ملامح المعركة الانتخابية. لكن في السياق الحالي يجري العمل على تهيئة الأوضاع لعقد الانتخابات، سواء عبر لقاءات المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يان كوبيش، مع كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ونائبه عبد الله اللافي أو لقاءات سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا ريتشارد نورلان مع كل من نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني، ورئيس مفوضية الانتخابات عماد السايح. 

هذه اللقاءات أوجدت انطباعًا بوجود رغبة دولية وأمريكية في عقد الانتخابات، خاصة إذا ما وضعنا تصريحات نورلاند في الاعتبار، حيث قال “على من لديهم قلق من مرشح معين قضاء وقت أقل في محاولة استبعاد ترشحه، بل عليهم دعم مرشح آخر يفضلونه”. اللافت هنا أنه، وعلى الرغم من استمرار بعض الأصوات الرافضة لعقد الانتخابات الرئاسية بالقوانين الحالية، خاصة أصوات المجلس الأعلى للدولة، إلا أنه لوحظ تغير في لهجة هذه الأصوات بعد إعلان الدبيبة ترشحه، منها بعض قياديي جماعة الإخوان المسلمين مثل عبد الرازق العرادي الذي دعا إلى التوافق الوطني حول العملية الانتخابية، بعد أن دعا سابقًا إلى إغلاق مراكز الاقتراع بالقوة. 

نفس هذا المنحى اتخذه المجلس الأعلى للدولة برئاسة خالد المشري، الذي أصدر بيانًا معتدل اللهجة بنفس المضمون، لكن رغم هذا نسبت تصريحات للمشري يلمح فيها إلى انتقاد اللقاءات الأخيرة التي أجراها السفير الأمريكي في طرابلس. هذا ترافق مع تداول بعض الشائعات، على رأسها تصريح تم نسبه للنائب في البرلمان عبد المنعم العرفي، يقول فيه إن اللجنة التشريعية والقانونية بالبرلمان سوف تجتمع لبحث تعديلات مقترحة على قانون الانتخابات الرئاسية، وهو ما تم نفيه لاحقًا من قبل النائب واللجنة ورئيس البرلمان، واتضح أن مصدر الشائعة هو قناة “ليبيا الأحرار”.

شائعة أخرى كان مصدرها العميد محمد بشر مدير أمن مدينة سبها، الذي ظهر خلف سيف الإسلام القذافي أثناء إعلانه الترشح في الانتخابات الرئاسية، فقد تم نسب تصريحات إليه أنه تم وقفه عن العمل بقرار من المشير حفتر، لكن اتضح أن وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية خالد مازن هو صاحب قرار الإيقاف.

خلاصة القول، إن مبدأ عقد الانتخابات الرئاسية الليبية أواخر الشهر المقبل رغم أنه ظاهريًا يحظى بإجماع داخلي ودولي، إلا أن واقع الحال يشير إلى وجود إرادة لدى بعض المكونات الليبية المدعومة خارجيًا بتأجيل هذه الانتخابات ثلاثة أشهر إضافية، تحت خلفية جمع “التوافق” حول قانون الانتخابات الرئاسية، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تصريح الناطق باسم المجلس الأعلى للدولة محمد عبد الناصر، حول تقديم مبادرة خلال الأيام القادمة تقضي بتأجيل الانتخابات حتى يتم التوافق على التشريعات الخاصة بالعملية الانتخابية. 

في حالة عدم نجاح هذا المسعى، قد يأتي دور الميليشيات المنتشرة في المنطقة الغربية، والتي هددت بشكل صريح في حالة استمرار ترشح سيف الإسلام القذافي، بمنع إتمام العملية الانتخابية في المنطقة الغربية بشكل كامل. لذا سيكون هذا التحدي هو الفيصل في تحديد مآلات الوضع الليبي، وذلك كله رهن بالقوائم النهائية للمرشحين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى