المراكز الأمريكية

مجموعة الأزمات الدولية: الشرق الأوسط بين الأمن الجماعي والانهيار الكامل

عرض محمد منصور

صدر أواخر الشهر الماضي، التقرير السنوي لمجموعة الأزمات الدولية، حول المسارات المتوقعة للأزمات والحلول في الشرق الأوسط، تحت عنوان (الشرق الأوسط بين الأمن الجماعي والانهيار الكامل)، والذي يتناول المسارات المتوقعة للتهدئة والحل السلمي في أزمات الشرق الأوسط الحالية، وسط التوترات التي تصاعدت خلال الأشهر الماضية.

يتكون هذا التقرير من خلاصة عدة نقاشات دولية، وعدد من التقارير التي أعدتها المجموعة خلال العام الماضي، منها تقرير قدمته المجموعة إلى مجلس الأمن الدولي في 21 مارس 2019، (ضمن نقاش تفاعلي غير رسمي ترأسته فرنسا)، بجانب فحوى المناقشات التي دارت في 24 مايو من نفس العام، خلال اجتماع انعقد في مقر مجموعة الأزمات في نيويورك، شارك فيه عدد من دبلوماسيي الشرق الأوسط. ويضاف إلى ذلك تفاصيل مستقاة من الكتاب الأبيض الذي قدمته المجموعة إلى حكومات عدة دول، حول أمكانية تشكيل مبادرة لحوار أمني جماعي شامل، لإمكانية إدارة الصراعات الحالية وحلها.

مشكلة مزدوجة ومقاربة واحدة

نتج عن تفاقم الصراعات الإقليمية حول العالم بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، انقسام حاد في المجتمع الدولي حيال مقاربات الحل لهذه الصراعات، ونشأ عن هذا الوضع تحديان رئيسيان، الأول هو التعقيد المستمر والمتزايد لهذه الصراعات على خلفية تعدد الأطراف المنخرطة فيها، وتقاطعها مع صراعات أخرى، والثاني هو تضاؤل الآليات والأدوات المتوفرة من أجل تخفيض التصعيد أو إنهائه.

  • صراعات متشابكة ومتزايدة التعقيد: من أهم الأمثلة التي تؤشر على هذا التحدي، إرهاصات موجة (الربيع العربي)، التي بدأت عام 2011، كموجة احتجاجية تعبر عن مطالب حياتية وإنسانية تتعلق بالعدالة الاجتماعية، بشكل أكبر من تعبيرها عن مطالب سياسية أو دستورية. فشل بعض الأنظمة الحاكمة في الاستجابة لهذه المطالب، ولجأ بعضها الأخر إلى العنف والقمع، هو ما أدى بالإضافة إلى دخول أطراف خارجية على الخط، إلى موجات أشد من العنف المتبادل، وسوريا تعد من أبرز الأمثلة على هذا النهج، حيث مرت الاحتجاجات فيها بعدة مراحل، من مرحلة الثورة السلمية، إلى الاشتباك المسلح، ثم الحرب الأهلية، والتدخل الخارجي، وصولًا إلى تحول النزاع إلى نزاع إقليمي وحرب بالوكالة.

ما حدث في سوريا أو اليمن وغيرها من الدول التي تشهد اضطرابات ونزاعات، أثر بشكل سلبي على مصالح الدول الإقليمية الأساسية في منطقة الشرق الأوسط، مثل إيران والسعودية، وتركيا والإمارات العربية المتحدة. كذلك انجذبت واشنطن وموسكو إلى هذه الصراعات عندما رأت أن مصالحها باتت تحت تهديد واضح وحقيقي، أو أتضح لها أنه توجد فرص جيدة لتعزيز هذه المصالح أذا ما تدخلت في هذه الأزمة أو تلك، وبالتالي نتج عن ذلك شبكة من التحركات المتقاطعة في متن مجموعة متداخلة من الصراعات، متعددة الأطراف الداخلية، والمدعومة بتدخل عسكري خارجي تتعدد درجاته. هذا التداخل، سواء كان على الأرض أو في مقاربة الدول الإقليمية لمصالحها في تعقيد أو حل هذه الأزمة أو تلك، يفاقم من صعوبة معالجة الصراعات المنفردة، ويزيد من مخاطر تسبب الجهود الدبلوماسية والدعم الخارجي، في أضرار وتبعات سلبية غير مقصودة.

  • تعطل الأدوات الفعالة لتسوية الصراعات: بشكل عام، أصبح الرهان على الحل السلمي للنزاعات الحالية في الشرق الأوسط نادرًا، وذلك رغم اللجوء الدائم للأنشطة الدبلوماسية المكثفة من أجل حل النزاعات القائمة، فالجميع يتذكر عقود من المحاولات الدبلوماسية والسياسية الفاشلة، لإيجاد حل سلمي ودائم للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. المبادرات التي قادتها الأمم المتحدة بعد العام 2011، سواء في سوريا، أو اليمن، أو ليبيا أخفقت أيضًا، وذلك لعوامل عديدة، حيث افتقرت هذه المبادرات إلى الاستمرارية والمتابعة، وكان أي تقدم تحققه يتلاشى فور تجدد المعارك على الأرض.

الانعدام المتزايد لفعالية الجهود الدولية لحل أزمات الشرق الأوسط، ساهم فيه أيضًا نشوء صراعات أساسية بين القوى العظمى، أدت إلى تسييس المؤسسات الدولية، وانحيازها في بعض الأحيان لهذا الطرف أو ذاك. فقد عانى مثلًا مجلس الأمن لفترات طويلة من انعدام الفعالية والقدرة على التصرف، لأن بعض أعضاء المجلس، استخدموه كمنصة للدفاع عن حلفائهم في الشرق الأوسط، دون النظر إلى أهمية إيجاد حلول دائمة وشاملة وعادلة للأزمات، وهذا ادى فعليًا إلى تعطيل مجلس الأمن، وعزز شعور بعض الدول بقدرتها على تفادي أية عقوبات أو آثار مترتبة على أفعالها، نتيجة لأنها تعتمد على الدعم الذي تقدمه لها دولة عظمى تمتلك مقعدًا دائمًا في المجلس (روسيا في حالة سوريا – الولايات المتحدة في حالة التحالف العربي في اليمن).

تضارب المصالح يمنع وجود دولة قائدة وراعية للحلول السلمية

روسيا من جانبها، مارست هذا الدور حيال محاولات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التحقيق في أمكانية تنفيذ الجيش السوري لهجوم كيميائي على مدينة خان شيخون، في أبريل 2017. بشكل عام، استعملت روسيا قوتها العسكرية لصياغة التسويات الدبلوماسية، لكنها ركزت جهودها على تعزيز قوة أحد الأطراف على حساب الطرف الآخر، بدلًا من السعي إلى التوصل إلى تسوية حقيقية. في نفس السياق، تموضع موسكو في الشرق الأوسط كلاعب أساسي، وأقامت علاقات أساسية وجيدة علاقات جيدة مع الأطراف الإقليمية الأساسية، بما فيهم بعض الأطراف المتصارعة مع بعضها البعض، مثل إسرائيل، وإيران، والسعودية، وسورية، وتركيا ومصر. حتى الآن لم تصبح موسكو قادرة أو مستعدة، على استغلال هذه العلاقات لتحقيق خطوات جدية وواضحة لإنهاء الصراعات في المنطقة بشكل تام، خاصة في الملفين السوري والليبي.

الاتحاد الأوروبي، الذي تأثر أكثر من غيره، بتبعات تفاقم النزاع في الشرق الأوسط، لم يكن قادرًا على فرض نفسه دبلوماسيًا في المنطقة بشكل يمكن أن يساعده على لعب دور الوسيط في مسارات التسوية السلمية لأزماتها. وذلك نتيجة للانقسامات الداخلية التي تشوب علاقات دول الاتحاد ببعض البعض، خاصة فيما يتعلق بمقارباتها الذاتية للحل في ملفي اليمن وليبيا.

الولايات المتحدة لعبت دورًا مماثلًا لهذا الدور في أزمات أخرى، لكنها مؤخرًا تراجعت خطوة إلى الوراء فيما يتعلق بالجهود الدبلوماسية، وانحازت إلى بعض أطراف الصراع بشكل أكبر مما كانت تفعل في الماضي، ففي حالة إيران انسحبت من الاتفاق النووي، وفرضت أقصى درجات الضغط على طهران، وفي حالة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، قامت بإعادة صياغة بنود وشروط التسوية السلمية المحتملة)، وفي حالة سوريا وليبيا اكتفت بإرسال رسائل مربكة وغير واضحة حول أهدافها الحقيقة في كلا البلدين، وفي اليمن غاب بشكل كامل أي دور لها في الجهود السلمية لإنهاء الحرب.

في الوقت الحاضر، تبدو الصين غير مهتمة بلعب دور سياسي في الشرق الأوسط، ومستمتعة فيما يبدو برؤية خصومها الدوليين، يخسرون مواردهم في سياق انخراطهم بصراعات الشرق الأوسط. يمكن القول إن مصالح بكين الرئيسية، تتمثل في تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية، وضمان الوصول الآمن إلى نفط الخليج.

دوائر إقليمية ضعيفة في الشرق الأوسط

فيما يتعلق بالعالمين العربي والإسلامي، تعمل الآليات الإقليمية بشكل مخيب للآمال. فالجامعة العربية (التي تستثني لاعبين أساسيين في الشرق الأوسط مثل إيران، وإسرائيل وتركيا) مسيسة وتضج بالاستقطابات، بشكل يمنعها من لعب دور فعال في تسوية معظم الصراعات. منظمة التعاون الإسلامي (الأكثر شمولًا لدول الشرق الأوسط عدا إسرائيل)، لم تطور حتى الآن قدرات قوية تسمح لها بالتوسط لحل نزاعات المنطقة. حتى التحالفات الإقليمية، مثل مجلس التعاون الخليجي، وجدت صعوبة في تبني موقف موحد من صراعات المنطقة، نظرًا لما تعانيه من انقسامات داخلية، خاصة حيال ملفات إقليمية أساسية مثل ليبيا واليمن.

يضاف إلى ذلك، تعثر بعض الجهود السلمية لحل عدد من النزاعات، نتيجة لاستبعاد طرف أو أكثر من الأطراف المعنية فيها منها، مثال لذلك فشل مباحثات السلام حول سوريا في يناير 2014، بعد سحب الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون لدعوته إيران للمشاركة فيها. كذلك ساهم الضغط التركي الدافع إلى عدم تمثل وحدات حماية الشعب الكردية، في مباحثات جنيف حول سوريا، إلى فشل هذه المباحثات بشكل تام. كما أن انقسام بعض هذه الأطراف (مثل حكومة عبد ربه منصور هادي في اليمن – والمجموعات المسلحة الموالية لإيران في العراق – حركتي حماس وفتح في فلسطين)، أدى إلى صعوبة بحث وإيجاد حلول سلمية دائمة لهذه الصراعات.

صراعات الشرق الأوسط تتفاقم وتقترب من النقطة الحرجة

الشرق الأوسط يضج حاليًا بالأزمات والمخاطر، ويمكن لأي تطور عاجل أو حدث عابر، أن يطلق شرارة لتصعيد شامل في المنطقة، على شكل سلسلة من المواجهات السياسية والعسكرية متعددة الأطراف. هذا في وقت، تتقدم فيه بشكل طفيف جدًا المساعي السلمية لحل نزاعات مسلحة مثل الحرب في سوريا، والصراع في اليمن. وصول أي أزمة إلى هذا الحجم الكبير، ربما يشكل حافزًا يضغط على المحيط الإقليمي والدولي، للقيام بإجراءات وقائية تمنع تحول هذه الأزمات إلى بوابات لإشعال صراع إقليمي واسع النطاق، وتعتبر مبادرات الحوار المشترك، من أهم هذه الإجراءات.

ضرورة اتخاذ إجراءات من هذا النوع، تتعزز أكثر إذا ما تعلق الأمر بالصراعات طويلة الأمد، التي تعتبر من ملامح السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها الصراع الممتد منذ أربعة عقود، بين الولايات المتحدة وإيران، فقد أشتعل هذا الصراع أكثر، على خلفية انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني الموقع في العام 2015، ومن ثم إطلاقها لسلسلة من اجراءات الضغط على طهران، على رأسها فرض حزمة من العقوبات الاقتصادية عليها عام 2018

نتج عن هذا النهج، عدة مواقف وحوادث خطيرة، منها الهجمات على سفن الشحن في مضيق هرمز وخليج عُمان في مايو ويونيو من العام الماضي، وإسقاط الدفاع الجوي الإيراني لطائرة دون طيار تابعة لسلاح الجو الأمريكي، يُحتمل دخولها إلى المجال الجوي الإيراني، ثم الهجوم الصاروخي الواسع على منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو السعودية في 14 سبتمبر من نفس العام. تصاعدت هذه الحوادث بشكل أكبر مطلع يناير الماضي، حين اغتالت طائرة أمريكية دون طيار، قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس نائب قائد قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران في العراق، وتبع ذلك عدة هجمات انتقامية نفذتها فصائل مدعومة من إيران خلال شهر مارس الماضي، استهدفت مواقع تمركز للقوات الأمريكية في العراق.

كان يمكن لأي من هذه الحوادث أن يتسبب في رد انتقامي موازٍ من جانب الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤدى بالتبعية إلى دخول المنطقة في دوامة خطيرة من العنف، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد أصدر بالفعل أمرًا لتوجيه ضربة جوية لمواقع دفاع جوي إيرانية، ردًا على حادث إسقاط الطائرة الأمريكية، الا أنه قام بإلغاء الأمر في اللحظة الأخيرة، كذلك طالبت عدة شخصيات في إدارته، بالرد على الهجمات التي استهدفت منشآت شركة أرامكو النفطية في السعودية. ما منع الولايات المتحدة من التصعيد في اللحظات الأخيرة، كان حقيقة أن الهجمات الصاروخية التي تم تنفيذها من جانب الفصائل العراقية المدعومة إيرانيًا، ردًا على عملية اغتيال سليماني والمهندس، لم تسفر عن ضحايا في صفوف الأمريكيين، ومثلت حسب التصريحات الإيرانية، المدى الأكبر الذي من الممكن أن تصل إليه الردود الإيرانية في هذه المرحلة.

خطوات نحو إقامة حوار أمني إقليمي جماعي شامل

  • الحاجة إلى مقاربة شاملة: هذا الوضع السابق ذكره، يمثل مبررًا قويًا لانتهاج مقاربة جديدة. تتمثل في مبادرات تطرحها مجموعة من الدول ذات الرؤية السياسية المتقاربة، أو التي تحظى بدعم مؤسسات دولية أكبر مثل الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأوروبي، أو الجامعة العربية أو مجلس التعاون الخليجي. العنصر المحوري في هذه المبادرات، سيكون النظر إلى صراعات الشرق الأوسط والتعامل معها على أنها مترابطة، وأن تفاقم أي منها سيؤدى بالضرورة إلى تفاقم بقية النزاعات، وتحول المنطقة كلها إلى بؤرة صراع. النقطة الثانية التي يجب أخذها في الاعتبار خلال تشكيل هذه المبادرات، حقيقة أن معظم النزاعات المسلحة في المنطقة، بدأت أولًا على نطاق محلي، ثم اتسعت لتجتذب لاعبين إقليميين ودوليين، وبالتالي إذا ما توفرت نوايا صادقة لحل النزاع السوري مثلًا، من جانب روسيا والولايات المتحدة، فإنهما ستتمكنان من تقييد أفعال اللاعبين المحليين والإقليميين، وبالتالي إيقاف التدهور والحرب. كذلك الحال فيما يتعلق بطهران والرياض في النزاع اليمني. قد يكون وقف التدخلات الخارجية في النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، غير كافي لإنهاء هذه النزاعات.

أولى خطوات عملية خفض التصعيد في المنطقة، ستكون السعي لإقامة حوار بين دول منطقة الخليج، بهدف إيقاف تصاعد التوترات الإقليمية. ينبغي لمثل تلك العملية أن تكون تدريجية وتراكمية، وتبدأ بمنطقة الخليج وتتسع لتشمل مع تقدم الحوار، دول أخرى في الشرق الأوسط، ويمكن مشاركة دول من خارج الشرق الأوسط منذ البداية لتقديم الدعم. في البداية، يمكن أن يبدًا هذا الحوار على نطاق محدود نسبيًا، أي في منطقة الخليج، وأن تشارك فيه الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (السعودية، والإمارات، وقطر، وعُمان، والكويت والبحرين) إضافة إلى إيران والعراق. اهمية هذه الحوار بهذه التشكيلة تمكن في أن الحوار ما بين الخصمين الرئيسيين في المنطقة، الولايات المتحدة وإيران، مازال بعيدًا جدًا، لذلك فإن تخفيف حدة التوترات بين دول الخليج وإيران، من شأنه أن يقلص احتمالات نشوب صراع أميركي – إيراني.

لقد طرحت طهران سابقًا، مقترحًا لحوار خليجي شامل، تحت أسم (مبادرة هرمز للسلام)، لكن إيران في الوقت الحالي، ليست في التموضع الأمثل، لإطلاق أو إدارة حوار خليجي، لأنها طرف مباشر في صراعات الشرق الأوسط، وليست وسيطًا حياديًا، لذلك سيكون من الأفضل أن تتولى دولة أقل انخراطًا في الأزمات الحالية، وأكثر حيادية إدارة هذا الحوار، ومن هذه الدول الكويت وسلطنة عُمان. تاريخيًا هناك نماذج ناجحة لتنفيذ مثل هذه الحوارات، مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي توجت باتفاقات هلسنكي عام 1975، حيث أتت الدعوة الأولية من فنلندا، رغم أن الفكرة كانت في الأصل سوفيتية، وجرت معظم المحادثات في سويسرا. 

  • الدور الأمريكي في حلحلة التوتر في المنطقة: ربما يكون قبول واشنطن، إن لم يكن دعمها الكامل، لإطلاق أي حوار في الخليج، شرطًا أساسيًا لنجاح هذا الحوار، لكن بالنظر إلى الظروف الحالية، يبدو أن هذا القبول بعيد المنال. فإدارة ترامب منخرطة في بناء تحالف معادٍ لإيران، ويترافق هذا مع ضغوط دبلوماسية واقتصادية ومالية على طهران. 

أواخر سبتمبر الماضي لاحت في الأفق بوادر لقاء مشترك بين ترامب والرئيس الإيراني، إلا أن هذه البوادر تبددت عقب اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، خلال ما تبقى من العام الجاري، من المرجح أن تستمر واشنطن في مضاعفة ضغوطها على إيران، في محاولة للإطاحة بقيادتها أو إجبارها على التفاوض بشروط واشنطن. ثمة سيناريوهات تصعيدية أخرى أكثر خطورة، قد تنتج عن شن طهران او حلفاؤها، لهجمات أخرى في المنطقة. الأكيد أن إمكانية التقارب الدبلوماسي بين الطرفين، لن تلوح مجددًا إلا بعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، وحينها من المرجح أن تنخرط إدارة يشكلها الحزب الديموقراطي، بحوار مباشر مع طهران، كما ان ترامب في حالة إعادة انتخابه، وإذا ما وجد رفضًا قاطعًا من طهران للتفاوض تحت الضغط والشروط الأمريكية، قد يوافق على إجراء حوار أولي بين حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين وإيران، لاختبار إمكانية خفض التصعيد الإقليمي، وتمهيد الطريق نحو محادثات أميركية – إيرانية مباشرة.

  • دعم التجمعات والمؤسسات الإقليمية والدولية للجهود السلمية: إلى أن يحين أوان تغير الموقف الأمريكي الحالي من الحوار مع طهران، ثمة حاجة لبدائل تغطي هذا الدور، ومن أمثلة ذلك دول الاتحاد الأوروبي، فقد بدأت العام الماضي، في إجراء نقاشات فيما بينها، لمحاولة إيجاد سبل لتخفيف حدة التوترات في الخليج عبر الحوار، على الأقل بسبب أهمية المنطقة للاقتصاد العالمي. حكومات دول الاتحاد تشعر بشكل عام بالانزعاج، من سياسات إدارة ترامب التي فاقمت من حدة التوترات في الشرق الأوسط، لذلك يسعى بعضها لتطوير درجة أكبر من الاستقلال في السياسة الخارجية عن الولايات المتحدة، بما يسمح بدور مستقبلي أكبر للاتحاد، في نزع فتيل الأزمات الإقليمية والدولية.

خلاصة القول، أظهرت التطورات الإقليمية التي جرت خلال العام الماضي، المخاطر التي ستنتج عن اندلاع نزاع إقليمي محدود أو واسع المجال، لذلك يجب وعي دروس الحرب الباردة جيدًا، فقد وجد خلالها العالم طرقًا عديدة لتقليل مخاطر المواجهات الدولية والإقليمية. على هذا الأساس، تتطلب الأزمات الراهنة في الشرق الأوسط مقاربة جديدة، تعالج نقاط الضعف التي تشوب الحلول المطروحة حاليًا، وتأخذ بالاعتبار التعقيد المتزايد للأوضاع القائمة، وقد يكون لحوار إقليمي جماعي شامل يهدف إلى تخفيف حدة التوترات في مثل الظروف الراهنة، فرصة ضئيلة في النجاح، لكن خطورة الوضع القائم تجعل المحاولة ضرورية للغاية. 

يمكن أن تكون نقطة البداية في هذه المحاولات، تأسيس تجمع من الدول الأوروبية، يطلق مبادرة لإقامة حوار شامل في منطقة الخليج، وقد يلي ذلك فتح نقاشات مع دول الخليج والولايات المتحدة، لاستكشاف إمكانية إطلاق هذا الحوار من داخل منطقة الخليج، وإذا أثبتت هذه النقاشات نجاحها، يمكن لدول الخليج ذات التوجه الحيادي إقليميًا، أن تقود محادثات غير رسمية بين حكومات منطقة الخليج، (دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران)، ثم يتم أطلاق دعوات لعقد محادثات تحضيرية يتم فيها تحديد جدول الأعمال والقواعد المنظمة للحوار المستقبلي، ومن ثم يتم عقد مؤتمر لطرح ومناقشة القضايا الخلافية الأساسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى