إسرائيل

قبيل انتهاء مهلة منتصف الليل “لابيد” ينهي مسيرة نتنياهو

مع اقتراب الساعات الأخيرة من عمر مهلة الـ 28 يوم التي منحها الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين لزعيم حزب “يش عتيد” المعارض يائير لابيد من أجل تقديم تشكيلته الحكومية، تمكن هذا الأخير من إتمام هذه المهمة “بالكاد” بعد أن توصل خلال الساعات القليلة الماضية لاتفاق مع رئيس كتلة “القائمة العربية الموحدة” في الكنيست منصور عباس، حصل بموجبه على موافقة الكتلة على المشاركة في ائتلاف لابيد الحكومي، وتبقى مشاركة القائمة العربية الموحدة في هذه التشكيلة الوزارية حدثًا غير مسبوق في التاريخ السياسي الإسرائيلي، ويؤشر على تغيرات عديدة تتم بشكل تدريجي في المسار السياسي العام في إسرائيل.


بمجرد إتمام هذا الاتفاق الغير معروفة ملامحه حتى الآن، تواصل لابيد مع الرئيس الإسرائيلي وأبلغه بأنه تمكن من تأمين الأصوات اللازمة لحصول تشكيلته الحكومية على ثقة الكنيست، وهو ما يمهد لتشكيل الحكومة الجديدة وطوي صفحة بلغ طولها خمسة عشر عامًا، تولى فيها رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو منصبه خلالها، وتمكن بشكل لافت وغير مسبوق في التاريخ السياسي الإسرائيلي، من عبور عدد كبير من “المطبات” السياسية، بما في ذلك أربعة انتخابات عامة.


الاتفاق الأخير بين لابيد والقائمة العربية الموحدة، يبقى في الواقع جزء من سلسلة من التسويات والاتفاقات التي أجراها لابيد مع عدة كتل وأحزاب إسرائيلية، من أهم هذه الاتفاقيات مع رئيس حزب “يمينا” اليميني المتطرف نفتالي بينيت، الذي حصل خلال انتخابات مارس التشريعية على ستة مقاعد في الكنيست، وكان حتى أواخر الشهر الماضي، مترددًا بشكل كبير بين المشاركة في تشكيلة لابيد الحكومية، وبين المضي قدمًا في المشاركة في تشكيلة نتنياهو الحكومية المقترحة، لكن في النهاية أعلن بينيت في 31 مايو الماضي في خطاب متلفز عن بدء تواصله مع لابيد من أجل تشكيل حكومة ذات طابع يميني.


لقد أكد موقف بينيت – الذي تولى حقيبة وزارة الدفاع سابقا – شائعات كثيرة ترددت في الأوساط السياسية الإسرائيلية خلال الأسابيع الماضية، حول توصله مع لابيد لاتفاق كامل حول الشراكة فيما بينهما في الائتلاف الحكومي القادم، حيث تفيد هذه الإشاعات أن كلا بينيت ولابيد قد يبرمان قريبًا اتفاق يتولي بينيت بموجبه منصب رئيس الوزراء حتى سبتمبر 2032، على أن يتولى لابيد حقيبة وزارة الخارجية، ومن ثم يتبادل كلا الرجلين منصبيهما. هذا الاتفاق كان على ما يبدو ثمرة رغبة مشتركة من جانب بينيت ولابيد، فقد صرح الأول خلال خطاب تلفزيوني أنه يعتزم العمل بكل قوة مع لابيد لبناء حكومة وحدة وطنية لإعادة إسرائيل إلى المسار الصحيح، وأنه ليس من المطلوب من أي من المشاركين في هذا الائتلاف أن يتخلوا عن ثوابتهم الإيديولوجية، لكن يتعين عليهم تأجيل بعض من أهدافهم السياسية، والتركيز على إنجاح هذه التشكيلة الجديدة.


يضاف هذا الاتفاق المحتمل بين بينيت ولابيد إلى اتفاقات جانبية عقدها لابيد مع ممثلي طائفة متنوعة من الأحزاب الإسرائيلية، من بينها أحزاب اليمين (حزب “الأمل الجديد” وحزب “إسرائيل بيتنا”) والأحزاب اليسارية (حزب ميريتس وحزب العمل المنتمي ليسار الوسط) بجانب حزب “أزرق أبيض” الذي ينتمي إلى الوسط، ويتزعمه وزير الدفاع بيني غانتس، وهذا يجعل التشكيلة الحكومية الائتلافية المقترحة واحدة من أكثر التشكيلات الحكومية الإسرائيلية تنوعًا، وقد حاول رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو اللعب على وتر مخاوف الأحزاب اليمينية، خاصة حزبي الأمل ويمينا، من التعاطي مع القائمة العربية الموحدة، وعرض على رئيسي كلا الحزبين أن ينضما إلى تشكيلته الحكومية، بحيث يتناوب مع أحداهما منصب رئيس الوزراء، لكن تكللت جهوده بالفشل في النهاية.

من الواضح أن لابيد تمكن من القفز على كافة الحواجز الأيديولوجية التي كانت تعترض طريقه لتحقيق اتفاق عام بين حزبه وهذه التشكيلة من الأحزاب المختلفة، خاصة تلك التي فرضتها الاختلافات الجذرية بين الأحزاب اليمينية والقائمة العربية الموحدة، فقد طالب رئيس هذه القائمة منصور عباس خلال المفاوضات بينه وبين لابيد، أن تمنح وزارة الداخلية الإسرائيلية صلاحيات واسعة للسلطات المحلية العربية داخل إسرائيل، وهو المطلب الذي كان يعارضه بشدة حزب “إسرائيل بيتنا” وتحديداً إيلي شاكيد وزيرة العدل السابقة، وهي أحدى قيادات هذا الحزب اليميني، ويتوقع أن تتولى منصب وزيرة الداخلية في التشكيلة الحكومية المقبلة. على ما يبدو تمكن لابيد خلال المفاوضات من إيجاد تسوية لهذا الملف، بجانب ملفات أخرى منها ملف قانون التخطيط الحضري الذي يتخوف من الفلسطينيون داخل الخط الأخضر، وملف القرى البدوية غير المعترف بها في صحراء النقب.


يبقى التحدي الأكبر أمام التشكيلة الحكومية الجديدة المقترحة من جانب لابيد، هو تأمين النصاب القانوني خلال التصويت عليها في الكنيست الأسبوع المقبل، فحتى الآن تحظى هذه التشكيلة بأغلبية هشة “61 نائب”، من إجمالي نواب الكنيست البالغ عددهم 120 نائب، وبالتالي فإن انشقاق أي نائب من هذه الأغلبية سوف يمنع لابيد من الحصول على العدد الكافي من أصوات الكنيست لمنح تشكيلته الحكومية الثقة – خاصة أن القائمة العربية الموحدة لم تعلن بشكل صريح حتى الآن ان نوابها الأربعة في الكنيست سوف يمنحون أصواتهم لهذه التشكيلة – وهذا سوف يمنح نتنياهو نحو عشرة أيام قبل موعد التصويت على الثقة، من أجل التأثير على النواب المتوقع أن يصوتوا بالموافقة على هذه التشكيلة، وهذه الاستراتيجية سوف تكون الورقة الأخيرة في جعبة نتنياهو، واذا نجح في استخدامه فسيكون أمام الكنيست 21 يوما للاتفاق على اختيار رئيس للوزراء، او يتجه الجميع إلى انتخابات عامة. لذا ستبقى حالة عدم اليقين السياسي سائدة لدى الجميع في الوسط السياسي الإسرائيلي، إلى أن يوافق الكنيست بشكل واضح على تشكيلة لابيد الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى