دول المغرب العربي

تونس … إرهاصات قرارات الخامس والعشرين من يوليو

دخلت تونس يوم 25 يوليو مرحلة جديدة على كافة المستويات، بفعل القرارات “الحاسمة” التي اتخذتها الرئاسة التونسية، وعلى رأسها قرار تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة. التحديات الناشئة عن هذه القرارات لن تكون فقط بمثابة تحديات ماثلة أمام الرئيس التونسي قيس سعيد، لكنها أيضًا ستتحول إلى محددات رئيسية للمسار التونسي السياسي والاقتصادي والاجتماعي و”الأمني” خلال المرحلة الدقيقة المقبلة.

فيما يتعلق بالتحديات، كان لقرارات الخامس والعشرين من يوليو، التي سيتبعها بالتأكيد سلسلة من القرارات الأخرى التي لن تقل أهمية عما تم اتخاذه وتنفيذه بالفعل، مجموعة مركبة من التحديات، ما بين التحدي الأمني الميداني، والتحدي الدستوري، والتحدي السياسي، وهي تحديات تحتاج إلى مشرط جراحي ماهر، للتعامل معها منعًا للوقوع في أخطاء مرحلية قد تتسبب في جر الوضع الداخلي في البلاد لزوايا تخدم محاولات إيقاف عجلة التغيير في تونس.

التحدي السياسي والحزبي

بمجرد إعلان هذه القرارات كانت جميع الأنظار متجهة نحو النقابات العمالية والأحزاب، من أجل استجلاء مواقفها التي تبدو مهمة في هذه المرحلة. بشكل عام حظيت هذه القرارات برضا قسم كبير من الأحزاب التونسية، ولكن بدرجات متفاوتة تراوحت بين الترحيب وبين تحميل حركة النهضة والحكومة المقالة مسؤولية الوضع الحالي. من بين هذه الأحزاب حركة “الشعب” التي أعلنت في بيان لها تأييدها لقرارات الرئاسة التونسية، ودعت الشعب التونسي لعدم الانزلاق إلى مستنقع العنف الذي ترى أن حركة النهضة تريد جر البلاد إليه، وقد صرح القيادي بالحركة محمد المسيليني بأن الحاجة باتت ملحة لمراجعة عميقة للنظامين السياسي والانتخابي في البلاد.

من جانبه، كان موقف حزب “تحيا تونس” من هذه القرارات دافعًا في اتجاه تطبيع الأوضاع السياسية بشكل سريع، إذ دعا إلى إقرار خريطة طريق واضحة لإصلاح المنظومة السياسية، وإلى تجاوز الوضع الحكومي المتردي بتشكيل حكومة إنقاذ وطني، معتبرًا أن عجز المنظومة السياسية الحالية أصبح واقعًا يلمسه كل تونسي. حركة “الراية الوطنية” بدورها اعتبرت في بيان لها أن قرارات الرئيس التونسي تعد استجابة للمطالب الشعبية بمواجهة تردي الأوضاع في البلاد على كافة المستويات، وحملت حركة النهضة مسؤولية هذا التردي بشكل أساسي. 

أحزاب أخرى أعلنت خلال الساعات الماضية تأييدها لهذه القرارات، منها حزب “التحالف من أجل تونس” الذي دعا إلى طمأنة الشعب على المسار الديموقراطي في البلاد، وحزب “التكتل” الذي حمل الحكومة المقالة مسؤولية تأزيم الأوضاع في البلاد، وحزب “آفاق تونس” الذي دعا الرئاسة التونسية وكافة القوى السياسية للعمل من أجل الحفاظ على مكتسبات الثورة. حركة “مشروع تونس” دعت من جانبها الرئيس قيس سعيد إلى توضيح الإجراءات التي يعتزم اتخاذها خلال الأسابيع الأربعة المقبلة، واعتبرت أن أزمة النظام السياسي التونسي أصبحت تهدد السلم الاجتماعي في البلاد. الملاحظة الأساسية هنا أن العديد من الأحزاب الأساسية في الحياة السياسية التونسية، مازالت تتريث في إبداء مواقف واضحة من قرارات أمس، انتظارًا منها لحزم القرارات الأخرى المتوقعة، بحيث تبني عليها مواقفها الأساسية من هذا المسار برمته.

على الجانب الآخر، أعلنت -بطبيعة الحال- حركة النهضة رفضها التام للقرارات التي اتخذها الرئيس، واعتبرت على لسان الرجل الأول فيها ورئيس مجلس النواب المجمد راشد الغنوشي، أن ما حدث هو بمثابة “انقلاب” على الدستور وعلى مكتسبات الثورة. انضمت إلى هذا الفريق كتلة “قلب تونس” النيابية، التي اعتبرت القرارات “رجوع لحقبة الحكم الفردي”. حزب “التيار الديمقراطي” كان له موقف مختلف قليلًا، فعلى الرغم من أنه اعتبر قرارات الرئاسة التونسية “خرقًا جسيمًا للدستور”، وأكد أنه يختلف بشكل جذري مع تفسير الرئاسة لبنود الفصل 80 من الدستور، إلا أن الأمين العام للحزب حمّل مسؤولية تردي الأوضاع في البلاد لما وصفه بـ “الائتلاف الحاكم” الذي يشمل حركة النهضة والحكومة المقالة. ائتلاف “الكرامة” البرلماني أعلن عن رفضه لقرارات الرئاسة التونسية، واعتبرها “انقلابًا على الثورة والديموقراطية”.

على مستوى النقابات العمالية، كان الجميع ينتظر موقف الاتحاد العام للشغل، الذي وإن كان قد اقترب بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة من الفريق المؤيد للرئيس قيس سعيد، إلا أن هذا الاتحاد كان دومًا رمانة ميزان أساسية في الحياة السياسية التونسية، بشكل يجعل موقفه من قرارات الرئيس حاسمًا ومهمًا لكافة الأطراف السياسية الأخرى. اجتمع المكتب التنفيذي للاتحاد يوم 26 يوليو، وانتظر الجميع ظهور مؤشرات واضحة عن موقف الاتحاد خلال هذا الاجتماع، لكن لم يطرأ عن هذا الاجتماع موقف واضح يمكن البناء عليه.

ظهر موقف الاتحاد بشكل واضح بعد لقاء أمينه العام نور الدين الطبوبي مع الرئيس قيس سعيد، حيث أصدر الاتحاد عقب هذا اللقاء بيانًا أعرب فيه ضمنيًا عن تجاوبه مع القرارات، وطالب بوجوب مرافقة التدابير الاستثنائية التي تم اتخاذها بجملة من الضمانات الدستورية، وكذا مراجعة التدابير الخاصة بالقضاء لضمان استقلاليته، وضرورة تحديد مدة تطبيق هذه التدابير والإسراع بإنهائها كي لا تتحول لتدابير مستدامة، وذلك عبر خارطة طريق سياسية واضحة. أعقب هذا البيان موقف للأمين العام المساعد للاتحاد، قال فيه إن الإرادة الشعبية هي التي فرضت قرارات الرئيس، والاتحاد يحترم هذه الإرادة، وأن هذه القرارات “في روح دستور الجمهورية الثانية”.

كان لافتًا تحرك الرئاسة التونسية السريع في التواصل مع منظمات المجتمع المدني وبقية النقابات المهنية والعمالية، وهذا انعكس على مواقف بعض هذه النقابات، التي أعلنت عن تأييدها للقرارات الرئاسية، منها نقابة العاملين بالسلك الدبلوماسي، واتحاد الكتاب التونسيين، والجمعية الوطنية للبلديات. يضاف إلى ذلك بدء سلسلة من اللقاءات بين الرئيس التونسي ورؤساء النقابات ومنظمات المجتمع المدني، بدأت اليوم بلقاء مع رئيس اتحاد الفلاحين والصيادين.

التحدي الدستوري

تنتظر كافة الأطراف الداخلية في تونس، على اختلاف توجهاتها، حزمة القرارات الجديدة المتوقعة من جانب الرئاسة التونسية، والتي ينتظر منها أن تحدد الإطار الزمني والقانوني والدستوري لقرارات 25 يوليو. الجمعية التونسية للقانون الدستوري اعتبرت أنه يجب احترام البنود الواردة في المادة 80 من الدستور التونسي، التي تمنح الرئيس صلاحيات استثنائية، لكنها طالبته بتوضيح طبيعة الإجراءات المستقبلية على المستوى السياسي، وأعربت في نفس الوقت عن مخاوفها من جمع كافة السلطات في يد مؤسسة الرئاسة.

تعد المادة 80 من ضمن مواد الدستور التونسي التي تتناول اختصاصات رئيس الجمهورية ضمن باب “السلطة التنفيذية”، وتنص هذه المادة على أنه “لرئيس الجمهورية، في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب. ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة”.

الفقرة الأخيرة في هذه المادة تعد هي مربط الفرس، حيث تقول “وبعد مُضيّ ٣٠ يومًا على سريان هذه التدابير، يُعهَد للمحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس النواب أو ٣٠ من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها في أجل أقصاه ١٥ يومًا. ويُنهى العمل بالتدابير بزوال أسبابها”. المعضلة الأساسية هنا، أن المحكمة الدستورية التونسية لم يتم تشكيلها حتى الآن منذ عام 2014، بسبب الخلافات السياسية حول أعضاء هذه المحكمة البالغ عددهم 12 عضو، وقد تفاقم هذا الخلاف في أبريل الماضي، بعد أن رفض الرئيس قيس سعيد المصادقة على قانون هذه المحكمة، نتيجة لأن البرلمان قد تجاوز بالفعل المهلة الزمنية لتشكيلها.

تفادت الرئاسة التونسية شبه عدم دستورية القرارات التي تم اتخاذها، فلم تقم بحل مجلس النواب، بل قامت بتجميده بشكل مؤقت، لكن سوف تكون مسألة التعامل مع البرلمان مستقبلًا محل جدل، نظرًا لأن التكتل الحزبي الأساسي المعارض لقرارات الرئيس، والمكون من حركة النهضة وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة، لديه أغلبية في المجلس الحالي، وهذا قد يخلق تجاذبات سياسية خطيرة في المدى القريب بشأن الإجراءات التي تم وسيتم اتخاذها من جانب الرئاسة التونسية.

خلاصة القول، إن قسمًا مهمًا من الداخل السياسي التونسي، ينتظر القرارات المرتقبة من جانب الرئاسة التونسية لتحديد خارطة الطريق السياسية المقبلة، وهي خارطة تبدو بالنظر إلى التحديات السياسية والدستورية السالف ذكرها، مضافًا إليها التحدي الأمني، تبدو مفصلية في تحديد المسار العام للدولة التونسية، خاصة خلال الشهر المقبل الذي يمكن اعتباره حجر زاوية جديد في مستقبل تونس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى