إيران

“أربيل مرة أخرى”.. رسائل طهران تصل إلى العراق “دون طيار”


ما بين الفينة والأخرى، أصبحت الأخبار المتداولة – بشكل شبه يومي – عن تعرض القواعد والتمركزات الأمريكية والغربية في العراق، لهجمات صاروخية “مجهولة المصدر”، حدثاً شبه معتاد، بشكل يمكن اعتباره نجاحاً من جانب الأطراف المحلية والإقليمية المناوئة للولايات المتحدة، في فرض معادلة أمنية وعسكرية على الوجود الأمريكي في العراق، تتطابق إلى حد كبير مع المعادلة الحالية التي فرضتها تل أبيب على طهران، والتي باتت الأخيرة فيها تتلقى الضربات الإسرائيلية في عمق أراضيها، وفي قلب منظومتها النووية (لمزيد من التفاصيل عن المعادلة الإسرائيلية – الإيرانية، يرجى زيارة الرابط التالي).

رغم هذا الواقع، الا أن سلسلة من التطورات الأمنية الميدانية، جرت أحداثها على المسار الرابط بين أربيل في كردستان العراق، وبين العاصمة بغداد، خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية، يمكن اعتبارها مؤشراً على بعض التغيرات “التكتيكية” في نمط المواجهة الحالية بين طهران والولايات المتحدة في الميدان العراقي.

وهي تغيرات تتسم جميعها بسمة “تصعيدية”، تحاول من خلالها طهران إفشال المحاولات الأمريكية لتأسيس وجود عسكري دائم شمال ووسط العراق، وهو ما يمثل “شوكة” في الخاصرة الإيرانية، قد تساهم في إعطاء دفعة معنوية وتكتيكية لحلفاء واشنطن في المنطقة، وكذلك لبعض الأحزاب والقوى السياسية العراقية، التي ترغب في تحجيم التأثير الإيراني في القرار السياسي والعسكري العراقي.

مطار أربيل تحت القصف مجدداً … الأداة هذه المرة مختلفة

الحدث الأبرز في هذه السلسلة من الأحداث الأمنية شهده مطار أربيل في كردستان العراق في وقت متأخر من ليل الأربعاء الماضي، حين حدث انفجار غامض استهدف أحد المباني الواقعة داخل حرم المطار، علماً أن قوات التحالف الدولي وعلى رأسها القوات الأمريكية لها وجود عسكري داخل هذا المطار. 

في البداية كان الظن الأكبر أن الأداة التي تم استخدامها في هذا الهجوم هي صواريخ الكاتيوشا قصيرة المدى، او قذائف الهاون، وهي الأدوات الرئيسية التي تم استخدامها في كافة عمليات استهداف المطارات والقواعد التي تتواجد فيها القوات الأمريكية في العراق منذ عام 2019 وحتى الآن، لكن بعد ساعات من الهجوم اتضح أن الأمر هذه المرة كان مختلفاً.

فقد أعلنت وزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، أن التحقيقات الأولية أشارت إلى أن هذا الهجوم، الذي تزامن مع هجوم مماثل على قاعدة تابعة للجيش التركي في نطاق جبل بعشيقة بمحافظة نينوى، تم باستخدام طائرة دون طيار محملة بشحنة متفجرة، نفذت الهجوم بنسق مشابه للنسق الذي يتخذه الحوثيون في اليمن لمهاجمة المنشآت والمطارات في الحد الجنوبي السعودي. هذا الأسلوب يعد تطوراً لافتاً في التكتيكات المستخدمة من جانب الفصائل المسلحة الشيعية المتواجدة على الأراضي العراقية، والتي كانت خلال الأشهر الماضية تستخدم راجمات محلية الصنع لإطلاق صواريخ الكاتيوشا المحدودة المدى والقدرة التدميرية، بجانب قذائف الهاون من عيارات مختلفة، لاستهداف التمركزات الأمريكية في نطاق العاصمة ومحافظات أخرى مثل صلاح الدين والأنبار وأربيل. 

الدلائل المتوفرة تشير إلى أن الطائرة التي تم استخدامها، تطابق على الأغلب النماذج الإيرانية الأصل من الطائرات الانتحارية دون طيار، التي تم تسجيل استخدامها في اليمن، وهي سلسلة “قاصف”، التي تتشابه في تصميمها إلى حد التطابق مع الطائرات الإيرانية دون طيار “أبابيل – تي”، التي تنتجها شركة الصناعات الجوية الإيرانية (HESA)، والتي تحمل حمولة متفجرة تصل زنتها إلى 40 كيلو جراما، ويصل مداها إلى 150 كيلو مترا.

هذا التكتيك الجديد ربما يبدو استخدامه في العراق للوهلة الأولى مفاجئاً، لكن الواقع أن الجيش الأمريكي كان يتخوف من هذا التطور منذ أشهر طويلة.

فقد نشرت مجلة “نيوزويك” الأمريكية في ديسمبر 2019، مقالاً أفادت فيه نقلاً عن مصادر عسكرية أمريكية، أن الوحدات الأمريكية الموجودة على الأراضي العراقية، رصدت تحليق ما وصفته المجلة ب “طائرات انتحارية دون طيار”، بالقرب من مواقع هذه الوحدات في عدة مناطق عراقية. في ذلك التوقيت كانت التقديرات الأمريكية تشير إلى أن هذه التحليقات يراد منها استطلاع التدابير الدفاعية للوحدات الأمريكية، وكذلك رصد وتسجيل المواقع الدقيقة للمباني المهمة  والمخازن الأساسية لعتاد الجيش الأمريكي، خاصة داخل المطارات العراقية، تمهيداً لشن هجمات جوية على هذه المواقع.

هنا لابد من الإشارة إلى أن القوات الأمريكية الموجودة في شمال العراق لم تتخذ أية تدابير دفاعية واضحة لمكافحة هذه الهجمات في حال وقوعها، وهو ما اتضح بشكل أكبر خلال هجوم أربيل الأخير، وكذلك الأمر بالنسبة للقوات التركية في قاعدة بعشيقة. 

يضاف إلى ذلك فشل قوات التحالف في تحديد موقع انطلاق الطائرات المهاجمة، أو مكان تواجد المجموعة المسؤولة عن هذا الهجوم، رغم التحليق المستمر للطائرات البريطانية والتركية في أجواء أربيل عقب الحادث مباشرة. التصاعد الواضح في القدرات العسكرية التي تمتلكها الفصائل الموالية لإيران في العراق، يعد مؤشراً مهماً لابد من وضعه في الاعتبار خلال تقييم هذا الهجوم ونتائجه.

من نفذ هجوم أربيل؟

ربما يكون من المهم في سياق تحليل أي حدث أمني او عسكري، أن نحاول تحديد الفاعل أو المنفذ بشكل دقيق، ولكن في الحالة العراقية الحالية، ونظراً لتواجد العديد من الفصائل المسلحة شيعية التوجه، والتي تتخذ قرارات الاشتباك والهجوم بمعزل عن القرار السياسي والعسكري للحكومة العراقية المركزية في بغداد، سيكون من الصعب بمكان تحديد أيا منها المسؤول عن هجوم أربيل، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن مجموعات مسلحة غير معروفة أعلنت مسئوليتها سابقاً عن هجمات طالت مواقع وأرتال أمريكية، ومنها جماعتي “أولياء الدم” و”أهل الكهف”.

في ما يتعلق بهجومي أربيل وبعشيقة، تواردت أنباء في البداية عن إعلان جماعة “أولياء الدم” مسئوليتها عن تنفيذهما، لكن نشرت نفس الجماعة عبر حسابها على موقع “تيليجرام” نفياً لهذه الأنباء، لكن رغم هذا النفي تبقى هذه الجماعة هي المشتبه الأول في هذا الهجوم لعدة أسباب، من أهمها أنها نفذت هجوماً بالصواريخ استهدف مطار أربيل منتصف فبراير الماضي، وهو الهجوم الصاروخي الثاني الذي يتعرض له المطار بعد الهجوم الأول الذي نفذه فصيل مسلح غير معروف في سبتمبر 2020 انطلاقا من منطقة تابعة لمحافظة نينوى. 

يضاف إلى ذلك أن جماعة سرايا أولياء الدم، قالت في بيانها حول عملية فبراير الماضي، أن مطار أربيل سيكون خارج دائرة الاستهداف، وهو عكس ما حدث على أرض الواقع، علماً أن البيان السالف ذكره حمل كلمات واضحة تشير إلى اعتزام الجماعة استهداف الوجود العسكري الأمريكي في كردستان العراق.

على الرغم من أن منظمات وفصائل شيعية التوجه سارعت إلى الإعلان عن عدم تأييدها لهجوم مطار أربيل، مثل حزب الدعوة، ومنظمة بدر، وجماعة “عصائب أهل الحق”، وبعض قيادات فصائل تنضوي تحت لواء “الحشد الشعبي”، الا أن مواقف فصائل أخرى أساسية غابت، وعلى رأسها “حزب الله – العراق” و”النجباء” و”سيد الشهداء”.

 رغم هذا الغياب، يمكن بشكل أساسي تحديد أهداف الهجوم الأخير على مطار أربيل، من خلال بعض المواقف التي صدرت مؤخراً عن هذه المجموعات، فقد أصدرت ما تسمى “الهيئة التنسيقية لفصائل المقاومة العراقية”، وهي تجمع يضم كافة الفصائل المسلحة التي تتخذ من “ولاية الفقيه”، مرجعاً أساسياً لعملها، بياناً في مارس الماضي، أكدت عودة عمليات استهداف الوجود العسكري الأمريكي في كافة الأراضي العراقية، وقد تم تعزيز هذا المعنى عبر تصريح أصدره أوائل الشهر الجاري، المتحدث باسم “حزب الله – العراق”، قال فيه أن الشعب العراقي حسم قراره بإنهاء تواجد القوات الأمريكية على الأراضي العراقية.

وهنا أشير إلى أنه منذ مطلع العام الحالي، تم تنفيذ نحو 21 هجوما على الأرتال والتمركزات الأمريكية، وتضمنت هذه الهجمات تصاعدا ملحوظا للهجمات بالعبوات الناسفة على القوافل العسكرية الأمريكية، نفذ اغلبها فصيل “أهل الكهف”، بجانب فصيل جديد يسمى “السابقون”.

 بشكل عام يمكن اعتبار أكتوبر 2019، نقطة بداية الهجمات الصاروخية التي استهدفت الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وكان لكردستان العراق نصيب مهم من هذه الهجمات، مثل الهجوم الذي تم أواخر ديسمبر 2019 على قاعدة “كي-1” العسكرية في مدينة كركوك.

الأهداف الأساسية وراء جولة التصعيد الحالية في العراق

يمكن اعتبار مسألة الوجود الأمريكي الحالي في العراق، والحوار الاستراتيجي الدائر حالياً بين بغداد وواشنطن، بمثابة هدفين أساسيين لهجوم مطار أربيل، فقد أصدرت عدة فصائل شيعية عراقية خلال الأسابيع الماضية بيانات حادة تنتقد الوضع الحالي للحوار الاستراتيجي في جولته الثالثة، ومن أمثلة هذه البيانات بيان أصدرته هذا الشهر، “الهيئة التنسيقية لفصائل المقاومة العراقية”، وانتقدت فيه بشكل واضح مجريات الجولة الحالية من الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، وطالبت بتعديل الوفد العراقي المشارك فيه، وكذا تحديد سقوف زمنية لهذه الجولة ولتنفيذ ما سينتج عنها من اتفاقات، وذلك على قاعدة إنهاء الوجود العسكري الأجنبي على الأراضي العراقية.

في هذا السياق تحاول الفصائل الموالية لإيران التأثير على القرارات التي سيتم اتخاذها في نهاية هذا الحوار، والتي تتعلق بشكل رئيسي بمستقبل وحجم التواجد العسكري الأمريكي في العراق، وهي مسألة تبدو حيوية بالنسبة لطهران، التي ترغب بشكل واضح في إنهاء أي نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية في بغداد، خاصة أن حلف الناتو أتخذ في فبراير الماضي، قراراً بمضاعفة اعداد مستشاريه العاملين على الأراضي العراقية.

 هجوم أربيل يعد أيضاً رسالة شديدة اللهجة من جانب طهران والفصائل الموالية لها لحكومة كردستان العراق، وهي رسالة متعددة الأوجه، الوجه الأول فيها يتعلق بالعلاقة بين هذه الحكومة والولايات المتحدة، فطهران تراقب منذ سنوات تدفق الدعم التسليحي والتدريبي الدولي على كردستان العراق، وتنظر بريبة شديدة للعلاقات الوثيقة على المستوى الأمني والعسكري بين سلطات الإقليم والولايات المتحدة، خاصة أن هذه العلاقات تتضمن تواجد دائم لما بين 1500 و2500 عسكري أمريكي على أراضي الإقليم، خاصة في مطار أربيل، وهذه العلاقة يُنظر لها من جانب طهران، ومن جانب بعض الأطراف في بغداد، على أنها محاولة التفافية من جانب واشنطن للتواجد الدائم في العراق.

الوجه السياسي لهذه الرسالة يتعلق بشكل رئيسي بالضغط على أقليم كردستان لتقديم تنازلات في إطار المفاوضات الجارية بينه وبين الحكومة المركزية في بغداد بشأن عدة ملفات مشتركة، على رأسها ملف توزيع عائدات النفط، وهذه الزاوية يمكن من خلالها فهم الاتهامات الكردية الفورية للحشد الشعبي، بالمسؤولية عن هجوم أربيل، وهي اتهامات صدرت من مستويات قيادية رفيعة في الإقليم. يضاف إلى هذه النقطة، ما يتعلق بالوضع السياسي الداخلي في العراق، الذي يشهد خلال الأشهر المقبلة انتخابات برلمانية مفصلية، تمت المصادقة على موعدها منذ أيام قليلة.

الرسائل الأمنية والعسكرية من هجوم أربيل

بنظرة أوسع للمشهد الأمني والعسكري في العراق، نجد أن الإيحاء بأن هذا المشهد قابل للتفجير في أي وقت، كان من أهداف هجوم أربيل، خاصة أنه في اليوم التالي مباشرة لهذا الهجوم، تم تفجير سيارة مفخخة في سوق تجاري بحي الصدر شرقي العاصمة بغداد، وفي الأيام الماضية حدثت عدة حوادث امنية لافتة، منها محاولة لاغتيال مساعد مدير الاستخبارات العسكرية العراقية جنوبي العاصمة. 

وإذا أضفنا إلى ذلك تعدد الميليشيات والفصائل المسلحة الموجودة على الساحة العراقية، وظهور أعداد جديدة منها بشكل منتظم، وقيام بعضها بتحركات ميدانية في بعض شوارع المدن العراقية، نستطيع أن نصل إلى نتيجة مفادها أن سلطة الحكومة المركزية في بغداد ستواجه تحديات ميدانية كبيرة في حالة من إذا استمر الوضع القائم، او تفاقم بفعل عدم تحقق المطالب التي تطالب بها هذه الفصائل.

تركيا كان لها نصيب من هذه الرسائل، فقاعدتها الواقعة في منطقة “جبل بعشيقة”، تعرضت كما أسلفنا لهجوم متزامن مع الهجوم على مطار أربيل، أدى إلى مقتل جندي تركي، وهذا الهجوم يطرح ملف التواجد التركي في شمال العراق مرة أخرى، وتنبع أهميته من أن الفصائل العراقية الموالية لإيران باتت تعتبر التواجد التركي مماثلاً للوجود الأمريكي، وبالتالي ستبدأ في استهدافه خلال الفترات المقبلة.

 وهذا المعنى عبر عنه بوضوح قيس الخزعلي، الأمين العام لتجمع “عصائب اهل الحق”، حيث اكد خلال مقابلة تلفزيونية مؤخراً، أن الأتراك ليست لديهم اية نوايا للانسحاب من مواقعهم الحالية في شمال العراق، واعتبر تواجدهم في العراق أخطر من التواجد الأمريكي.

                                          “خلاصة القول”

 من الجائز جداً اعتبار هجوم أربيل جزءاً من الصراع الإيراني – الأمريكي في المنطقة، ولكن من الخطأ بمكان قصر تحليل هذا الهجوم على هذه الزاوية، لإن مؤشرات ونتائج هذا الهجوم تختلف بشكل كبير عن كافة الهجمات السابقة. 

على ما يبدو سيتأخر الرد الأمريكي على هذا الهجوم، أو على الأقل هذا ما يمكن فهمه من ردود الفعل الأمريكية التي أعقبته، سواء من وزير الخارجية أنتوني بلينكن أو وزير الدفاع لويد أوستن، وهذا يمكن فهمه في ظل السعي الأمريكي لإنجاح المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، وهي مفاوضات لا يجب استبعاد صلتها بهجوم أربيل، على الأقل من زاوية الضغط الإيراني على الولايات المتحدة لرفع العقوبات المفروضة على طهران، لكن الأكيد ان الساحة العراقية ستشهد خلال الأيام المقبلة أحداثاً مهمة على المستوى الأمني، قد تتداخل فيها أدوار اقليمية أخرى، مثل الدور الإسرائيلي، الذي تريد طهران على ما يبدو إدخاله في المعادلة، بعد إعلان وسائل إعلامها – بشكل مثير للجدل وغير موثق – بعد يوم من هجوم “نطنز”، عن استهداف مركز للتنصت والتجسس تابع للموساد الإسرائيلي في شمال العراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى