القضية الفلسطينيةإسرائيل

الهروب للأمام … خيارات تل أبيب العسكرية بين نيران غزة ولهيب الجليل

تتصاعد بشكل مستمر ولافت، التلويح الإسرائيلي بقرب بدء عملية عسكرية واسعة في الأراضي اللبنانية، خاصة بعد تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي بشأن قرب اتخاذ “قرارات حاسمة” حيال الوضع على الحدود مع لبنان. حقيقة الأمر أنه يمكن اعتبار هدف نقل القتال إلى جبهة لبنان، والتعامل بشكل فعال مع التهديدات التي يمثلها حزب الله انطلاقاً من جنوب لبنان، بمثابة احد الأهداف الأساسية في هذه المرحلة بالنسبة لإسرائيل، خاصة أن وضعاً مماثلاً تكون سابقاً في ثمانينيات القرن الماضي، وأدى إلى تنفيذ الجيش الإسرائيلي عملية اجتياح شاملة لجنوب لبنان – ثم بيروت – عام 1982، لكن في الوقت ذاته، لا يمكن اعتبار كلا الوضعين متماثلين، بالنظر إلى جملة من العوامل.

العامل الأهم من هذه العوامل، يمكن في ارتباط أي تصعيد “واسع النطاق” في لبنان، بالموقف الحالي في جبهة قطاع غزة، ومدى إيجابية هذا الوضع او سلبيته بالنسبة للجيش الإسرائيلي، وهو عامل اساسي تضعه المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية كافة في الحسبان، مع دخول العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة شهرها التاسع، وهو ما يرتبط بشكل وثيق باستمرار حالة “الاستنفار الدائم” على كافة الجبهات المحيطة بإسرائيل، بشكل أصبح مسألة مؤرقة ومقلقة بالنسبة للمخطط العسكري الإسرائيلي، نظراً لما يمثله هذا الوضع من ضغط بشكل متزايد على الوحدات القتالية العاملة حالياً، والتي تشير التقديرات الحالية إلى ان قوامها يتألف من نحو 40 ألف جندي، خمسة عشر ألف منهم يتواجدون شمال وجنوب قطاع غزة، في حين تتوزع الأعداد الباقية بين الجبهة الشمالية مع لبنان وجبهة الضفة الغربية، يضاف إليهم ما يناهز 26 ألف جندي احتياطي، تم تجنيدهم خلال الفترات الماضية، وينتشر القسم الأكبر منهم في الضفة الغربية، بجانب لواء واحد يتواجد في محور نتساريم.

جبهة رفح ومآلات الوضع في قطاع غزة

بالنظر لما سبق، يجب النظر بشكل فاحص للموقف الميداني والعملياتي الإسرائيلي في جبهات قطاع غزة، حيث تتركز العمليات العسكرية في التوقيت الحالي على جبهتين هما الجبهة الجنوبية والجبهة الوسطى. في الجبهة الجنوبية للقطاع “مدينة رفح”، تعمل خمسة ألوية تحت أمرة الفرقة 162، وهي اللواء المدرع 401، ولواء القوات الخاصة 89، ولواء المشاة الميكانيكي 84 “جفعاتي”، وكتائب تابعة للواء المشاة 12 “النقب”، وكتائب تابعة للواء المشاة 933 “ناحال”، في حين يعمل في الجبهة الوسطى حالياً لوائين هما اللواء المدرع 679 ولواء المشاة الثاني “كرملي”، بعد أن تم سحب لواء المظليين الخامس والثلاثين من داخل المحور منذ أيام، ليصبح مجموع الألوية العاملة في قطاع غزة حالياً سبعة ألوية.

بطبيعة الحال تركز القوات الإسرائيلية حالياً في عملياتها بقطاع غزة على تأمين كامل محور “فيلادلفي” الموازي للحدود مع مصر، والذي تمكنت من الوصول إلى آخر نقطة فيه منذ أيام، في منطقة “القرية السويدية” المطلة على الساحل. يضاف إلى ذلك استمرار عمليات التقدم الفرعية من نقطة الهجوم الأساسية في منطقة تل زعرب، نحو الشرق في اتجاه مخيم يبنا، ونحو الشمال في اتجاه مركز مدينة رفح، ويلاحظ هنا أن القوات الإسرائيلية قد تراجعت خلال الأيام الماضية، من مناطق عدة في رفح، بما في ذلك حي تل السلطان، وأحياء الجنينة والسلام.

ويشير الوضع العام لجبهة القتال في مدينة رفح، إلى أن القوات الإسرائيلية تحاول تركيز تحركاتها الهجومية داخل شبه مثلث يحده من الغرب طريق صلاح الدين، ومن الجنوب محور فيلادلفي، ومن الشمال شارع طه حسين. التركيز الأكبر على المستوى المرحلي منصب بشكل أساسي في تأمين المناطق القريبة من القسم الغربي من محور فيلادلفيا “، وهو ما يقتضي السيطرة على نقاط في عمق منطقة المخيمات ومركز مدينة رفح، وهذا كله بهدف خلال منطقة أمنة مماثلة للمناطق المتواجدة أمام محور فيلادلفي في المناطق التي تقع بين بوابة صلاح الدين ومعبر رفح، ومن ثم تأمين تواجد دائم في محور فيلادلفي، بقوام يتراوح بين 3 و 6 مواقع عسكرية اساسية، على نفس النسق الذي تم في محور نتساريم.

في الجبهة الوسطى لقطاع غزة، أنهت القوات الإسرائيلية عمليات عسكرية أستمرت لمدة أسبوع في نطاق شرق المخيمات الوسطى، وعمل خلالها لواء المشاة الميكانيكي النظامي 900 “كفير”، في نطاق شرق مدينة دير البلح، بشكل موازي لتحركات مماثلة من اللواء المدرع السابع، في اتجاه مناطق شرق مخيم البريج، وهو تطبيق بات متكرراً لتكتيك “الأغارات المحدودة”، الذي نفذته القوات الإسرائيلية سابقاً في مناطق عدة بقطاع غزة، خاصة في حي الزيتون ومخيم البريج بالجبهة الشمالية للقطاع، وقد أصبح واضحاً – على المستوى التكتيكي – أن الجيش الإسرائيلي لا يستهدف السيطرة الميدانية وكسب الأرض، لكنه يستهدف تمهيد الطرق من أجل فتح محاور رئيسية، يمكن من خلالها تقسيم قطاع غزة إلى مناطق معزولة – على نفس النسق الذي تم من خلاله عزل شمال قطاع غزة عبر محوري زيكيم ونتساريم، وهو التكتيك الذي اعتمدته القوات الإسرائيلية نتيجة عوامل عدة من بينها طول أمد العمليات القتالية في قطاع غزة، وعدم كفاية القوات الموجودة في الخدمة حالياً لتنفيذ عملية سيطرة كاملة على الأرض في القطاع.

 النقطة الأبرز في هذا الصدد، تتعلق باستمرار وجود قوام قتالي كبير لدى الفصائل الفلسطينية، رغم أشهر القتال الطويلة، حيث تشير التقديرات الإسرائيلية الأخيرة، إلى أن حركة حماس قد أعادت بناء ثلاث كتائب في مخيم جباليا قبل بدء العملية العسكرية الأخيرة هناك، وهذا أكبر بكثير من التقديرات السابقة التي كانت تقول إن ما تم إعادة تشكيله هو كتيبة واحدة فقط، وبالتالي هذا يشير إلى أن كتائب القسام قد أعادت بناء قدراتها على نسق أسرع مما كان متوقعًا. ووفقاً لهذه التقديرات، كانت كتائب القسام قد أعادت تشكيل كتيبة “سهيل زيادة” وكتيبة “خليفة” وكتيبة عماد عقل، والكتائب الثلاث تعمل في جباليا وبيت لاهيا، وقد انهت القوات الإسرائيلية عملياتها في المخيم، دون أن تلحق اضراراً معتبرة سوى بالكتيبة الأولى فقط.

يضاف إلى ذلك، وجود كتائب فلسطينية في مناطق أخرى، يحتمل أن يكون قد تم إعادة تشكيلها بالفعل، خاصة في مخيم الشاطئ، ومناطق غرب خان يونس، بجانب الكتائب الست التي تشير التقديرات الإسرائيلية الأساسية، إلى انها مازالت محتفظة بقوامها الأساسي، بواقع أربعة كتائب في رفح، واثنتين في المنطقة الوسطى، ففي رفح توجد كتائب شرق رفح ويبنا والشابورة وتل السلطان، في حين توجد في وسط القطاع كتيبة دير البلح وكتيبة النصيرات، ومن هذا التقدير يمكن القول أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة عموماً، وفي رفح خاصة، ستستمر على النسق الحالي بشكل يجعل لها الأولوية الأساسية في التحركات العسكرية الإسرائيلية، في المدى المنظور.

حيث يتوقع ان يدفع الجيش الإسرائيلي، بوحدات اضافية إلى جبهة رفح، قد يبلغ قوامها لوائين إضافيين، ينضمان إلى الألوية الخمسة المتواجدة حالياً في هذه الجبهة، بهدف توسيع العمليات نحو المناطق الداخلية في مدينة رفح، وتحديداً حي تل السلطان وحي رفح الغربية، وتأمين المنطقة العازلة التي شرع في تشكيلها على القطاع الفاصل بين رفح الفلسطينية والحدود المصرية، والتي أظهرت صور الأقمار الصناعية، أن عمليات تمهيد الأراضي وتفجير المنازل فيها من أجل هذا الغرض، قد وصلت إلى المناطق القريبة من بوابة صلاح الدين. يجدر بالذكر هنا ان عملية التعزيز المتوقعة هذه، تستهدف أيضاً مساعدة القوات المتواجدة حالياً في محور فلاديلفي على تأمين كافة مناطق المحور، نظراً لأن هذه القوات باتت تقف على كامل الجانب الجنوبي من مدينة رفح، وبالتالي ستكون معرضة بشكل دائم لعمليات فلسطينية على طول هذه الجبهة.

الجبهة اللبنانية وضغوط داخلية وخارجية متزايدة على الجيش الإسرائيلي

بشكل عام، لوحظ تصاعد حاد في كم ونوع العمليات التي ينفذها حزب الله في اتجاه المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلي في الجولان السوري المحتل ومزارع شبعا اللبنانية المحتلة، والمناطق الواقعة في الجليل، وقد نشر ذكر مركز “علما” البحثي الإسرائيلي، اوائل الشهر الجاري، احصائيات لافتة اشارت إلى أنّ شهر مايو الماضي، يعد الشهر الأكثر كثافة لهجمات حزب الله على الجبهة الشمالية منذ أكتوبر الماضي، وأفادت هذه الإحصائيات بما يلي:

  • نفذ الحزب خلال كامل أيام شهر مايو الماضي، ما مجموعه 325 هجوماً، بمتوسط يومي بلغ 10 هجمات، وهو متوسط مرتفع مقارنة بشهر أبريل الماضي، الذي تم خلاله تنفيذ ما مجموعه 238 هجوم، بمعدل 7.8 هجمة في اليوم.
  • على المستوى التسليحي، أشار تقرير المركز إلى زيادة كبيرة في استخدام الصواريخ المضادة للدروع والطائرات من دون طيار خلال شهر مايو الماضي، مقارنة بشهر أبريل، حيث أطلق حزب الله خلال شهر مايو ما مجموعه 95 صاروخ مضاد للدروع، مقابل 45 صاروخ مضاد للدروع تم إطلاقها خلال شهر أبريل الماضي. أما الطائرات بدون طيار، فتم خلال شهر مايو الماضي، إطلاق 85 طائرة مسيرة، مقارنة بإطلاق 42 طائرة خلال شهر أبريل الماضي.
  • أظهر تتبع عمليات إطلاق الطائرات المسيرة التابعة لحزب الله، زيادة مطردة في معدلاتها خلال شهر مايو الماضي، وقد طرأت زيادة على هذه العمليات في شهر مايو، بمعدل يصل إلى 12 ضعف معدلات إطلاق الطائرات بدون طيار خلال شهر فبراير الماضي.
  • شهدت عمليات أطلاق الصواريخ حرة التوجيه والمدفعية الصاروخية، ارتفاعاً خلال شهر مايو الماضي، وبلغ عددها الإجمالي 139 عملية، مقارنة بـ 128 عملية إطلاق خلال شهر أبريل الماضي.

وقد تزامن عرض هذا التقرير مع إعلان حزب الله انه قد نفذ ما مجموعه 2000 عملية متنوعة، منذ السابع من أكتوبر 2023، وحتي نهاية مايو 2024، لكن النقطة اللافتة والأساسية في هذا الصدد، تتعلق بالزيادة المطردة في عمليات الحزب على الجبهة الشمالية لإسرائيل، وهي زيادة بدأت على مستوى الكم والنوع بشكل تدريجي منذ يناير الماضي، ويتمثل هذا في النقاط التالية:

1- الزيادة الواضحة في كثافة القصف الصاروخي: حيث أصبحت عمليات القصف تتم على شكل صليات كثيفة تتراوح بين 20 و70 صاروخ، ولم يعد الاعتماد في هذه العمليات مقتصراً على صواريخ راجمات المدفعية الصاروخية قصيرة المدى، بل باتت عمليات القصف تعتمد على صواريخ ثقيلة من نوع “بركان”، تصل زنتها الإجمالية إلى نصف طن، ونفذت استهدافات ناجحة في المستوطنات القريبة من الحدود، مثل مستوطنة “كريات شمونة”.

2- زيادة مطردة في دقة ومدى عمليات الاستهداف التي ينفذها حزب الله: وشمولها مواقع قيادة عسكرية ومصانع للعتاد العسكري، بجانب زيادة عمق هذه الضربات ليصل إلى 35 كيلو متر، بقصف قاعدة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي الشهر الماضي، في منطقة مفرق الجولاني غرب بحيرة طبريا. كذلك طرأ تطور مهم على نوعية المناطق المستهدفة، حيث شملت عمليات القصف الصاروخي للمرة الأولى الشهر الماضي، مناطق في الجليل الغربي، حيث أصيبت بلدة “بن مناحيم” بصاروخين مضادين للدبابات، وبهذا دخلت مناطق جديدة ومستوطنات لم يتم اخلاؤها، في دائرة الإنذار شمال إسرائيل، ما حدا بقيادة المنطقة الشمالية، إلى إعلان أن الطريق الساحلي من مستوطنة ليمان وحتى رأس الناقورة، باتت منطقة عسكرية يمنع دخولها. يضاف إلى هذا بدء حزب الله في استخدام عدة نسخ من صواريخ “الماس” الإيرانية الموجهة تلفزيونياً، وذلك بداية من يناير الماضي، وكانت أول عملية من هذا النوع، استهداف ناجح لقبة رادار إسرائيلية في موقع “جل العلام” العسكري، علماً ان النسخة الأحدث من هذا الصاروخ “الماس-4″، استخدمها الحزب مؤخراً للمرة الأولى.

3- بدء الاقتراب بعناصر المشاة إلى خط الحدود: لوحظ الشهر الماضي بدء تنفيذ عمليات قريبة من الحدود من جانب حزب الله، يتم استخدام عناصر مشاة فيها، تقوم بالاقتراب إلى حد كبير من الشريط الحدودي بين لبنان واسرائيل، كما حدث في أحدى الهجمات على مستوطنة “راميا”، والذي نشر الحزب تسجيلاً مصوراً حوله، ظهر فيه مشاركة عناصر من المشاة، في إطلاق النار بشكل مباشر على المستوطنة.

4- نقل عمليات استهداف الوسائط الاستطلاعية الإسرائيلية إلى مستوى جديد: يلاحظ انتقال محاولات حزب الله لتعمية قدرات المراقبة لدى الجيش الإسرائيلي، إلى مستويات جديدة، حيث قام سابقاً في عدة مناسبات بإطلاق عدد كبير من الصواريخ، على قاعدة المراقبة الجوية في جبل ميرون، وفي الوقت نفسه، يداوم على استهداف أنظمة المراقبة والتصوير والرصد في المستوطنات والمواقع العسكرية الحدودية، لكن كانت النقلة المهمة في هذا الصدد، تكثيف استهداف أنظمة المراقبة الجوية “مناطيد – مسيرات”، وهو تكتيك مكلف على المستوى الإسرائيلي، خاصة أن احدى العمليات قد أسفرت عن إسقاط منطاد تجسس إسرائيلي باهظ التكلفة من نوع “سكاي ديو” بين منطقتي رميش وعين أبل جنوب لبنان، بجانب استهداف محطة التحكم الخاصة به في مستوطنة أدميت بالصواريخ، وهو ما اعترف به الجانب الإسرائيلي، ما أسفر عن مقتل شخص واصابة خمسة جنود.

5- تكثيف استهداف مناطق بعينها في شمال إسرائيل: يمكن القول أن الشهر المنصرم شهد تكثيفاً هو الأكبر لنيران حزب الله، حيث تم استهداف مناطق بعينها عشرات المرات بالصواريخ، مثل مستوطنة كريات شمونة “70 صلية صاروخية”، ومستوطنة بيت هيلل “54 صلية صاروخية”، وكذا شمول المواقع العسكرية الميدانية والقيادية في هذه الضربات، وهو ما يمكن اعتباره ايضاً مؤشراً على زيادة دقة الإصابات، ومن أمثلة هذا استهداف مواقع عسكرية أساسية مثل المقرات العسكرية في مستوطنة كريات شمونة مثل مقر اللواء 769 وموقع “غيبور”، بجانب مقر الفرقة 91 في مستوطنة برانيت، ومقر قيادة كتيبة ‏المدفعية 411 في منطقة “جعتون”. يضاف إلى ذلك إدخال حزب الله تكتيك إضافي في عملياته نحو الجولان ومناطق الجليل، يرتبط بشكل أساسي باستهداف مناطق الأحراش والغابات، لإشعال حرائق كبيرة تستنزف طواقم الإطفاء الإسرائيلية وتحدث أثر نفسي مضاعف، وقد نجح خلال الأيام القليلة الماضية من إشعال حرائق ضخمة في محيط عدة مستوطنات الجليل الأعلى والجولان، مثل كريات شمونة وجبل بيريا وكيرن نفتالي.

6- استخدام مكثف وفعال للمسيرات الانتحارية: تحول استخدام حزب الله للطائرات المسيرة، ليصبح مرتكزاً على عدة طرق، حيث لم يعد استخدامها مقتصراً على العمليات الاستطلاعية، بل باتت تشمل العمليات الهجومية وبعدة طرق. فمن جهة استخدم الحزب المسيرات الانتحارية بشكل ناجح، وحقق بها خسائر مهمة على الجانب العسكري الإسرائيلي، خاصة في ظل تكرار فشل المقاتلات والدفاعات الجوية الإسرائيلية في اعتراض هذه المسيرات، ومن امثلة هذا الهجوم الذي تعرضت له منصة تابعة لمنظومة القبة الحديدية في منطقة “الزاعورة” شمال الجولان، وأصيبت خلالها بطائرتين مسيرتين فشلت الدفاعات الجوية في اعتراضهما. كما أن حزب الله استخدم المسيرات في تنفيذ الهجمات الأعمق في شمال إسرائيل، وعلى رأسها هجوم الشهر الماضي، على القاعدة العسكرية الإسرائيلية في منطقة مفرق الجولاني غرب بحيرة طبريا، والتي تم استهدافها بطائرتين مسيرتين، تم إسقاط إحداهما في حين أصابت الأخرى الهدف.

– من التطورات اللافتة في هذا الإطار الهجومي، استخدام حزب الله ميدانياً للمرة الأولى الشهر الماضي، طائرات مسيرة “مسلحة بالصواريخ”، حيث نفذ هجوماً بطائرة مسيرة على مستوطنة المطلة، كانت تحمل صاروخين من فئة الصواريخ السوفيتية حرة التوجيه “S5″، وهي خاصة براجمات الصواريخ التي تحملها المروحيات القتالية والقاذفات السوفيتية، وهو تطور مهم إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الطائرة بعد إطلاقها الصاروخين، انطلقت نحو الهدف لتنفجر فيه، لتصبح هذه الغارة التي اعترفت بها إسرائيل، أول غارة جوية تتعرض لها الأراضي الإسرائيلية منذ عام 1973.

7- الاستخدام الناجح لوسائط الدفاع الجوي: يلاحظ اضطرار سلاح الجو الإسرائيلي، إلى جعل أغلب العمليات الجوية التابعة له في أجواء جنوب لبنان، تتم خلال فترات الليل، وذلك تلبية لعدة متطلبات ميدانية، أهمها تفادي التعرض لتهديدات من الدفاعات الجوية التابعة لحزب الله، بعد أن لوحظ تصاعد استخدامها بشكل فعال خلال الفترة الأخيرة، وصولاً إلى إسقاط طائرة مسيرة من نوع “هيرميس-900 مؤخراً، وهي خامس طائرة مسيرة يسقطها حزب الله منذ السابع من أكتوبر الماضي، بواقع ثلاث طائرات من نوع “هيرميس-900” وطائرتين من نوع “هيرميس-450”. كما ان الدفاعات الجوية للحزب بدأت في محاولة استهداف المقاتلات الإسرائيلية خلال تواجدها في الأجواء اللبنانية.

خيارات صعبة للجيش الإسرائيلي بين جبهتين

على الرغم من تنفيذ إسرائيل ضربات جوية ومدفعية مستمرة على مواقع حزب الله والقرى اللبنانية في كامل النطاق الجنوبي للبنان، وصولاً إلى عمق شرق الأراضي اللبنانية في مدينتي بعلبك والهرمل، وهي ضربات أدت إلى مقتل عشرات من مقاتلي حزب الله، بمن فيهم كوادر قيادية أساسية، أخرهم كان طالب سامي عبد الله، الذي قتل مع أربعة قادة ميدانيين في الحزب، خلال غارة جوية اسرائيلية على بلدة “جويا”، وهو القائد الميداني الأكبر الذي يتم قتله من جانب اسرائيل خلال المواجهات الحالية، حيث يتولى قيادة وحدة “النصر”، التي يتفرع منها أربعة وحدات فرعية تتولى إدارة العمليات في المناطق الحدودية، علماً انه سبق وقتلت إسرائيل قائد وحدة “الساحل – صور”، وقائد وحدة “الحجر”، في غارات جوية سابقة.

رغم هذا المجهود الجوي والمدفعي المكثف، الا ان وتيرة عمليات حزب الله – كما سبق ذكره – تصاعدت بشكل متسارع، ما تسبب في تثبيت ثلاثة ألوية إسرائيلية، هي الألوية 511 و36 و188 في هذا النطاق، وهو ما خلق معضلة ترتبط بطول الفترة التي يتواجد فيها جنود هذه الألوية في حالة استنفار دائمة، وهي معضلة تشمل حتى جبهات التواجد العسكري الأخرى، حيث تحاول القيادة العسكرية الإسرائيلية في الوقت الحالي، إيجاد حلول لمشكلة استمرار تواجد قوات احتياطية في قطاع غزة، تقاتل منذ عدة اشهر، خاصة اللوائين المتواجدين حالياً في محور نتساريم، ولواء “النقب” الموجود في جبهة رفح، وستبقى معضلة عدم وجود الويه بديلة جاهزة لإحلال أي وحدة احتياط تم الدفع بها في الجبهة الشمالية أو الجبهة الجنوبية قائمة، حيث تزايدت شكاوي قادة الكتائب والألوية، حول ارتفاع معدلات الحضور، والاستنزاف المتزايد بين جنود الاحتياط والعائلات، وتأثيرات ذلك على سوق العمل في الداخل الإسرائيلي، وكذلك على تراجع معدلات الاستجابة لدعوات استدعاء الاحتياط، علماً ان حذر رئيس الأركان الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، قد حذر منذ أيام في رسالة وجهها للقيادة السياسية في إسرائيل، بأن الجيش بحاجة إلى 15 كتيبة جديدة، بحجم فرقة عسكرية تضم 4500 جندي حتى يتمكن من القيام بمهامه على عدة جبهات، وأشار إلى أن العمل يجري حاليا على حل مؤقت من خلال إنشاء 5 كتائب تتألف من جنود سبق أن تم إعفاؤهم من الخدمة.

هذا الوضع يضاف إلى معضلات أخرى، منها الاستنزاف اليومي لجهد ومعدات وحدات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي قامت في مرات عدة بإطلاق صواريخ اعتراضية على أهداف اتضح انها غير موجودة، وفي بعض الأحيان كانت هذه الأهداف مسيرات اسرائيلية وليست معادية، بجانب تصاعد الغضب في سكان المستوطنات الشمالية نتيجة استمرار تعرض هذه المناطق لصواريخ حزب الله، وتأثر الأنشطة الاقتصادية في هذه المناطق بشكل كبير، وهو ما يمكن فهمه بشكل أكبر من خلال التوجهات التي أعلن عنها مؤخراً مجلس مستوطنة مرغليوت، وقال بموجبها انه يجب على الجيش الإسرائيلي سحب قواته من المستوطنة، وأنّ غرفة العمليات العسكرية في المستوطنة ستغلق،  وهي حالة قد تتفشى في مستوطنات أخرى في حالة ما إذا استمر الوضع الحالي في الجبهة الشمالية.  وقد عزز هذا التوجه، الإحصائيات التي نشرتها “إدارة أفق الشمال” التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، والتي تم من خلالها إجمال الخسائر التي لحقت بمستوطنات الشمال جراء أنشطة حزب الله، وتضمنت تسجيل 930 تقريرًا بشأن الأضرار في 86 مستوطنة في شمال إسرائيل.

على جانب آخر، تسبب الضغط الملحوظ من جانب حزب الله خلال الشهر الماضي، في تأجيل خطوة كانت قيادة الجبهة الداخلية تعتزم القيام بها في شمال اسرائيل، لتقليل عدد أعضاء فرق الأمن المدنية المحلية في مستوطنات هذا النطاق غير الملاصقة للحدود مع لبنان، والذين تم تجنيدهم ضمن الخدمات الاحتياطية خلال الفترات الماضية، حيث قررت القيادة أن تظل الفرق الأمنية في البلدات التي تم إخلاؤها، على بعد بضعة كيلومترات من الحدود اللبنانية، دون تغيير خلال الأسابيع المقبلة، وهو قرار كان السبب الرئيسي فيه دخول مناطق الجليل الغربي في معادلة القصف الصاروخي لحزب الله.

وعلى الرغم من وجاهة الربط بين القرار الذي صدر مؤخراً، بزيادة عدد جنود الاحتياط المسموح للجيش الإسرائيلي باستدعائهم في حالة الحاجة من 300 ألف إلى 350 ألف جندي، وبين تدهور الأوضاع في الجبهة الشمالية مع لبنان، إلا أن هذا القرار يرتبط ايضاً بالتطورات المحتملة في عمليات جبهة رفح، التي ستحتاج في حالة توسيعها إلى تجنيد قوات إضافية. ففي المرحلة السابقة، استدعى الجيش الإسرائيلي ما مجموعه 287 ألف جندي احتياط، تم تسريح أغلبهم خلال الأشهر الماضية، وكان هذا أكبر استدعاء لجنود الاحتياط في تاريخ إسرائيل، علماً أنه عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر مباشرة، تم رفع الحد الأقصى الذي يمكن تجنيده من عناصر الاحتياط إلى 360 ألف، ثم تم تخفيضه إلى 300 ألف فقط.

مما سبق، يمكن القول إن مسألة حجم القوات المتوفرة، والوضع الحالي لجبهة رفح، يعتبران عاملاً أساسياً في تحديد شكل ومستوى أي عمليات إسرائيلية محتملة في لبنان، تحت تقدير أساسي مفاده أن الأولوية كانت وستبقى للعمليات في قطاع غزة، رغم وجود رغبة إسرائيلية في نقل الزخم القتالي نحو الحدود مع لبنان، لدوافع سياسية وداخلية وأمنية محضة، فرضها تدهور الوضع بشكل مستمر في معظم مناطق الجليل. تشير بعض التقديرات إلى وجود نوايا وخطط لبدء عملية عسكرية في اتجاه نهر الليطاني خلال شهرين او ثلاثة، عبر الدفع بـ 12 لواء قتالي ضمن ثلاثة فرقة هي الفرقة 146 والفرقة 36 والفرقة 98، علماً ان الجبهة الشمالية حالياً لا يتمركز بها سوى كتائب تابعة لثلاثة ألوية فقط. هذه التقديرات تضع في اعتبارها سحب الألوية المقاتلة حالياً في جبهة رفح، واستبدالها بوحدات احتياط، وهو شرط أساسي من دونه لن تتمكن اسرائيل من حشد القوات اللازمة لتنفيذ عملية اجتياح كبيرة، وهي عملية يقف أمامها بشكل كامل الرفض الأمريكي للتصعيد في لبنان، وحقيقة أن جولة القتال مع حزب الله ستكون – بالنظر إلى المعطيات الحالية – أكثر ضراوة من كل ما شهده الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، خاصة في حالة دخول الهجمات القادمة من العراق واليمن إلى مراحل جديدة.

في الخلاصة، يبقى احتمال بقاء الوضع القائم على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية هو الأقرب، والتركيز في المدى المنظور على إنهاء العمليات في قطاع غزة بشكل يلبي ” الأهداف العسكرية المرحلية”. الاحتمال الثاني الذي يتضمن شن القوات الجوية الإسرائيلية، حملة قصف مركزة تشمل مناطق أكثر عمقاً في لبنان، ربما تشمل أجزاء من العاصمة بيروت – خاصة الضاحية الجنوبية – هو احتمال يحمل في طياته “تجاوباً” مع حالة الغضب الداخلية في إسرائيل، لكنه يحمل أيضاً احتمالات رد اكثر “كثافة” على المستوى الصاروخي من جانب حزب الله، في حين يأتي السيناريو الثالث “الاجتياح حتى نهر الليطاني”، كسيناريو هو الأضعف في ضوء المعطيات الحالية، وان كان غير مستبعد بشكل كلي، لأن احتفاظ حزب الله بقدرات عسكرية كبيرة على المستوى اللوجستي والبشري والتسليحي، يمثل تهديداً هو الأكبر في الوقت الحالي للجيش الإسرائيلي.

محمد منصور

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى