أفريقيا

على أبواب إنجامينا … المنعطف الأخير في تشاد

على الرغم من أن التحديات الأمنية والعسكرية والسياسية التي تواجه الأنظمة الحاكمة في دول الساحل والصحراء، خاصة فيما يتعلق بالتزايد الملحوظ في الأنشطة الإرهابية للجماعات المعارضة والأصولية، إلا أنه بدا أن الجميع في هذه المنطقة -وربما في معظم أنحاء العالم- تفاجأوا -وربما اندهشوا أيضًا- من مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي، ليس فقط بسبب حدوثه في توقيت حرج، بل أيضًا بسبب ملابسات هذا الحادث، الذي فتح الباب على مصراعيه لمجموعة من التأويلات والتحليلات، التي تتناول تفاصيل الساعات الأخيرة لأحد أكثر الرؤساء الأفارقة مكوثًا في السلطة، وتتناول أيضًا مستقبل الوضع في منطقة تعد بشكل فعلي قلب القارة الأفريقية.

إرهاصات السنوات الأخيرة من حكم ديبي

تولى الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي السلطة في ديسمبر 1990، بعد إطاحته بالرئيس السابق حسين حبري ضمن انقلاب عسكري، ومنذ ذلك التاريخ أُعيد انتخابه عدة مرات، لكن بمرور السنوات عانت البلاد اقتصاديًا بشكل متصاعد، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة أن ما يقرب من نصف سكان البلاد باتوا تحت خط الفقر، ناهيك عن أن هذا البلد يتمتع بثروة نفطية معتبرة، يرى العديد من معارضي ديبي أنه أساء إدارتها منذ عام 2003، بشكل فاقم من الآثار الاقتصادية الحالية لانخفاض أسعار النفط، علمًا أن نحو 60 بالمائة من عائدات الدولة التشادية تأتي من القطاع النفطي.

يضاف إلى ذلك تزايد الفصائل المسلحة المعارضة لحكمه، وهو ما كاد يسفر عن اقتحام العاصمة في فبراير 2008. اللافت أنه من بين هذه الفصائل، جماعات مسلحة يديرها أفراد من قبيلة “الزغاوة” التي ينتمي إليها ديبي، وبعضهم أقارب مباشرين له أو أعضاء سابقين في حكوماته، مثل زعيم حركة “الوفاق من أجل التغيير” محمد مهدي علي، الذي تبوأ سابقًا مناصب رفيعة في وزارة النفط التشادية، وبجانب ابن شقيق الراحل ديبي، “تيمان إرديمي”، الذي يتزعم حركة اتحاد قوى المقاومة (UFR).

يضاف إلى ذلك التهديد الذي يمثله منذ عام 2015، وجود عناصر ما يعرف بولاية غرب إفريقيا التابعة لتنظيم داعش، ومن قبلهم عناصر جماعة “بوكو حرام”، في نطاق جزر بحيرة تشاد الواقعة على الحدود مع نيجيريا. وقد تعرضت الوحدات التشادية المنتشرة هناك إلى ضربات قوية من هذه الجماعة، منها هجوم على أحد القواعد العسكرية، تم في مارس 2020، قُتل على إثره نحو مائة جندي تشادي. 

التهديدات الأمنية تشمل أيضًا الاشتباكات الداخلية وعمليات مكافحة التهريب، حيث تشهد البلاد اشتباكات شبه دورية بين المزارعين ورعاة الأبقار في المناطق المتاخمة للحدود السودانية، خاصة منطقة “سيلا”، وتشتبك وحدات حرس الحدود التشادية مع المنقبين عن الذهب في المناطق الجبلية في إقليم “تيبستي”. 

بدأت أيضًا القلاقل السياسية في التزايد حول الراحل إدريس ديبي خلال السنوات الأخيرة، لأسباب عديدة من بينها التأجيل المستمر للانتخابات التشريعية منذ عام 2015، وكذا بعد أن قام بالإعداد لتعديلات دستورية عام 2018، حاز بموجبها على فرصة للبقاء في السلطة حتى عام 2033، وهو ما بدا ممكنًا بعد أن فاز في الانتخابات الرئاسية التي انعقدت في الحادي عشر من الشهر الجاري، بنسبة 79% من أصوات الناخبين، لكن في نفس يوم انعقاد هذه الانتخابات، حدث متغير ميداني هام، قلب المشهد الداخلي رأسًا على عقب.

نقطة التحول في ماو … على تخوم العاصمة

تمثل هذا المتغير الميداني في تحرك أرتال مسلحة تابعة لجماعة “الوفاق من أجل التغيير”، وهي جماعة متمردة أسسها المسؤول السابق في وزارة النفط التشادية محمد مهدي علي في مارس 2016، إلى الأراضي التشادية من قواعدها في الجنوب الليبي، نحو إقليم “تيبستي” الحدودي، وتمكنت هذه الأعداد التي تقدر ب 1500 مقاتل، من السيطرة على المراكز الحدودية في الإقليم، سواء على الحدود مع ليبيا أو الحدود مع النيجر، ومن ثم انقسمت هذه الأرتال إلى قسمين، الأول اتجه جنوبًا على طول الحدود مع النيجر نحو إقليم “كانم”، والثاني اتجه نحو مدينة فايا – لارجو في إقليم بوركو، على مسافة 770 كيلو متر من العاصمة.

هنا يظهر اللغز الأول من ألغاز حادثة مقتل الرئيس التشادي، فقد أعلن الجيش التشادي في السابع عشر من الشهر الجاري، أنه كان يراقب تحرك هذه الأرتال بعد دخولها الأراضي التشادية، واصطدم بها فعليًا في منطقة قرب مدينة ماو –على بعد نحو 220 كيلو متر من العاصمة- وأنه تمكن من قتل نحو 300 من مقاتلي جماعة الوفاق من أجل التغيير، وقام بعرض صور تظهر أسر العشرات منهم. لكن عقب هذا الإعلان تدهور الوضع بشكل كبير في الاتجاه العكسي، إلى أن أعلنت قيادة الجيش التشادي أن الرئيس الراحل ديبي قد توفي متأثرًا بجراح أصيب بها في التاسع عشر من الشهر الجاري، خلال قيادته للمعارك قرب مدينة ماو.

مقتل ديبي طرح جملة من التساؤلات الأساسية، على رأسها تساؤل حول سبب توجه ديبي إلى خط المواجهة، طالما أن الجيش التشادي كان مسيطرًا على الوضع الميداني، يضاف إلى ذلك تساؤل أخر حول تفاصيل مقتل ديبي، وما إذا كان قد قُتل بالفعل خلال المعارك سواء بقذيفة مدفعية أو بالرصاص، أم أن مقتله ربما يحمل أبعادًا أخرى قد تحمل بصمات داخلية أو خارجية.

غياب الدور الفرنسي عن هذه المعركة كان لافتًا أيضًا، فالجيش الفرنسي يحتفظ بقوة يقترب عددها من ستة آلاف جندي، ضمن قيادة عملية “برخان” لمكافحة الإرهاب، التي تتخذ من العاصمة التشادية مقرًا لها منذ عام 2014، وهذا يتضمن دعمًا جويًا من الطائرات الفرنسية المقاتلة، التي سبق لها مساندة قوات الجيش التشادي عدة مرات بصورة حاسمة، خاصة عامي 2008 و2019.

المجلس العسكري يتولى زمام الأمور

نظرًا لطبيعة النظام السياسي الذي رسخه الراحل إدريس ديبي خلال فترة حكمه الطويلة، كان من البديهي أن تتولى القوات المسلحة التشادية زمام السلطة، حيث تم بشكل فوري تشكيل مجلس مكون من خمسة عشر ضابطًا، تنحدر أغلبيتهم الساحقة من شمالي البلاد، ومن نفس قبيلة الرئيس الراحل، منهم رئيس الأركان أبكر عبد الكريم داود، والمدير العام للمخابرات العسكرية طاهر إردا تاورو، وعلى رأس الجميع نجل الرئيس الراحل، محمد إدريس ديبي، الذي كان يتولى منصب رئيس المديرية العامة لجهاز الأمن لمؤسسات الدولة، المعروفة اختصارًا بـ”الحرس الرئاسي”.

الإجراءات التي اتخذها المجلس فور توليه السلطة كانت منطقية، ما بين فرض حظر للتجوال، وإغلاق الأجواء والحدود البرية، وإيقاف العمل بالدستور، وحل الجمعية الوطنية، وبدء فترة انتقالية مدتها ثمانية عشر شهرًا، وعد المجلس أنها ستنتهي بعقد انتخابات تشريعية ورئاسية، علمًا أن الانتخابات التشريعية كان من المقرر أن تُجرى في أكتوبر المقبل. المعارضة الداخلية والخارجية للرئيس الراحل رأت فيما حدث، محاولة لتكريس “توريث” السلطة لنجل ديبي، وفرض صفة شرعية ودستورية على تحركات المجلس العسكري، خاصة أن الغموض مازال يلف طريقة مقتل الرئيس الراحل وملابساتها.

التحدي المباشر الذي سيواجه المجلس العسكري الجديد هو التحدي الميداني، فقد أعلنت جبهة الوفاق من أجل التغيير أنها باتت تسيطر على معظم مناطق الأقاليم الثلاثة الحدودية مع ليبيا، وهي تيبستي وبوركو وإنيدي، وأنها ترفض بشكل قاطع الإجراءات التي أعلن عنها المجلس العسكري الجديد، وعن استمرارها في القتال حتى الوصول إلى العاصمة، وهو ما يفرض وضعًا دقيقًا على المجلس العسكري، بالنظر إلى حقيقة أن المواقع الحالية لقوات جبهة الوفاق تبعد ما بين 180 و200 كيلومتر عن العاصمة. 

التحديات التي تواجه المجلس العسكري في هذا الصدد تزايدت خلال الساعات الماضية، بإعلان “المجلس العسكري لإنقاذ الجمهورية” -وهو فصيل معارض انشق عام 2016 عن جبهة الوفاق من أجل التغيير- أنه سيدخل المعركة ضد القوات الحكومية إلى جانب قوات الجبهة. هذا الفصيل كان قد سيطر حتى أغسطس عام 2019، على معسكر “كوردي بوغودي” العسكري، الواقع في المنطقة الجبلية شمالي إقليم تيبستي، إلا أنه فقد السيطرة عليه منذ ذلك التاريخ، وحاول في فبراير الماضي الهجوم عليه مجددًا، لكنه فشل في ذلك، وانسحب إلى الحدود الليبية. نجاح المجلس العسكري في إدارة المعركة المرتقبة مع هذه الفصائل، ربما سيكون هو الحد الفاصل بين استمرار الشكل الحالي للجمهورية التشادية، أو دخول البلاد في مرحلة جديدة لا تبدو ملامحها حاليًا واضحة.

التحديات الإقليمية لمرحلة ما بعد ديبي

من نافلة القول إن نقطع بحتمية ارتباط التطورات الأخيرة في تشاد، بما حدث في ليبيا منذ مطلع العام الجاري على المستويين السياسي والعسكري، فقد وجدت فصائل المعارضة التشادية التي تستوطن الجنوب الليبي أن العد التنازلي لنهاية وجودها واستقرارها في هذه المناطق قد بدأ فعليًا، ورأت أن الفرصة باتت سانحة لاستغلال الأوضاع السياسية والاقتصادية في تشاد، من أجل الوثب على السلطة، أو على الأقل استغلال الوفاة العرضية -إن افترضنا صحة هذه الفرضية- للرئيس التشادي، من أجل الحصول على مكاسب ميدانية أو سياسية. لكن التداعيات الإقليمية لما حدث في تشاد تبقى أكبر من هذا النطاق بمراحل.

فهذا الوضع يعطل بشكل مباشر عمليات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، خاصة عمليات الأمم المتحدة في شمال ووسط مالي، نظرًا لأن القوات التشادية التي تعمل في هذا النطاق، والتي تبلغ نحو 1400 جندي -وتعد من أهم القوات المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة في هذه العمليات المضادة لأنشطة جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المسلحة- بدأت منذ منتصف الشهر الجاري في الانسحاب نحو قواعدها في تشاد، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى إفساح المجال أمام هذه الجماعة، وجماعات أخرى تعمل في بوركينا فاسو ونيجيريا. 

تحقق هذا الوضع أو عدم تحققه سيكون رهنًا بمدى السرعة التي سيتمكن بها المجلس العسكري التشادي من إنهاء التحديات الأمنية الداخلية، خاصة وأن عمليات الجيش التشادي على ضفاف بحيرة تشاد، كانت توفر قدرًا من تخفيف الضغط على الجيش النيجيري، الذي يواجه حاليًا أيام صعبة في مواجهته مع جماعة “بوكو حرام”، قد تتفاقم بفعل التطورات الأخيرة في تشاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى