سياسة

خفايا علاقات المعزول مرسي بإدارة أوباما… تكشفها رسائل هيلاري الإلكترونية

هزة سياسية كبيرة في الداخل الأمريكي أحدثها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، برفع السرية عن الوثائق التي تسرد نصوص الرسائل الإلكترونية التي أطلعت عليها السلطات الاتحادية، بعد تفريغ البريد الإلكتروني الخاص بوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.

تضمنت هذه الرسائل في قسم منها تفاصيل بالغة الأهمية عن التعاطي الأمريكي مع التطورات التي حدثت في مصر خلال ثورة يناير 2011، ثم الفترة التي تولى فيها المجلس العسكري مسؤولية إدارة البلاد ومن ثم وصول جماعة الإخوان إلى السلطة في مصر. علاقة الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي بإدارة أوباما كانت من البنود البارزة ضمن الرسائل التي تم الكشف عنها، واتضح من خلالها أن العلاقة بين الجانبين على عكس ما كانت جماعة الإخوان تصور لقواعدها ومؤيديها، كانت أشبه بتحالف وثيق، توحدت فيها توجهات كلا الجانبين وأهدافهما.

سعي مرسي وجماعة الإخوان للانفراد بالسلطة في مصر

من هذه الرسائل رسالة تحمل مضمون تقرير استخباراتي أرسله أحد المصادر الأمريكية (مجهول الهوية)، إلى هيلاري كلينتون في السادس والعشرين من نوفمبر عام 2018، تحت عنوان “السياسة الداخلية في مصر – مساعي مرسي للاستحواذ على السلطة”.

المصدر الاستخباراتي صاحب هذا التقرير يشير في بداية عرضه لمضمون تقريره، إلى أن مصادر مطلعة داخل حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان، أفاد له إن محمد مرسي قام عقب مناقشات تمت في الخامس والعشرين من نوفمبر 2012 مع المرشد العام لجماعة الإخوان محمد بديع، بعقد لقاء مع وفد ضم عدد من الحقوقيين والأكاديميين، حاول خلاله تبرير إصدار إعلان دستوري يمنح نفسه بموجبه صلاحيات استثنائية، تضمنت حينها إجراءات تحد من سلطة المحكمة الدستورية في البت بشرعية أو عدم شرعية المراسيم الرئاسية.

ويرى كاتب التقرير، أن رؤية المرشد العام لجماعة الإخوان في هذا التوقيت تتمحور حول انتهاز الفرصة الحالية والوثوب على كامل مفاصل المشهد السياسي المصري، وتمتين السيطرة الإخوانية عليها.

بعد ذلك يشير التقرير إلى أنه وعلى الرغم من توقع مرسي نشوء اعتراضات علنية على توجهاته وتوجهات جماعة الإخوان حيال الانفراد بالسلطة، الا أنه فوجئ بحجم ونطاق هذه الاعتراضات، التي تطورت إلى أعمال عنف بين أنصار جماعة الإخوان من جهة، والمعارضة على اختلاف توجهاتها.

هذا المستوى من الاعتراضات دفع المرشد العام للجماعة حسبما أفاد به كاتب التقرير، مدفوعًا بخشيته من تأثير هذه الاحتجاجات على جهود جماعة الإخوان للسيطرة بشكل كامل وتام على البلاد، إلى أن يطلب من مرسي التواصل مع القضاة والتفاهم معهم، وهنا يشير كاتب التقرير إلى أن جماعة الإخوان كانت ترى أن حدوث هذا التفاهم مع القضاء قد ينزع فتيل التوتر في الشارع، وأنه رغم كل ما حدث في ذلك التوقيت من أحداث عنف، لم تكن التوقعات تشير إلى أنها ستتطور إلى ثورة شاملة مثل ما حدث في الخامس والعشرين من يناير 2011.

في الفقرة الأخيرة من هذا التقرير، عرض المصدر الاستخباراتي للنقاشات التي دارت بين مرسي وقادة جماعة الإخوان بشأن مستقبل الإعلان الدستوري، حيث حذر قادة الجماعة وحزبها محمد مرسي من أن الأمور تتجه إلى تصادم حقيقي مع القضاء، خاصة وأن بعض القضاة كانوا قد علقوا في هذا التوقيت نظرهم للقضايا في المحاكم التي يعملون بها احتجاجًا على إعلان مرسي الدستوري، وكذا أعلنت عدد من النقابات أضرابًا عامًا، نظرًا لعدم الثقة في ما تعهد به مرسي حول أن مدة هذا الإعلان ستنتهي في منتصف 2013 بعد إقرار الدستور الجديد.

كذلك تناول هذا التقرير، بعض التفاصيل حول التواصل الذي تم بين مرسي ووزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، حيث أفاد كاتب التقرير أن مرسي طلب من السيسي قبيل إصدار الإعلان الدستوري في 22 نوفمبر 2012، تعهدًا بدعم المؤسسة العسكرية لهذه الخطوة وقد  شدد السيسي حينها على ضرورة الاعتماد بشكل أساسي على الشرطة المدنية في التعامل مع القلاقل الداخلية وليس وحدات الجيش.

قلق مرسي من تعاظم العداء للولايات المتحدة في الداخل المصري

في رسالة أخرى بين كلينتون والمصدر الاستخباراتي الأمريكي مؤرخة بتاريخ الرابع عشر من سبتمبر 2018، تناول المصدر الاستخباراتي المناقشات التي تمت بين مرسي وعدد من كبار الدبلوماسيين الأوروبيين، خلال اجتماعات مرسي مع قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وفيها أعرب مرسي عن قلقه المتصاعد من المشاعر المعادية للولايات المتحدة في الداخل المصري، وكذا محاولات البعض استهداف المصالح الغربية، وأشار كذلك إلى خشيته أن يكون تصاعد هذه التوجهات في مصر، جزءًا من جهود خصومه السياسيين التي تستهدف إزاحته عن الحكم.

يشير المصدر الاستخباراتي هنا إلى أن مرسي أشار بشكل واضح في حواراته مع قادة الاتحاد الأوروبي، إلى قلقه من رسالة وصلت إليه من وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي بشأن هجوم عشرات المسلحين الأصوليين، الذين يعتقد أنهم ينحدرون من قبيلة السواركة في سيناء، على قاعدة قوات حفظ السلام الأممية في سيناء (IPF)، حيث تضمنت الرسالة الإشارة إلى أن هذه القاعدة التي تضم نحو 1500 جندي تابع للأمم المتحدة، من ضمنهم جنود أمريكيون تعرضت لهجوم عنيف، أسفر عن عدد غير معلوم من الضحايا.

حسب كاتب التقرير، تناول مرسي هذا الحدث من زاوية إن الهدف الأساسي منه هو إظهار أن حكومته غير قادرة على الإمساك بزمام الملف الأمني، ولا على حماية الأفراد والمصالح الغربية في مصر، ويوضح كاتب التقرير أن مرسي أوضح بشكل لا لبس فيه للقادة الأوربيين أن جهوده تستهدف تأسيس دولة إسلامية معتدلة تتوافق مع المصالح الغربية وتتفاعل معها.

بعد ذلك يتحدث كاتب التقرير عن رسالة، أرسلها المرشد الأعلى لجماعة الإخوان محمد بديع إلى مرسي في وقت متأخر من مساء يوم 13 سبتمبر 2012 ، يحذره فيها من احتمالات خروج الموقف المتأزم حول السفارة الأمريكية في القاهرة عن السيطرة ويطلب منه اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين المحيطين بالسفارة، وضمان تأمين السفارات والمصالح الغربية.

عاد بعد ذلك كاتب التقرير إلى الحديث عن نقاشات مرسي في بروكسل في 14 سبتمبر، وقال إن مرسي صرح لأحد المسؤولين في الاتحاد الأوروبي أنه تلقى رسائل شديدة اللهجة من كل من وزارة الخارجية الأمريكية ومكتب رئيس الولايات المتحدة، تلوح بإيقاف المساعدات التي تتلقاها القاهرة من واشنطن التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، وهو ما يعني فعليًا أن العلاقات بين الجانبين كانت على المحك.

ويشير المصدر الاستخباراتي إلى أن مرسي اتفق خلال نقاشاته مع رئيس مجلس الشعب المصري حينها سعد الكتاتني، على خطورة إيقاف الإدارة الأمريكية لمساعداتها خاصة أن أغلبها يكون موجهًا للجيش المصري، وبالتالي في حالة حدوث ذلك ستتضرر بالتبعية العلاقات بين مرسي والقيادة الجديدة للجيش المصري.

بناءً على ذلك، وحسبما أفاد به المصدر الاستخباراتي في تقريره أصدر مرسي تعليماته للجيش وقوات الأمن باستخدام كل القوة اللازمة باستثناء الإجراءات المميتة لحماية المنشآت الأمريكية والغربية.

يذكر كاتب التقرير أيضًا بعض التفاصيل حول المناقشات بين مرسي والكتاتني، حيث قال أن مرسي أعرب خلال احدى المناقشات مع الكتاتني، بأنه يشعر بفقدان السيطرة على الوضع السياسي في مصر، ويخشى أنه إذا أدت المناوشات التي كانت جارية حينها، سواء في سيناء ضد قوات حفظ السلام، أو بين المتظاهرين وقوات الأمن حول السفارة الأمريكية في القاهرة، إلى سقوط ضحايا بين المتظاهرين أو الدبلوماسيين الأمريكيين أو أفراد الأمن المصريين أو قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

فقد يؤدي ذلك إلى سقوط الحكومة المصرية وفقدان السيطرة بشكل كامل على المشهد، وقد اتفق الكتاتني مع هذه الرؤية واتفق الأثنان على أنه عندما يهدأ الوضع، سيتعين عليهم التعامل مع التهديد الذي يمثله حزب النور السلفي الذي يخشون أن يستغل الظروف في المستقبل لمحاولة زعزعة استقرار إدارة مرسي.

لهذا، طلب مرسي حسب المصدر الاستخباراتي بتكثيف عمليات جمع المعلومات عن أنشطة قيادة حزب النور مع التركيز على أي اتصالات تتم مع القيادات السلفية التي لها أنشطة مرتبطة بالعنف، ويشير كاتب التقرير هنا، إلى أن وزير الدفاع المصري قد حذر خلال عدة تقارير من احتمالات حدوث موجات عنف من جانب التيارات الإسلامية داخل مصر، ولهذا تم حينها تكثيف الأنشطة الاستخباراتية المصرية وأمر السيسي وحدات القوات الخاصة بتكثيف الدوريات في المنطقة الحدودية بين مصر وليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى