أفريقيا

سلاح الجوع في تيجراي … عندما يفشل الرصاص!

بعد أن بدا أن المعارك في إقليم “تيجراي” شمالي إثيوبيا قد توقفت بدخول العناصر الموالية لجبهة تحرير شعبي تيجراي عاصمة الإقليم “ميكيلي” أواخر الشهر الماضي، اتضح أن القتال ربما مازال مستمرًا داخل الإقليم في اتجاهين، الأول يتعلق بالوضع الإنساني، والثاني يتعلق بالوضع الميداني.

فقد أسفرت المعارك التي اندلعت منذ نوفمبر الماضي بين وحدات الجيش الإثيوبي المدعومة بوحدات إريترية وأخرى تابعة لقومية “الأمهرة” من جهة، وجبهة تحرير شعب تيجراي والقوات الموالية لها من جهة أخرى، عن تدهور شامل في الأوضاع الإنسانية داخل الإقليم، وقد تفاقمت هذه الأوضاع بشكل أكبر نتيجة تدمير الوحدات العسكرية الإثيوبية والإريترية الجسرين الرئيسيين في الإقليم، خاصة جسر “تيكيزي” الذي يقع على طريق “B-350″، وهو شريان حيوي يربط بين شمالي تيجراي، والمناطق الشمالية لإقليم “أمهرة”. تدمير هذه الجسور كان من الدلائل على نية أديس أبابا استخدام سلاح آخر في صراعها مع جبهة تحرير شعب تيجراي، ألا وهو سلاح “الجوع”.

هذا السلاح لجأت إليه أديس أبابا بعد أن بات مكشوفًا أمام العالم الخارجي عدم صحة المبررات التي ساقها رئيس الوزراء آبي أحمد، للانسحاب السريع والمفاجئ لوحدات الجيش الإثيوبي من الإقليم، فقد كان مشهد آلاف الأسرى من الجنود والضباط الإثيوبيين وهم يساقون في شوارع عاصمة الإقليم نحو معتقلات مؤقتة ردًا ميدانيًا أكد أن ما حدث أواخر الشهر الماضي في الإقليم كان “هزيمة” ميدانية كبيرة، وليس انسحابًا تكتيكيًا من أجل منح المزارعين فرصة للحاق بموسم الزراعة حسبما حاولت أديس أبابا الترويج. 

جهود القوات الإثيوبية للتضييق على سبل معيشة وإغاثة سكان الإقليم بدأت خلال الانسحاب السريع لهذه القوات من عاصمة الإقليم، عبر سلب ونهب مقرات المؤسسات الإغاثية الدولية، وقتل نحو اثني عشر من موظفي هذه المؤسسات، وكذا تدمير الجسرين الرئيسين السالف ذكرهما. 

بعد تمكن بعض هذه الوحدات من مغادرة الإقليم، بدأت أديس أبابا في اتخاذ عدة إجراءات للتضييق على سبل حياة ومعيشة سكان الإقليم، وقد تنوعت هذه الإجراءات بين منع وصول الرحلات الجوية المدنية إلى مطاري الإقليم، وإغلاق المنافذ البرية المؤدية من إقليمي “عفار” و”أمهرة” إلى تيجراي، وقطع خطوط إمداد الكهرباء والاتصالات الخاصة بالإقليم.

فاقمت هذه التصرفات من الوضع الإنساني الصعب الذي يعيشه الإقليم، الذي للمفارقة فقد القدرة على الزراعة بشكل شبه كامل بعد الاستهداف المستمر للقطاع الزراعي في تيجراي من جانب وحدات الجيش الإثيوبي والإريتري، ومنع العربات التي تنقل البذور ومستلزمات الزراعة، من الوصول إلى المناطق الوسطى والشمالية للإقليم خلال الأشهر الماضية، ناهيك عن عمليات حرق الحقول في الجانب الغربي من الإقليم على يد وحدات القوات الخاصة الأمهرية، التي دخلت هذه المعركة بهدف وضع اليد على الأراضي الزراعية الموجودة في هذا النطاق، وضمها لإقليم أمهرة. 

هذه الظروف مجتمعة ساهمت في زيادة خطورة الموقف الإنساني في الإقليم، حيث حذرت الأمم المتحدة من أن أكثر من 400 ألف شخص داخل الإقليم يواجهون حاليًا خطر المجاعة، ويزيد هذا الرقم في تقديرات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ليصبح قرابة 900 ألف شخص.

من جانبها، أصدرت جبهة تحرير شعب تيجراي بيانًا لافتًا الأحد الماضي، ردت فيه على دعوات أديس أبابا لإيقاف إطلاق النار، وقالت إنها على استعداد لوقف إطلاق النار من حيث المبدأ، لكنها تشترط مجموعة من الشروط، منها إيجاد ضمانات دولية صارمة بعدم هجوم القوات الفيدرالية الإثيوبية مرة أخرى على الإقليم، وبسحب كافة الوحدات العسكرية التابعة لإقليم أمهرة والجيش الإريتري من المناطق المتبقية تحت سيطرتهم في إقليم تيجراي، وهي المناطق الغربية. 

طالبت الجبهة أيضًا في بيانها بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المنطقة دون أي قيود، والتوفير الكامل للخدمات الأساسية مثل الكهرباء والاتصالات، وإعادة أنشطة البنوك والمدارس والمستشفيات إلى سابق عهدها. وختمت الجبهة البيان بطلب إنشاء هيئة دولية مستقلة للتحقيق في جرائم الحرب التي تم ارتكابها في الإقليم، وتكوين بعثة أممية للإشراف على تنفيذ أي اتفاق لوقف إطلاق النار، وطالبت بالإفراج الفوري عن جميع منتسبي الجبهة المعتقلين في السجون الإثيوبية.

في جبهة أخرى من جبهات القتال في إثيوبيا، تتصاعد بشكل مستمر الاشتباكات في المناطق الجنوبية والغربية من إقليم “أوروميا” الواقع غربي العاصمة الإثيوبية، حيث استمرت هجمات قوات “جبهة تحرير أوروميا” في المناطق التي سبق وشهدت بداية أعمال العنف في أبريل الماضي، وتحديدًا مناطق ولاية “ووليجا الغربية”، واستهدفت هذه الهجمات بشكل رئيس قوات الشرطة الفيدرالية المنتشرة في هذه المناطق. وقد ردت وحدات الشرطة على هذه الهجمات، عبر شن سلسلة من الاعتقالات استهدفت أنصار الجبهة، وأعدمت بعضهم ميدانيًا، كما حدث مع أحد أنصار الجبهة في بلدة “ديمبي دولو” عاصمة مقاطعة “كيلام ويليجا”.

اللافت في هذا الصدد هو توسع هجمات عناصر هذه الجبهة لتشمل مناطق تقع في إقليم أمهرة الذي يقع إلى الشمال من إقليم أوروميا، خاصة القرى الواقعة قرب مدينة “أيكيل” جنوبي غرب مدينة “جوندر” شمالي إقليم أمهرة.

على المستوى السياسي، أصدرت جبهة تحرير أوروميا هذا الأسبوع بيانًا أعلنت فيه بشكل أحادي تشكيل حكومة انتقالية تابعة لها من أجل إدارة شؤون الإقليم، في خطوة تأتي في توقيت متزامن مع فقدان أديس أبابا سيطرتها على إقليم تيجراي، وهو ما قد يشير إلى مستوى معين من التنسيق الميداني بدأ في التشكل بين جبهة تحرير شعب تيجراي وجبهة تحرير أوروميا، علمًا أن هذه الأخيرة سبق وأصدرت بيانًا الشهر الماضي حول رؤيتها للحل في إثيوبيا، احتوى على نقاط عديدة وردت أيضًا في البيان الأخير لجبهة تحرير شعب تيجراي.

على المستوى الميداني، يبدو أن تركيز الجيش الإثيوبي خلال الفترة الماضية سيكون منصبًا على تدعيم وحداته في إقليم أوروميا، وأيضًا على تعزيز وجوده في نطاق الحدود المشتركة مع السودان، وقد تزايدت الحشود العسكرية الإثيوبية على خط الحدود مع السودان خلال الأسابيع الأخيرة، خاصة في مدينة “عبد الرافع” وقرى أخرى تقع في منطقتي “حميرة” و”ماي كاديرا” الواقعتين أقصى غرب إقليم تيجراي، وأصبحت هذه المناطق بمثابة نقاط ارتكاز لشن عمليات خاطفة داخل الأراضي السودانية، وآخرها  محاولة للتوغل في منطقة “باسندة” شمالي إقليم الفشقة السوداني.

هذا الوضع الميداني المتأزم في إثيوبيا، كان مواكبًا للانتخابات العامة السادسة من نوعها منذ إقرار البلاد لدستورها عام 1994، والأولى في عهد رئيس الوزراء الحالي أبي أحمد، والتي تمت في كافة الأقاليم الإثيوبية عدا ثلاثة أقاليم هي إقليم تيجراي “نتيجة للوضع الأمني”، وإقليمي “هرر” و”صومالي” اللذين تم تأجيل عقد الانتخابات فيهما إلى شهر سبتمبر المقبل. 

على الرغم من عدم إعلان النتائج النهائية لهذه الانتخابات بشكل كامل، إلا أن مجريات هذه العملية الانتخابية وما صاحبها من إجراءات تشي بإن حزب “الرخاء” الحاكم سيحصل على أغلبية الأصوات في العاصمة، وسيتنافس على المركزين الثاني والثالث حزبي “مواطنون من أجل العدالة الاجتماعية” و”Balderas”.

مجريات هذه العملية الانتخابية شابها في المجمل عدد كبير من المشاكل، أكبرها ضعف الإقبال الشعبي على الاقتراع في أقاليم عدة مثل “بني شنقول” و”أوروميا” و”عفار”، علمًا أن إقليم أوروميا هو الإقليم الأكبر من حيث عدد الناخبين (أكثر من 14 مليون ناخب). يضاف إلى ما سبق، التضييق الذي مورس على الأحزاب الإثيوبية المنافسة لحزب “الرخاء” الحاكم، خاصة الأحزاب الخاصة بعرقيتي التيجراي والأورومو، مثل حزب جبهة تحرير أورومو، وحزب الكونجرس الفيدرالي للأورومو، وقد لقي مئات المعارضين مصرعهم خلال الأشهر الماضية، ضمن الاشتباكات وأعمال العنف العرقية في عدد من الأقاليم الإثيوبية.

المفارقة أن هذا الوضع طال أحزاب معارضة قريبة من الحزب الحاكم، مثل حزب “مواطنون من أجل العدالة الاجتماعية”، الذي قٌتل اثنان من مرشحيه في إقليمي أوروميا وأمهرة، وقُتل مرشحان اثنان آخران لحزب “الحركة الوطنية لأمهرة” في منطقة “جوندر” بولاية أمهرة ومنطقة “أسوسا” في إقليم بني شنقول. ناهيك عن اعتقال بعض الذين يحتمل ترشحهم في الانتخابات من الشخصيات المعارضة. وقد أدت هذه الأجواء إلى إعلان عدة مؤسسات وهيئات دولية عزوفها عن مراقبة هذه الانتخابات، على رأسها الاتحاد الأوروبي.

تزايدت حدة الاعتقالات في العاصمة الإثيوبية عقب فقدان الحكومة المركزية سيطرتها على إقليم تيجراي، وشملت بعض العناصر المنتمين لعرقية التيجراي، وكذلك بعض الصحفيين، حيث داهمت قوات الأمن الإثيوبية في الثاني من يوليو الجاري، مكاتب إذاعة “AWLO” في العاصمة، واعتقلت اثني عشر موظفًا من موظفيها، وكذا صحفيين مستقلين آخرين، وهو نهج في ما يبدو أنه محاولة لإسكات كافة الأصوات الإثيوبية التي تحاول إثارة الجدل حول هزيمة القوات الفيدرالية الإثيوبية في تيجراي، وهي هزيمة سيكون لها الوقع الأكبر على مصير “إثيوبيا الفيدرالية”، خاصة في ظل تزايد الدعوات الانفصالية شمالي وغربي البلاد.

– نقلًا عن جريدة الأهرام ويكلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى