ليبيا

“فورميكي” الإيطالية: حان الوقت كي تعتمد “روما” على نفسها في الملف الليبي

عرض- محمد منصور

قراءة مهمة للتموضع الإيطالي الحالي في الملف الليبي، قدمها اللواء المتقاعد في الجيش الإيطالي كارلو جين، في مقال نشره أمس موقع صحيفة “فورميكي” الإيطالية. اللواء جين، الذي يرأس حالياً مركز للدراسات الجيوسياسية والاقتصادية، يرى أن إيطاليا بشكل عام، يجب أن تعتمد على أدواتها الذاتية في التعامل مع تداعيات وتطورات الملف الليبي، بدلاً من نهجها السابق الذي كان مؤسساً على المواقف والتوجهات الأمريكية في هذا الملف.

في نفس الإطار، يوضح اللواء المتقاعد أن اختلاف أولويات روما وواشنطن في الملف الليبي، كان من أهم المعضلات التي نشأت عن التطورات التي شهدها هذا الملف خلال السنوات الأخيرة. بالنسبة للولايات المتحدة، لم يمثل ملف الهجرة غير الشرعية من ليبيا ومن دول الساحل أولوية، علماً ان هذا الملف له أهمية خاصة بالنسبة لروما، وقد كانت الأولوية الأمريكية في هذا الصدد هي ملف الإرهاب.

لذا يرى اللواء جين أنه يجب التوافق بين إيطاليا والولايات المتحدة على ماهية التحركات القادمة في شمال إفريقيا، بحيث يتم التوصل بواقعية إلى السياسة الأفضل التي يمكن اتباعها في هذه المنطقة، وتحديد الملفات التي تتوقع روما أن تحصل تحركاتها فيها على دعم واشنطن، والملفات التي ستتحرك فيها أيطاليا بمفردها دون دعم امريكي.

بعد ذلك وجه اللواء جين انتقادات شديدة للنهج الإيطالي في الملف الليبي على مدار الفترة الماضية، حيث رأى أن روما لم تمتلك سياسة واقعية واضحة لتعزيز استقرار ليبيا – التي كانت تعتبر سابقاً بمثابة الساحل الإيطالي الرابع – وكان ملف استقرار ليبيا دائما هو الملف المركزي في كل لقاء بين الساسة الإيطاليين والأمريكيين، لكن ظلت الحكومات الإيطالية المتعاقبة تنتظر إظهار الولايات المتحدة التزاماً واضحاً بالعمل الجدي في هذا الملف، وهذا حسب رأي جين يفسر بشكل كبير الحماس الإيطالي الذي كان يظهر في كل مرة تعرب فيها واشنطن عن تقديرها “للدور المركزي لروما في ليبيا”، ولكن حقيقة الأمر أن هذه السياسة من جانب روما جعلتها غير قادرة على مواجهة ومعادلة التأثيرات الخارجية الأخرى في الملف الليبي، مثل التأثير المصري والروسي والتركي، والفرنسي أيضاً.

ويضيف اللواء المتقاعد، أنه على الرغم من أن إيطاليا مازالت تحافظ على تصدرها للعلاقات الاقتصادية بين ليبيا والغرب، عبر نشاط شركة “أيني” النفطية في الحقول الليبية، وكذلك أنشطة رجال الأعمال الإيطاليين، الا أن هذا الدور الاقتصادي، مضافاً إليه النشاط الاستخباري الإيطالي على الأراضي الليبية، لم يجنب أيطالياً مرارة القبول بخطوات بعض اللاعبين الإقليميين الأخرين في الميدان الليبي، مثل الضغوط التركية على الحكومة الليبية الحالية، التي أدت إلى إحجام طرابلس عن استيراد الأسلحة الإيطالية الصنع، وهنا يرى اللواء جين ان تقاعس إيطاليا عن استخدام كافة الأدوات المتاحة لها في الملف الليبي، بما في ذلك توريد الأسلحة والمعدات العسكرية والمعلومات الاستخبارية، ادى إلى ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام قادة مثل الرئيس التركي والرئيس الروسي، كي يدخلوا بقوة إلى هذا الميدان.

يشير اللواء جين هنا إلى مؤتمر برلين-2 الذي أنعقد مؤخراً حول ليبيا، ورأى أن هذا المؤتمر لم يفلح في إلزام القوات الأجنبية المتواجدة على الأراضي الليبية بالرحيل الفوري، وهذا يجعل من مسألة نزع سلاح الميليشيات وبناء جيش ليبي وقوى أمن داخلي موحدة أمر من الصعب تحقيقه عملياً، وبالتالي لن يكون – حسب رأيه – لهذا المؤتمر ومخرجاته أي تأثير على إمكانية إجراء الانتخابات العامة في ليبيا أواخر العام الجاري، وتحقيق استقرار نسبي للبلاد، بل قد يكون لهذه المخرجات فقط تأثير يتعلق بتسهيل الاتفاق على توزيع عائدات النفط.

بالنظر لما سبق، يرى اللواء الإيطالي المتقاعد، أنه من الضروري إدراك أن سياسة واشنطن في ليبيا، تخضع لاعتبارات تختلف كلياً عن الاعتبارات الإيطالية، فملف الهجرة غير الشرعية من ليبيا أقل اهمية بالنسبة لواشنطن من ملف مكافحة الإرهاب، على عكس وجهة النظر الإيطالية، وهذا الاختلاف في الأولويات يجعل التعاون الاستراتيجي بين روما وواشنطن في ليبيا امراً صعبًا، ولهذا يجب على إيطاليا أن تعمل بشكل منفرد في ليبيا، خاصة في ما يتعلق بملف الهجرة غير الشرعية، حيث يعتقد اللواء جين أن الدعم الإيطالي الأخير لتجديد تمويل الاتحاد الأوروبي لليبيا، لمكافحة الهجرة غير الشرعية نحو البلقان، يمكن أن يسهل عقد أتفاق مماثل حيال المهاجرين من الأراضي الليبية نحو إيطاليا.

لكن يرى اللواء جين ان هذا التوجه ينطوي على بعض المخاطر، منها أنه قد يؤدي إلى دفع بعض القبائل الليبية العاملة في مجال الهجرة غير الشرعية، إلى دعم المجموعات الإرهابية الليبية، نتيجة لتضررها من جهود مكافحة الهجرة. سبب آخر من أسباب رغبة اللواء جين في اتخاذ روما خط مستقل في ليبيا، حقيقة أن هذا التوجه لن يؤثر على العلاقات بين أيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، وهنا يبرز مثال العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة، التي في حقيقتها تبقى أقوى من العلاقة بين الولايات المتحدة وإيطاليا، رغم خلافات أنقرة مع اليونان، وعملياتها العسكرية المستمرة ضد الأكراد، وشرائها أنظمة S-400 من روسيا. رغم هذه المواقف من جانب تركيا، مازالت ترى واشنطن أهمية كبيرة في استمرار العلاقة معها، لضمان موطئ قدم لها في البحر الأسود، وإدامة الدعم التركي المقدم لأوكرانيا وبولندا، ومواجهة روسيا في سوريا ولبنان، والحفاظ على التزامات أنقرة المتزايدة في أفغانستان.

اختتم اللواء المتقاعد مقاله، بالتعبير عن قناعته أن إيطاليا – بالنظر إلى تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة حول ليبيا – يجب ألا تتحمس بشكل كبير هذه التصريحات التي تبرز “الدور الكبير” لإيطاليا في ليبيا، فهذا الدور حسب اللواء جين يبقى محدوداً، ولا توجد مؤشرات كبيرة على تطوره في المدى المنظور، لذا يجب على روما من الآن فصاعداً، البحث عن مقاربة مستقلة وواضحة لدورها المستقبلي في الملف الليبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى