أفريقيا

اتساع النطاق … معارك “تيجراي” تدخل مرحلة ميدانية جديدة

وجدت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، والوحدات العسكرية الإريترية الداعمة لها، وكذلك الميليشيات شبه العسكرية التابعة لإقليم “أمهرا”، نفسها في وضع ميداني صعب، عقب الهزيمة الميدانية المدوية التي لحقت بها خلال الشهر الجاري في مناطق وسط وشرق إقليم “تيجراي” شمالي البلاد.

هذا الوضع دفع “أديس أبابا” إلى القيام بمناورة ميدانية محفوفة بالمخاطر – تحمل في طياتها تكريسا واضحا للاقتتال الأهلي الداخلي في البلاد – لكن اتضح من خلال المجريات الميدانية خلال الأيام القليلة الماضية، أن هذه المناورة تسببت في جعل الوضع الميداني للجيش الإثيوبي وقواته الرديفة أكثر تدهوراً.

 بداية هذه المناورة كانت بطلب أديس أبابا من عدة أقاليم إثيوبية، إرسال تعزيزات من الشرطة المحلية والميليشيات شبه العسكرية، من أجل المشاركة في الحشد الذي يعده الجيش الإثيوبي لمواجهة عمليات عناصر قوة دفاع تيجراي وجبهة تحرير شعب تيجراي، وقد تجاوبت بشكل متفاوت بعض الأقاليم الإثيوبية مع هذا الطلب، حيث كان التجاوب الأكبر – بطبيعة الحال – من إقليم “أمهرا” الذي يحتفظ حالياً بقوات تابعة له في أقصى غرب إقليم تيجراي، وحشد خلال الأيام الماضية ، قوات من الشرطة التابعة له، وعناصر من الميليشيات المدنية، في عدة مدن في شمال الإقليم قرب الحدود مع إقليم تيجراي، منها مدينة “جوندر” ومدينة “واج حيمرا” ومدينة “إدي أركاي”. كذلك حشدت الحكومات المحلية في أقاليم “جامبيلا” و”صوماليا” و”هراري” و “أوروميا” و”ديرة داوا” و”سيداما”، أعدادا محدودة للغاية من قوات الشرطة الفيدرالية التابعة لها، وأرسلتها في اتجاه مناطق الحشد في شمال وشمال شرق إقليم أمهرا، والمناطق الغربية والجنوبية الغربية من إقليم “عفر”.

 كانت تقديرات أديس أبابا تشير إلى أن وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي ستكتفي في الوقت الحالي بما حققته من تقدم في وسط وشرق الإقليم، لكن كانت هذه التقديرات خاطئة كلياً، فقد فوجئ الجيش الإثيوبي بإطلاق جبهة تحرير شعب تيجراي للمرحلة الثانية من عملياتها العسكرية، لتصبح مرتكزة على ثلاث جبهات رئيسية، الأولى هي الجبهة الشمالية الشرقية، حيث اتضح أن قيادة الجبهة كانت ترصد بشكل دقيق الحشد الإثيوبي في المناطق الغربية من عفر، وتمكنت عبر عملية مباغتة من الدخول إلى منطقتي “زوبل” و”إمينتيلا”، وأسرت عشرات العناصر التابعة لشرطة إقليمي أمهرة وعفر الإقليمية، وكذا عناصر من الجيش الإثيوبي، ونتج عن هذه المعركة عملياً تدمير كتيبتين على الأقل من فرقة المشاة الثالثة والعشرين في الجيش الإثيوبي، وأسر عدد من الضباط بمن فيهم رئيس عمليات ما تسمى ب “القيادة العسكرية الشرقية” في الجيش الإثيوبي العقيد أول ياسين، وهي القيادة المسؤولة عن التنسيق الميداني مع الحكومة المحلية في إقليم عفر.

 خسر الجيش الإثيوبي في هذا الهجوم المباغت، وفي الهجمات الأخرى جنوب غرب عفر، مجموعة إضافية من المعدات العسكرية، بما في ذلك عدة دبابات روسية الصنع من نوع “تي-55″، بجانب مدرعات صينية الصنع منها ناقلة الجند المدرعة “تايب-89” وعربات القتال المدرعة “تايب-05″، بجانب عشرات الشاحنات والعربات العسكرية، وبضعة مدافع ميدان روسية الصنع من عيار 122 ملم، وهذا الوضع تكرر في أوقات سابقة، بالشكل الذي يقطع بتعمد قوات جبهة تحرير شعب تيجراي انتظار وصول هذه المعدات إلى قرب جبهات القتال، بحيث يتم مهاجمة مواضع وصولها، ومن ثم اغتنامها واستخدامها بشكل فعال ضد القوات الإثيوبية، وهو ما لوحظ حدوثه بشكل أساسي فيما يتعلق بقطع المدفعية.

حاول سلاح الجو الإثيوبي دعم الوحدات العسكرية الموجودة في هذا النطاق، لكن نظراً للصعوبات الفنية المتزايدة التي تواجه هذا السلاح، الذي فقد منذ أواخر العام الماضي وحتى الآن أربع طائرات، كان أخرها مروحية سقطت في الصومال منذ أيام، لم توفر له القدرة على الدعم الفعال للجيش الإثيوبي في هذه الجبهة.

الجبهة الثانية – والأهم – التي انفتحت فيها قوات جبهة تحرير شعب تيجراي، هي الجبهة الجنوبية الشرقية، حيث انطلقت عناصر الجبهة من القرى الواقعة في أقصى جنوبي إقليم تيجراي، نحو اتجاهين رئيسيين، الأول شرقاً في اتجاه المناطق الجنوبية الغربية من إقليم عفر، والثاني جنوباً باتجاه عمق أراضي إقليم أمهرا. الاتجاه الأول كان الغرض من التحرك فيه هو إرباك القوات الإثيوبية الموجودة في الجبهة الشرقية لتيجراي “السالف ذكرها”، وقد سيطرت وحدات الجبهة في هذا الاتجاه على عدة نقاط في المنطقة الإدارية الرابعة جنوب غرب عفار، خاصة محيط منطقة “تيرو”، بجانب منطقة “أورا” التي نصبت فيها قوات الجبهة كميناً لشرطة إقليم أمهرا والقوات الإثيوبية.

وتعد الجبهة الثانية ،الأكثر خطورة وأهمية في هذه المعركة، فقد بدا من تحركات جبهة تحرير شعب تيجراي جنوباً، أنها تستهدف الدخول عميقاً في أراضي إقليم أمهرا، وقد تمكنت بالفعل خلال ثلاثة أيام من دخول مناطق “شيرشير” و”بورين”، بجانب مدينة “كوبو” التي باتت حالياً نقطة انطلاق للمجهود العسكري لجبهة تحرير شعب تيجراي، التي ستستهدف في المرحلة المقبلة التحرك غرباً في اتجاه مدينة “سيكوتا” لتوسيع العمليات أكثر في شمال إقليم أمهرة، والتحرك أكثر جنوباً للوصول إلى مدينة “ويلدايا”، بحيث تتفرع العمليات في هذا الاتجاه على نسقين، الأول جنوباً نحو مدينة “دبسي”، والثاني شرقاً نحو مناطق “ميل” و”شيفرا” و”لوجيا” و”سيميرا”، وهنا تكمن خطورة هذا التحرك.

أهمية هذه الجبهة تكمن في أن استمرار تحركات قوات جبهة تحرير شعب تيجراي شرقاً وجنوباً، ستؤدي إلى سيطرتها نارياً على طريق “أيه-2” الرابط بين “ويلدايا” والعاصمة أديس أبابا، وكذلك على طريق يعد من أهم طرق الإمداد وهو طريق “أيه-1” الرابط بين جيبوتي وأديس أبابا، والذي يوازيه من الجنوب خط للسكك الحديدية قادم من جيبوتي ويمر على مدينة “داير دوا” قبل الوصول إلى العاصمة. السيطرة على هذه المفاصل الحيوية او تهديدها نارياً، سيؤدي عملياً إلى الضغط بشكل مؤثر على صانع القرار في أديس أبابا، خاصة أن هذا يتم بالتزامن مع توسع العمليات كما سبق ذكره في شمال إقليم أمهرا، ليس فقط من الجهة الشمالية الشرقية، بل أيضاً من الخاصرة الأهم، وهي الجبهة الغربية، ثالث الجبهات المفتوحة في الشمال الإثيوبي.

 فقد أطلقت جبهة تحرير شعب تيجراي خلال الأيام القليلة الماضية عمليات إضافية في أراضي إقليم أمهرا من الاتجاه الجنوبي الغربي، بعد أن تمكنت في وقت سابق من عبور نهر “تيكيزي” والسيطرة على مدينتي “ماي تسبيري” و”ماي تسميري”، حيث دخلت بشكل فعلي في أراضي إقليم أمهرا، وسيطرت بعد معارك عنيفة خلال اليومين الماضيين على مدينتي “إدي أركاي” و”ديباريك”، اللتين كانتا من مدن الحشد الأساسي ضد إقليم تيجراي خلال الفترة الماضية، وبذلك يصبح من الواضح أن الهدف التالي لقوات جبهة تحرير شعب تيجراي – في حالة توسيع العمليات – سيكون مدينة “جوندر” الاستراتيجية. هنا يجب ملاحظة أن هذه العمليات تتم في نفس الوقت الذي تستعد فيه قوات جبهة تحرير شعب تيجراي لإطلاق عملية عسكرية لتأمين ما تبقى من مناطق في غرب إقليم تيجراي، وتحديداً مدينة “حميرة” الحدودية ومحيطها.

 قوات الدفاع الوطني الإثيوبية وقواتها الرديفة، استمرت في محاولات حشد ما تستطيع من قوات في المحورين الأساسيين لتقدم وحدات جبهة تحرير شعب تيجراي في شمالي إقليم أمهرا، وهما المحور الشمالي الشرقي، والمحور الشمالي الغربي، لكن ظهرت خلال الفترة الماضية عدة معضلات ربما تكون من ضمن أهم الأسباب في وتيرة التقدم السريعة لقوات إقليم تيجراي، وهي حقيقة أن القوات التي يتم إرسالها من الأقاليم المختلفة هي في الأساس مكونة من وحدات شرطة يطلق عليها محلياً “قوات خاصة” لكنها فعلياً لا تتمتع بأي قدرات قتالية خاصة، ولا تتعدى هذه القدرات ما تمتلكه وحدات الشرطة بشكل عام، كما أن جزءاً كبيرا من القوات التي يتم حشدها هي من الميليشيات شبه العسكرية، وعلى رأسها ميليشيات “الفانو” الأمهريا.

 نطاق الحدود السودانية الإثيوبية، يعتبر من المناطق التي يركز عليها الجيش الإثيوبي، حيث مازالت الحشود العسكرية تتدفق على نقاط أساسية للحشد العسكري قرب الحدود مع محلية الفشقة السودانية، مثل مدينة “عبد الرافع” وقرى أخرى تقع في منطقتي “حميرة” و”ماي كاديرا” أقصى غرب إقليم تيجراي.
هذه المناطق باتت منطلقاً للميليشيات الموالية لأديس أبابا، كي تنفذ عمليات متنوعة على الأراضي السودانية، ما بين عمليات لخطف المزارعين، ومهاجمة مواقع الجيش السوداني، وآخر هذه العمليات كان اختطاف النقيب بهاء يوسف، أحد القادة الميدانيين للجيش السوداني في منطقة “القلابات” جنوبي محلية الفشقة، هذا بالتزامن مع توسع دائرة الاشتباكات الحدودية جنوباً، لتشمل الحدود بين إقليم أمهرا والسودان، حيث اشتبك الجانبان في نطاق حديقة “دينار” الواقعة جنوبي الفشقة.

 يضاف إلى ما سبق حقيقة أن وحدات الجيش الإثيوبي تحتاج إلى أن تحافظ على وجود دائم لها في مناطق أخرى مهمة في الداخل الإثيوبي وعلى الحدود، خاصة في إقليم أوروميا الذي يتزايد فيه نشاط جبهة تحرير أوروميا، التي تحافظ منذ فترة على وتيرة عالية من الهجمات التي تطال المدن المتاخمة لغرب العاصمة. كما أن بعض الأقاليم التي كانت خلال الفترة الماضية لا تشهد أية قلاقل داخلية، بدأت في المعاناة من بعض التدهور الأمني، مثل إقليم بني شنقول، وإقليم جامبيلا الذي تم فيه الإعلان عن تأسيس “جبهة تحرير جامبيلا”، التي تناهض الحكومة الإقليمية الحاكمة، على خلفية عدة أمور، منها ما ذكره بيان تأسيس الجبهة عن مخالفات شابت الانتخابات التشريعية الأخيرة، وكذلك تفاقم معاناة سكان الإقليم من تردي الخدمات وارتفاع معدل البطالة بين الشباب، وفشل الحكومة الإقليمية في حفظ الأمن على طول الحدود بين الإقليم وجنوب السودان.

تزايد مخاوف أديس أبابا من وجود “خلايا نائمة” لجبهة تحرير شعب تيجراي في إقليمي أمهرا وأوروميا، دفعها لتوسيع دائرة الاعتقالات والمداهمات، لتشمل بجانب العاصمة أديس أبابا، مدينة “جوندر” شمالي إقليم أمهرا، بالإضافة إلى المدن المتبقية تحت سيطرة القوات الأمهريا في غرب إقليم تيجراي مثل “حميرا” و”ماي كاديرا”.

هذه الاعتقالات يشرف عليها بشكل أساسي مجموعة من القيادات العسكرية التي تتولى الأمن في إقليم أمهرا، على رأسها الجنرال “تيفرا مامو” الذي تم إعادته إلى منصب قائد قوات الإقليم الخاصة مؤخراً، علماً أنه كان يشغل هذا المنصب أبان محاولة الانقلاب التي تمت في البلاد في يونيو 2019، وكان من المساهمين في إخماده، إلا أنه بعد ذلك تم اعتقاله وعدد من الضباط التابعين له، وتم الإفراج عنه مؤخراً.

هذه الحملة من الاعتقالات، بجانب الأوضاع السابقة في إقليم تيجراي، فاقمت من الانتقادات الغربية لحكومة أديس أبابا، حيث أعرب جيمس دودريدج، وزير الشؤون الأفريقية في الحكومة البريطانية، عن قلق بلاده من حملات الاعتقال التعسفي في عدة مناطق في إثيوبيا، كما حجبت الحكومة الألمانية مبلغ مائة مليون يورو من المساعدات التي يتم تقديمها إلى إثيوبيا، لحين فرض حل سياسي لأزمة إقليم تيجراي، وإتمام التحقيقات حول انتهاكات حقوق الإنسان.

المعارك الأخيرة أظهرت بشكل أكبر الضعف الذي أصاب المؤسسة العسكرية الإثيوبية خلال الأشهر الست الماضية، حيث أصبحت قواتها تقاتل بشكل دفاعي وتراجعي دون اي تكتيك واضح ودون أن تتوفر لها الحدود الدنيا من التجهيزات العسكرية، حيث تتألف هذه الوحدات بشكل أساسي من كتائب المشاة، المنهكة من أشهر المعارك الطويلة، ومن ندرة الطعام ومواد الإعاشة، وهو ما ظهر بشكل أوضح في الجبهة الشمالية الغربية لإقليم امهرة، الذي أضطرت القوات التي كانت تقاتل فيه لمحاولة إستعادة مدينتي “ماي تسميري” و”ماي تسبيري” جنوبي إقليم تيجراي، أن تنسحب وتتراجع نتيجة لعدم توافر ما تحتاجه من مؤن وذخائر

خلاصة القول

 إن مجريات العمليات الميدانية خلال الأيام الماضية في إقليم تيجراي جاءت عكس ما تتوقعه أديس أبابا، حيث كانت تراهن على أن تتمكن من حشد قوات كبيرة من الأقاليم الأخرى، لإطلاق عملية عسكرية كبيرة أو على الأقل إيقاف تقدم قوات جبهة تحرير شعب تيجراي، لكن ما حدث هو العكس تماماً، حيث أصبحت العاصمة مهددة من الاتجاه الشمال الشرقي، ومن الجهة الغربية التي تنشط فيها حالياً بشكل كبير قوات جبهة تحرير أوروميا. الأيام القليلة المقبلة ستكشف عما إذا كانت تحركات قوات إقليم تيجراي الميدانية تستهدف الضغط على أديس أبابا والأقاليم المجاورة من أجل إحداث “تغيير داخلي” في البلاد، أو الدخول في مسار تفاوضي سلمي لحل أزمة الإقليم، أم أن أهداف جبهة تحرير شعب تيجراي ربما تتعدى ذلك لتصل إلى إعادة السيطرة بشكل كامل على مقاليد السلطة في البلاد، ولكن الأكيد أنه في الحالتين، ستحاول حكومة حزب “الإزدهار” الحاكم في البلاد بشتى الطرق مواجهة طموحات قومية التيجراي، حتى لو كان هذا يتطلب توسيع نطاق الاقتتال الداخلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى