العالم العربيمصر

تأكيد التعاون.. ملفات قمة “السيسي – زايد – عبد الله”

تعددت اللقاءات العربية الثنائية والثلاثية التي ترعاها القاهرة التي تحرص على أن تتحول من “حدث عابر غير مستدام” إلى تقليد أخوي مستمر ومتواصل، يستهدف تعزيز أواصر التعاون والعلاقات الأخوية بين الدول العربية، ضمن توجهات مصرية باتت أكثر تركيزًا – منذ عام 2013 – على تعظيم التواصل والتشاور العربي – العربي، ونقل العلاقات العربية إلى مستويات أعلى تتسم بالإيجابية والحرص على المصالح المشتركة.

في هذا الإطار جاءت استضافة الرئيس السيسي اليوم للملك عبد الله الثاني بن الحسين ملك الأردن، والأمير محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي، بجانب وفدين رسميين رافقا الضيفين، ضم الوفد الأردني كلا من رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية أيمن الصفدي، ومدير مكتب الملك الدكتور جعفر حسان، ومدير المخابرات اللواء أحمد حسني، والسفير الأردني في القاهرة أمجد العضايلة. أما الوفد الإماراتي فقد ضم كل من الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء، وسلطان بن أحمد الجابر وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، وأنور بن محمد قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، وحميد عبيد خليفة أبو شبص رئيس جهاز أبو ظبي للمحاسبة.

حفاوة الاستقبال المصري للضيوف العرب الذين أقامت الرئاسة المصرية مأدبة إفطار على شرفهم، عقب جلسة المباحثات الثلاثية التي جمعت بين القادة الثلاث وتم فيها تبادل التهنئة بقرب حلول عيد الفطر المبارك، عكست الأجواء الأخوية التي شابت منذ عقود العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي وعمان، والتي تصاعدت بشكل لافت خلال السنوات القليلة الماضية، وكانت هذه الأجواء بمثابة تأكيد إضافي على رغبة مصر في تعزيز التعاون المشترك مع الدولتين الشقيقتين، والانتقال بالعلاقات المشتركة إلى آفاق أوسع وأرحب.

ملف القدس .. وعملية السلام في الشرق الأوسط

تتزامن هذه القمة مع تطورات مهمة طرأت على المشهد في مدينة القدس المحتلة، وهي تطورات كانت محركًا أساسيًا لعقد القمة واستحقت أن تكون العنوان الأساسي للمناقشات التي تمت خلالها. بشكل عام يمكن اعتبار قمة اليوم، بمثابة استكمال للمباحثات بشأن ملف القدس وعملية السلام في الشرق الأوسط، التي تضمنتها اجتماعات مارس الماضي التي احتضنتها مدينة العقبة الأردنية، وضمت بجانب الرئيس السيسي، ملك الأردن وولي عهد أبو ظبي ورئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي، وهي اجتماعات تلاها في نفس الشهر لقاء جمع في مدينة شرم الشيخ ضم ولي عهد أبو ظبي والرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت.

تصاعد التوتر داخل مدينة القدس وتزايد الانتهاكات التي تتعرض لها الأماكن المقدسة داخل المدينة وتقييد حرية 

الصلاة داخل المسجد الأقصى، دفعت الدول الثلاث لتفعيل التشاور بينها لمحاولة إنهاء هذا التصعيد، لذا كانت قمة اليوم بمثابة تأكيد على أهمية تهدئة التوتر الحالي داخل مدينة القدس وإيقاف الانتهاكات الإسرائيلية التي تتجاهل الوضع القانوني والمكانة الدينية للحرم القدسي الشريف. كما أكد القادة الثلاث على ضرورة احترام الوصاية الهاشمية – الممتدة عبر التاريخ الفلسطيني – ودورها في رعاية وحماية الأماكن الدينية المقدسة داخل مدينة القدس، سواء كانت تنتمي إلى الدين الإسلامي أو الدين المسيحي، مع تفعيل أكبر لدور مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية في هذا الصدد، خاصة الإدارة العامة لأوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى، التي تحتاج إلى دعم مستمر للقيام بدورها. ملف عملية السلام لم يغب عن هذه القمة، حيث توافق القادة الثلاث على ضرورة وقف إسرائيل كل الإجراءات التي تقوض حل الدولتين، وأهمية إيجاد أفق سياسي للعودة إلى مفاوضات جادة وفاعلة لحل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين ووفق القانون الدولي.

الملف الأوكراني حاضر في اجتماعات القاهرة

التطورات المتصاعدة والمستمرة في أوكرانيا كانت ضمن الملفات التي تم بحثها في قمة اليوم، خاصة الدور العربي الرامي لإيجاد حل لهذه الأزمة التي تلقى بظلال قاتمة على المنطقة العربية والعالم على كافة المستويات. وقد تم التأكيد على الاستمرار في تعزيز جهود لجنة الاتصال العربية، وأهمية تغليب لغة الحوار والحلول الدبلوماسية، والمساعٍ التي من شأنها سرعة تسوية هذه الأزمة سياسيًا بما يحافظ على الأمن والاستقرار الدوليين، وبما يضمن عدم تصعيد الموقف أو تدهوره، وتفاديًا لتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية وأثرها على المنطقة والصعيد العالمي.

البحث في هذا الملف لم يقتصر فقط على تناول الجهود العربية لحل هذه الأزمة، بل تضمن أيضًا مخاوف تتعلق بالتأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية السلبية على المنطقة العربية بشكل عام، فسياسيًا بدأت المنطقة العربية في التأثر بدرجات متعددة بمراحل ومآلات المواجهة الحالية بين روسيا والغرب، خاصة في ظل احتمالات دخول أطراف أخرى -مثل الصين- إلى هذه المواجهة، ونشوء بؤرة صراع جديدة في بحر الصين الجنوبي ومحيط تايوان. أما على المستوى الاقتصادي، فتبدو الضرورة ملحة لبحث كيفية تقليل الآثار التي ستطرأ على إمدادات القمح الواردة من أوكرانيا وروسيا للمنطقة العربية، ناهيك عن تأثر حركة الملاحة الدولية بهذه الأزمة، وبالتالي ارتفاع تكاليف النقل والشحن حول العالم، ومن ثم زيادة أسعار السلع والخدمات. 

تصعيد التعاون وتطوير العلاقات الثنائية

يضاف إلى هذا الملف، ملفات أخرى تم بحثها خلال اللقاءات الثنائية المنفصلة بين الرئيس السيسي وكل من الملك عبد الله والأمير محمد بن زايد، مثل الملف اليمني، الذي كانت مصر في مقدمة الدول المتضامنة مع أبو ظبي والرياض ضد الهجمات الصاروخية الحوثية، وهو التضامن الذي أكدت مصر عليه بشكل عملي خلال زيارة الرئيس السيسي إلى أبو ظبي في يناير الماضي.

المسار السياسي في هذه الأزمة، والذي بدأ في التحرك حثيثًا مع دخول الهدنة الميدانية حيز التنفيذ يتوافق مع الطرح المصري لحل الأزمة اليمنية، وإغلاق باب تستخدمه طهران لضرب الأمن القومي الخليجي في الصميم، والذي يتألف من مسارين، الأول، هو المسار السياسي الذي كانت القاهرة دومًا ترى أنه الخيار الأول والأفضل، وسبق وأن دعمت القاهرة الجهود الدبلوماسية الدولية وجهود سلطنة عمان لبدء مسار سياسي لحل هذه الأزمة، ووقف العمليات القتالية. والمسار الثاني، على المستوى العسكري إذ ترى مصر أنه من الضروري أن تتخذ الإمارات العربية المتحدة وكافة دول الخليج جميع الإجراءات الميدانية اللازمة لحفظ أمنها وسلامة أراضيها، وكذلك ترى أن تعمل الدول العربية مجتمعة على تعظيم قدراتها العسكرية الذاتية ليس فقط بشراء الأسلحة والمنظومات القتالية، بل بالعمل أكثر على زيادة حجم التعاون والتنسيق العسكري بين الدول العربية، وتبادل الخبرات بشكل مستمر في الإطار التدريبي والتصنيعي، عبر المناورات العسكرية المشتركة والتعاون في مجال التصنيع العسكري المحلي. 

التواصل بين أبو ظبي والقاهرة تمتد اتجاهاته إلى الجانب الاقتصادي، وقد تضمنت اجتماعات اليوم لقاء بين الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، مع وفد إماراتي يتقدمه الدكتور سلطان بن أحمد الجابر وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، والذي يشغل أيضًا منصب المبعوث الخاص لدولة الإمارات للتغير المناخي، وهو اجتماع تم فيه بحث تنفيذ مذكرات التعاون الموقعة بين الجانبين في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهو ما سيكون له أثر إيجابي مباشر في تطوير إنتاج الطاقة والأمونيا الخضراء، في ضوء استعداد مصر لرئاسة الدورة القادمة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفق الجانبان على تشكيل فريق عمل مشترك يدعم الفريق المصري الذي يجهز لفعاليات الدورة السابعة والعشرين للمؤتمر، ومن ثم يساعد هذا الفريق فرق دولة الإمارات التي يقوم بتجهيز فعاليات الدورة الثامنة والعشرين من هذا المؤتمر، الذي تستضيفها أبو ظبي العام المقبل.

على الجانب الأردني، يمكن القول إن العلاقات بين القاهرة وعمان توثقت بشكل كبير خلال الفترات القليلة الماضية، خاصة في ظل الرغبة المصرية والعراقية والأردنية في تفعيل مشروع “الشام الجديد”، الذي بدأ تفعيله خلال الزيارة التي قام بها إلى القاهرة في ديسمبر 2020، وفد عراقي – أردني، تصدره وزير النقل الأردني مروان خيطان، ووزير النقل العراقي ناصر حسين، وتعززت هذه الجهود خلال زيارة رئيس الوزراء الأردني إلى مصر في فبراير 2021، وزيارة رئيس الوزراء المصري إلى عمان في مارس من نفس العام. 

التواصل المستمر بين مصر وعمان كان له آثاره على المستوى السياسي والاقتصادي، خاصة وأن الأردن يرغب منذ سنوات في توسيع قاعدة التعاون مع مصر في مجالي الطاقة والتجارة، وهما جانبان أساسيان في استراتيجية (الشام الجديد)، فعمان ترغب في الاستفادة من القدرات المتوفرة لدى مصر في مجال تصدير الكهرباء، من أجل سد العجز الذي تعاني منه في مجال الطاقة، فمصر – حسب البيانات المتوفرة من وزارة الكهرباء – حققت الاكتفاء الذاتي في قطاع الكهرباء منذ عام 2015 وبلغ إنتاجها عام 2019 نحو 58 ألف ميجاوات، وهو ما يفوق استهلاكها بنحو 53% إلى جانب احتياطي يصل إلى 25%، مما جعلها تدخل في دائرة أبرز الدول المصدرة للطاقة الكهربائية وترتبط حاليًا بعقود للربط الكهربائي مع عدة دول عربية منها الأردن وليبيا وفلسطين.

خلاصة القول، تعد القمة خطوة جديدة في مسار آلية مصرية تكرس حركة التواصل المستمر بين مصر ومعظم الدول العربية خاصة دول منطقة الخليج والأردن والعراق. هذه الآلية تزايدت وتيرة حركتها خلال الأشهر الأخيرة وتبدو فيها ملامح حرص القيادة السياسية في مصر على استمرار التواصل مع المحيط العربي، بما يساهم بشكل كبير في تحسين العلاقات العربية – العربية التي شابتها خلال عقود خلت بعض الشوائب والتراكمات التي أثرت على العلاقات بين هذه الدول، وبالتالي أدت إلى ضعف الوضع العربي العام ودخول قوى إقليمية على خط التأثير على حرية القرار العربي عبر وسائل ضغط بالوكالة، مما فاقم من سوء الأوضاع في عدة دول عربية مهمة، وبالتالي يمكن القول إن استمرار تواصل الدول العربية الكبرى سيساهم بشكل فعال في تجنيب المنطقة العربية موجة عاتية قادمة من التأثيرات السلبية الناجمة عن “الزلزال” الذي ضرب شرق أوروبا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى