أفريقيا

إثيوبيا … حين يتحول “الهروب إلى الأمام” إلى سياسة دائمة

ربما كان التعبير الأمثل والأكثر وضوحاً عن الاستراتيجية السياسية التي يتبعها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، هو البيان الذي أصدره حزب “الرخاء” الحاكم في التاسع والعشرين من مايو الماضي، حيث احتوى هذا البيان جملة من الإشارات والمضامين، التي تشبه إلى حد كبير ما كانت بعض الأنظمة الشمولية في أفريقيا وآسيا تستخدمها خلال حقبة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وعلى ضوء هذا البيان يمكن اعتبار أن الاستراتيجية الأساسية لأبي احمد كانت ومازالت “الهروب إلى الأمام”.

البيان السالف ذكره، تعهد من خلاله الحزب الحاكم بإكمال “الطريق” في ملف سد النهضة والانتخابات التشريعية، واتهم دولاً خارجية بدعم الحركات الانفصالية المعارضة على الأراضي الإثيوبية، ضمن ما يرى أنه “مؤامرة” إقليمية ودولية تحاك ضد أديس أبابا، تستخدم فيها المعونات الإنسانية الدولية “كسلاح” للضغط على الحكومة الفيدرالية الإثيوبية (وهنا مفارقة لافتة، حيث لم يلتفت البيان إلى أسباب حدوث أزمات انسانية متفاقمة على الأراضي الإثيوبية).

الحديث هنا عن “المؤامرات الخارجية” ربما يكون مفهوم في ظل الذهنية السياسية العامة لنظام أبي أحمد، الذي كانت رهاناته الداخلية الخاسرة، سبباً أساسياً في الأزمات التي باتت تعصف بالبلاد على كافة المستويات. لكن المفارقة الأكبر هنا ان بيان الحزب الحاكم صنف الأزمات العميقة في إثيوبيا – والتي تتنوع بين الاقتصاد والأمن والسياسة – على أنها “مشاكل داخلية” يمكن حلها بمرور الزمن، وأعطى أولوية الحل لملفي سد النهضة والانتخابات التشريعية، وهنا كان لافتاً لجوء البيان إلى لغة “إقصائية”، تنبذ أية حوارات أو نقاشات داخلية حول الأزمات التي تعيشها إثيوبيا، بحجة ان الأولوية تبقى “لإنقاذ السفينة التي في طريقها للغرق”، وهو تعبير ربما يبدو هو الأقرب لوصف الحالة الإثيوبية المعاشة حالياً.

بتجاهل النظام الحاكم في أديس أبابا لكافة الأزمات الداخلية المتنوعة على أراضي إثيوبيا، وتركيزه على ملفي سد النهضة والانتخابات، يمكن القول بشكل موضوعي وواقعي أن سياسة “الهروب إلى الأمام” باتت سياسة دائمة في إثيوبيا، بدلاً من أن تكون تكتيكاً يتم استخدامها في حالات الضرورة القصوى، وهذا يبرر بشكل كبير النهج الإثيوبي التصعيدي في ملف سد النهضة، وأخر إرهاصات هذا النهج كان الإعلان بشكل منفرد ومخالف لأية أعراف واتفاقيات دولية، عن بدء الملء الثاني لبحيرة سد النهضة. إذن هل أفلح آبي أحمد في استخدام تكتيك “الهروب إلى الأمام” بفعالية، وهل تمكن من حل – او حتى إدارة – الأزمات التي تعاني منها بلاده؟.

منذ محاولة اغتيال أبي أحمد، في يونيو 2018، بعد نحو شهرين فقط من توليه السلطة، ثم تعرضه لمحاولتين انقلابيتين في أكتوبر 2018 ويونيو 2019. أتخذ رئيس الوزراء الإثيوبي سياسة ظن أنها ستسمح له باللعب على أوتار الخلافات المتجذرة بين القوميات الإثيوبية، خاصة قوميات التيجراي والأورومو والأمهرة، بحيث يضمن السيطرة بشكل كامل على هذه القوميات، لكنه بدلاً من أن يتمكن من المحافظة على الاستقرار الداخلي النسبي الذي شهدته البلاد في عهد رئيس الوزراء السابق ميليس زيناوي، أودى بالوضع الداخلي الإثيوبي إلى أغوار سحيقة من التوترات العرقية والمجازر المتبادلة، والأهم من ذلك أنه جعل معظم القوميات الأثيوبية تقتنع بأن الخيار الفيدرالي في إثيوبيا لم يعد هو الخيار الأمثل.

هذه القناعة تكرست بشكل كبير في إقليم تيجراي شمالي البلاد، الذي استشعر منذ منتصف العام الماضي، محاولات أديس أبابا للهيمنة على العرق الذي تولى السلطة في البلاد على مدار العقود الماضية، وقد صعد آبي أحمد من ضغوطه على الإقليم بشكل متزايد، إلى حد انه أقدم على خطوة خطيرة – تعد نظرياً هروب إلى الأمام – لكنها عملياً أدت إلى دخول الجيش الإثيوبي والقوات المساندة لها في أتون معركة استنزاف مستمرة على مدار أشهر عدة، أنتهت منذ أيام بخروج القوات الإثيوبية من كافة المناطق الواقعة وسط وشرق الإقليم، تاركة خلفها آلاف الأسرى الذين ساروا في مشهد معبر في شوارع “ميكيلي” عاصمة الإقليم، وهو مشهد ربما يكون جزء من مسار تقويض فكرة الفيدرالية في إثيوبيا.

في البيان السالف ذكره، تعهد الحزب الحاكم في إثيوبيا بضمان تطبيق القانون في إقليم تيجراي، ومواصلة تقديم الدعم الإنساني للنازحين، وإعادة تأهيل البنية التحتية في الإقليم – علماً ان القوات الفيدرالية هي المسؤولة الأولى عن التدمير الذي طال المرافق المدنية والخدمية في الإقليم – لكن التعامل الانتقامي من جانب وحدات الجيش الإثيوبي مع سكان الإقليم خلال أشهر المعارك، والذي شمل إحراق الأراضي الزراعية واختطاف وقتل اللاجئين، كان سبباً رئيسياً في تعاظم رغبة الإقليم في الانفصال عن الكيان الفيدرالي، وهو ما يعني عملياً تفكك البلاد بالنظر إلى تعدد الدعوات الانفصالية في أقاليم إثيوبية اخرى.

حتى في أثناء انسحاب الوحدات الإثيوبية من الإقليم، قامت بسلب مقرات المؤسسات الإغاثية الدولية، وقتلت نحو اثني عشر من موظفي هذه المؤسسات، ودمرت الجسرين الرئيسيين في الإقليم، وتواصلت هذه الإجراءات حتى بعد انسحاب الجيش الإثيوبي من تيجراي، ما بين منع وصول الرحلات الجوية المدنية إلى مطاري الإقليم، وإغلاق المنافذ البرية المؤدية من إقليمي “عفار” و”أمهرة” إلى تيجراي، وقطع خطوط إمداد الكهرباء والاتصالات الخاصة بالإقليم. هذه التصرفات فاقمت من التدهور الذي باتت تعانيه صورة إديس أبابا على المستوى الدولي، خاصة في ظل استمرار معاناة اللاجئين المتواجدين في تيجراي، حيث حذرت الأمم المتحدة من أن أكثر من 400 ألف شخص داخل الإقليم يواجهون حالياً خطر المجاعة، ويزيد هذا الرقم في تقديرات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ليصبح قرابة 900 ألف شخص.

تبعات التجربة الإثيوبية الفاشلة في إقليم تيجراي – وهي تجربة يمكن اعتبارها تطبيقاً لذهنية آبي أحمد في الهروب إلى الأمام – كانت لها نتائج أكثر عمقاً في الداخل الإثيوبي، منها تكريس الهيمنة الإريترية على القرار السياسي والعسكري في أديس أبابا، بعد أن فتح آبي أحمد الأبواب على مصراعيها لتدخل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، بحجة مساندة الوحدات الإثيوبية في إقليم تيجراي، مقابل فتح الموانئ الإريترية من اجل “سلاح البحرية الإثيوبي”، الذي إعاد آبي أحمد تشكيله مرة أخرى العام الماضي، دون وجود اي ضرورة عسكرية او أمنية له، خاصة في ظل عدم امتلاك إثيوبيا أية سواحل بحرية.

من النتائج الهامة الأخرى في هذا الصدد، كان الإنهاك الذي تعرض لها الجيش الإثيوبي على مدار الأشهر الثمانية الماضية، فقد وجد نفسه فعلياً يقاتل على جبهات مختلفة، ليس فقط في إقليم تيجراي، الذي خسر فيه آلاف من جنوده وكميات هائلة من العتاد العسكري، بل أيضاً على خط الحدود مع السودان، حيث حاول آبي أحمد من خلال إدامة التواجد العسكري الإثيوبي في منطقة “الفشقة” السودانية، الضغط على الخرطوم لتغيير موقفها في ما يتعلق بسد النهضة، لكن كان الرد السوداني حاسماً، باستعادة نحو 90 بالمائة من هذه المنطقة.

القوات الإثيوبية والإريترية تستنزف حالياً أيضاً في إقليم أوروميا المتاخم للعاصمة، حيث تخوض  حرب عصابات مع قوات جبهة تحرير أوروميا، خسرت خلالها أعداد كبيرة من الجنود، وكميات ضخمة من العتاد العسكري، ناهيك عن التوترات العرقية المستعرة حالياً في أقاليم اخرى، باتت بعض مناطقها خارج سيطرة أديس أبابا، مثل إقليم “عفار” وإقليم “صومالي” وإقليم “بني شنقول”. السمة المشتركة بين كافة هذه المناطق هي المجازر العرقية، وهو ما جعل البلاد مثالاً لفوضي السلاح وغياب دولة القانون.

هذا الوضع الميداني المتأزم في إثيوبيا، كان مواكباً للانتخابات العامة السادسة من نوعها منذ إقرار البلاد لدستورها عام 1994، والأولى في عهد رئيس الوزراء الحالي أبي أحمد، والتي تمت في كافة الأقاليم الإثيوبية عدا ثلاثة أقاليم هي إقليم تيجراي “نتيجة للوضع الأمني”، وإقليمي “هرر” وصومالي” اللذان تم تأجيل عقد الانتخابات فيهما إلى شهر سبتمبر المقبل. على الرغم من عدم إعلان النتائج النهائية لهذه الانتخابات بشكل كامل، إلا أن مجريات هذه العملية الإنتخابية وما صاحبها من إجراءات تشي بإن حزب “الرخاء” الحاكم سيحصل على أغلبية الأصوات في العاصمة، وسيتنافس على المركزين الثاني والثالث حزبي “مواطنون من أجل العدالة الاجتماعية” و”Balderas”.

مجريات هذه العملية الانتخابية شابها في المجمل عدد كبير من المشاكل، أكبرها ضعف الإقبال الشعبي على الاقتراع في أقاليم عدة مثل “بني شنقول” و”أوروميا” و”عفار”، علماً أن إقليم اوروميا هو الأقليم الأكبر من حيث عدد الناخبين (أكثر من 14 مليون ناخب). يضاف إلى ما سبق، التضييق الذي مورس على الأحزاب الإثيوبية المنافسة لحزب “الرخاء” الحاكم، خاصة الأحزاب الخاصة بعرقيتي التيجراي والأورومو، مثل حزب جبهة تحرير أورومو، وحزب الكونجرس الفيدرالي للأورومو، وقد لقي مئات المعارضين مصرعهم خلال الأشهر الماضية، ضمن الاشتباكات وأعمال العنف العرقية في عدد من الأقاليم الإثيوبية،.

المفارقة ان هذا الوضع طال أحزابا معارضة قريبة من الحزب الحاكم، مثل حزب “مواطنون من أجل العدالة الاجتماعية”، الذي قٌتل أثنين من مرشحيه في إقليمي أورميا وأمهرة، وقُتل مرشحين اثنين آخرين لحزب “الحركة الوطنية لأمهرة” في منطقة “جوندر” بولاية أمهرة ومنطقة “أسوسا” في إقليم بني شنقول. ناهيك عن اعتقال بعض الذين يحتمل ترشحهم في الانتخابات من الشخصيات المعارضة. وقد أدت هذه الأجواء إلى إعلان عدة مؤسسات وهيئات دولية عزوفها عن مراقبة هذه الانتخابات، على رأسها الاتحاد الأوروبي.

تزايدت حدة الاعتقالات في العاصمة الإثيوبية عقب فقدان الحكومة المركزية سيطرتها على إقليم تيجراي، وشملت بعض العناصر المنتمين لعرقية التيجراي، وكذلك بعض الصحفيين، حيث داهمت قوات الأمن الإثيوبية في الثاني من يوليو الجاري، مكاتب إذاعة “AWLO” في العاصمة، واعتقلت أثني عشر موظفاً من موظفيها، وكذا صحفيين مستقلين أخرين، وهو نهج في ما يبدو انه محاولة لإسكات كافة الأصوات الإثيوبية التي تحاول إثارة الجدل حول هزيمة القوات الفيدرالية الإثيوبية في تيجراي.

كافة ما سبق من تداعيات داخلية، يتم في ظل تزايد مطرد في معدلات التضخم التي يعاني منها الاقتصاد الإثيوبي، في ظل تناقص الثقة الدولية في الإدارة الاقتصادية لأديس أبابا، وهي ثقة تتناقص بشكل تدريجي بفعل عوامل أخرى أهمها النهج الإثيوبي المسيء للقانون الدولي والمؤسسات الدولية سواء في ما يتعلق بإقليم تيجراي أو ملف الانتخابات، أو في ما يخص ملف سد النهضة.

خلاصة القول أن الجبهة الداخلية الإثيوبية باتت الآن في خضم حصاد سياسة “الهروب إلى الأمام”، التي كانت تعتمد على ضرب القوميات العرقية ببعضها البعض، وأصبحت المؤسسة العسكرية الإثيوبية أكثر تشتتاً على المستوى الميداني، بعد أن بات قوس عملياتها يمتد من إقليم تيجراي شمالاً، وصولاً للحدود السودانية وإقليم أمهرة وإقليم بني شنقول وإقليم أوروميا غرباً.

 الأداء الإثيوبي في ملف الانتخابات – أحد الملفين الرئيسيين اللذان تحدث عنهما بيان الحزب الحاكم السالف ذكره – مُنى بفشل ذريع بشهادة المجتمع الدولي، وأصبح نموذج آخر من نماذج الانتخابات التي يتم عقدها في بيئة سياسية شمولية، لكن يبقى ملف سد النهضة هو الورقة الأخيرة المتبقية لدى آبي أحمد كي يسوق للداخل الإثيوبي أنه في صراع من أجل “استقلال القرار الإثيوبي”، وهي ورقة يهرب بها ايضاً إلى الأمام، لكنه فعلياً يضع نفسه في مواجهة دولتين من أهم دول القارة الأفريقية، وبالنظر إلى سجله السابق في استخدام هذا التكتيك، يبدو أن نتيجة هذه المواجهة ستكون مماثلة للمشهد الذي طالعه العالم كله في شوارع “ميكيلي” الأيام الماضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى