الأزمة الأوكرانية

معركة “ازوفستال”…. محاور المرحلة الثانية من العمليات العسكرية في أوكرانيا

بعد أن بدأت بشكل فعلي المرحلة الثانية من العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، صباح التاسع عشر من الشهر الجاري، وهو ما أعلنه بشكل واضح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، وعدد من المسؤولين في كييف، بدأت المحاور الرئيسية والفرعية لهذه المرحلة في الظهور بشكل واضح على المستوى الميداني، رغم أن الزخم البري الروسي لم يدخل مرحلة التحرك الشامل حتى الآن؛ إذ إن التركيز الأساسي كان منصبًا على تنفيذ قصف مدفعي وصاروخي وجوي على طول خط المواجهة الذي يمتد من الشمال الشرقي وصولًا إلى الجنوب الغربي.

خط المواجهة هذا -الذي تغيب عنه بطبيعة الحال المحاور الشمالية التي كانت تستهدف العاصمة كييف- يبدو الهدف الروسي الأساسي من تفعيل العمليات العسكرية فيه هو السيطرة بشكل كامل على كافة المناطق الإدارية التابعة لإقليمي “لوهانسك” و”دونيتسك” -كهدف أساسي ورئيس- بجانب تأمين كامل الساحل الأوكراني على البحر الأسود وبحر آزوف، وهو هدف يبدو ثانويًا على المستوى الظاهري، لكنه في واقع الأمر لا يقل أهمية عن الهدف الأول. الشكل العام لهذا الخط تبدو من خلاله ملامح تطبيق كامل لسيناريو السيطرة على دونباس والساحل، وهو أحد السيناريوهات الميدانية التي كانت مطروحة من قبل.

السمة الأساسية التي يمكن ملاحظتها من متابعة مجريات التحركات الروسية في المرحلة الثانية من العمليات، هي سمة “التعجل” في إطلاق هذه المرحلة، رغم حاجة القوات المشاركة في المرحلة الأولى لوقت أطول لإعادة التنظيم وتجهيز المعدات وتعويضها، وهي مهام تحتاج إلى أسابيع وربما أشهر كي تتم على أكمل وجه.

وهذه النقطة ربما تكون ضمن النقاط التي ترجح رغبة موسكو في استباق الوقت قبل حلول يوم التاسع من شهر مايو المقبل، الذي يصادف ذكرى إعلان انتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية، وهي الذكرى التي تشير بعض التقديرات إلى أن روسيا تستهدف استغلالها لإعلان انتصار “ثانٍ” على النازية، يتمثل في إنهاء كافة أنشطة المجموعات الأوكرانية التي تعتنق هذا الفكر في الجبهتين الجنوبية والشرقية.

حتى الآن، وبعد مرور يومين كاملين على انطلاق المرحلة الثانية من العمليات، ركزت القوات الروسية مجهودها الصاروخي والمدفعي على معظم المحاور القتالية، من “خاركيف” و”إيزيوم” في الشمال الشرقي، مرورًا بالدونباس و”ماريوبول” في الجنوب الشرقي، وصولًا إلى التخوم الجنوبية والشرقية لـ “ميكولايف” في أقصى الجبهة الجنوبية.

وهذا يترافق مع تحركات برية روسية تنتهج نفس تكتيك “الحصار التدريجي”، الذي من خلاله يتم محاصرة أكبر عدد ممكن من عناصر المشاة الأوكرانية في مناطق محددة، والضغط عليهم من أجل التسليم تحت وطأة انقطاع الإمدادات ونفاد الذخيرة. اللافت أن هذا يتم بالتزامن مع استمرار الجهود الروسية لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية المشاركة في هذه العملية، وتأمين الاحتياجات اللوجستية اللازمة من أجل إدامة المجهود القتالي.

الجبهة الجنوبية… ازوفستال والفصل الأخير لماريوبول

يمكن حاليًا وصف الجبهة الجنوبية الأوكرانية بأنها تتألف من نقاط قتال أساسية، تتشكل من مثلث أضلاعه تربط بين مدينة “ماريوبول” شرقًا، ومدينة “زاباروجيا” شمالًا، وغربي “خيرسون” غربًا. فيما يتعلق بالمحور الشرقي، تدخل معركة السيطرة على مدينة “ماريوبول” الساحلية، آخر المعاقل الأوكرانية على بحر آزوف، ساعاتها الأخيرة بانطلاق عملية السيطرة على النطاق الأخير الذي تتمركز داخله كتيبة “آزوف” وعناصر مشاة البحرية الأوكرانية، وهو مجمع “ازوفستال” الصناعي.

بعد انتهاء المهلة التي أعطتها القوات الروسية الموجودة في المدينة، والمعززة بوحدات شيشانية وأخرى انفصالية من إقليم دونيتسك، للجنود الأوكرانيين الموجودين داخل المجمع، للخروج منه وتسليم أنفسهم -ورغم أن القوات الروسية أعطت مهلة ثانية للعناصر الموجودة داخل المجمع- بدأت في السابع عشر من الشهر الجاري، جولات قصف جوي روسية مكثفة على المجمع ومحيطه، تم فيها استخدام القاذفات الأحدث في الترسانة الروسية، وهي قاذفات “سوخوي-34″، التي ألقت عشرات القنابل غير الموجهة من نوع “فاب-500” وصواريخ “Kh-29T” على مباني المجمع الذي يعتقد أنه يضم شبكة واسعة من الأنفاق، استخدمتها القوات الأوكرانية للتحصن والاختباء.

شرعت القوات الروسية في الهجوم على المجمع صباح التاسع عشر من الشهر الجاري، وقد تسبب الصمود النسبي للوحدات الأوكرانية الموجودة في هذا المجمع والشوارع المحيطة به خلال الأسابيع الماضية، وكذلك القوات التي كانت متواجدة في منطقتي “Primorsky” و”Kalmiuuskyi” في تأخير سيطرة الجيش الروسي على كامل المدينة، لكن سرع تأمين موسكو لمنطقة “Kalmiuuskyi” بشكل كامل، ومنطقة “Primorsky” بشكل شبه كامل، من وتيرة العمليات في محيط مجمع ازوفستال. 

القوات المحاصرة داخل المجمع -علمًا أن منطقة “Primorsky”، تتضمن مجمع صناعي يسمى “Illich”، حاول عناصر لواء مشاة البحرية الأوكرانية السادس والثلاثين- كسر الحصار المفروض عليها في وقت مبكر من هذا الشهر، إلا أنه تم أسر عناصر اللواء أثناء هذه المحاولة، التي كتبت نهاية المقاومة الأوكرانية في هذه المنطقة، التي تضم أيضًا ميناء الصيد الرئيس في المدينة، ومحطة كبيرة للحاويات.

محاولة كسر الحصار الروسي شملت أيضًا مجمع “ازوفستال”، حيث حاولت كييف تنفيذ خطة تضمنت تسلل ثلاث مروحيات لنقل الجنود المحاصرين داخل المجمع، لكن تم إحباط هذه المحاولة بعد ان رصدت القوات الروسية المروحية الأولى التي هبطت داخل المجمع ونقلت بعض الضباط منه، فأسقطتها بعد إقلاعها من المجمع. هذه الحادثة دفعت بعض العناصر الأوكرانية في نطاق المجمع إلى الاستسلام، خاصة مع فشل كافة المحاولات التي قام بها الضباط الأوكرانيون للخروج من مدينة ماريوبول، مثل قائد لواء مشاة البحرية الأوكرانية السادس والثلاثين، العقيد فلاديمير بارانيوك، الذي قامت الوحدات الخاصة الروسية بتصفيته أثناء محاولته الخروج من ماريوبول.

إذًا، العمليات الروسية في محور ماريوبول شارفت على الانتهاء، في منطقة تتسم بأبعاد تكتيكية واستراتيجية مهمة، بالنظر إلى أن كييف أعلنت مرارًا انه في حالة سيطرة موسكو بشكل كامل على ماريوبول، فإن هذا سيعني إغلاق اي نافذة ممكنة للمفاوضات مع موسكو. تعد ماريوبول ثاني أهم مدن إقليم دونيتسك، والميناء الأوكراني الرئيس على بحر آزوف. وقد سبق وحاولت القوات الانفصالية في دونيتسك عدة مرات السيطرة على هذا الميناء، منذ عام 2014؛ بهدف تحقيق الاتصال البري بين دونباس وشبه جزيرة القرم، لكن حالت مقاومة القوات الموجودة داخل المدينة دون ذلك. اللافت هو الرغبة الواضحة من جانب القوات الروسية في أسر كافة العناصر الموجودة داخل المجمع، لذا ظلت تتحاشى اقتحامه بشكل مباشر خلال الأسابيع الماضية.

أهمية هذه المدينة لا تقتصر فقط على وجودها المهم على بحر آزوف، ومرافقها البحرية المهمة، بل تكتسب أهمية صناعية كونها تضم مجموعة من أكبر المصانع الأوكرانية، خاصة مجمع “ازوفستال”، الذي يعد أحد أكبر مصانع الحديد والصلب في أوروبا، وهو ما يقتضي أن تفقد كييف نحو 40% من صناعاتها الثقيلة – خاصة الحديد والفولاذ- بسيطرة موسكو على هذه المدينة. إتمام القبضة الروسية على ماريوبول – التي تبعد نحو 55 كيلو متر عن الحدود مع روسيا – يضمن تنفيذ الشق الأول من خطة السيطرة على الساحل الأوكراني، بإنهاء أي وجود لكييف على بحر آزوف، وتبقى الأنظار مسلطة على المحور الغربي، ساحل البحر الأسود، وكذلك النقطة الثالثة في مثلث الجبهة الجنوبية وهي “زابوريجيا” شمال الجبهة

تبدو العمليات الروسية في شمال الجبهة الجنوبية أقل وتيرة من بقية المحاور، مع وجود احتمالات لتفعيل العمليات في هذا المحور لمنع أية هجمات اوكرانية محتملة، تركز موسكو بشكل أكبر على المحور الغربي في هذه الجبهة، وهو محور غرب “خيرسون”، حيث بدأت في تجديد المحاولات السابقة للسيطرة على مدينة “ميكولايف”، والتحرك أكثر نحو الغرب في اتجاه الهدف المحوري على ساحل البحر الأسود، مدينة “أوديسا”. لذا بدأت وحدات المشاة الروسية معززة بالقصف الصاروخي والجوي، في التحرك نحو ميكولايف لإعادة حصاره.

وذلك من محورين الأول جنوبي والثاني شمال شرقي، وهذا المحور تحاول فيه القوات الروسية تأمين الوجود الروسي في منطقة خيرسون، ومنع أية محاولات أوكرانية لتنفيذ هجمات مضادة. جدير بالذكر أن الوحدات الخاصة الروسية نفذت خلال الأيام الماضية عدة عمليات تمشيط وتفتيش في منازل منطقة خيرسون، بحثًا عن أي عناصر تابعة للجيش الأوكراني، وصادرت كمية من الأسلحة والذخائر داخل أحد الأبنية.

الجبهة الشرقية والشمالية الشرقية … التركيز الروسي في هذه المرحلة

تبدو الجبهة الشرقية هي موضع الزخم القتالي الأساسي للقوات الروسية في المرحلة الثانية من عملياتها في أوكرانيا؛ نظرًا لأنها تضم كامل إقليم دونباس، الذي تعد السيطرة عليه الهدف الأساسي للقوات الروسية في هذه المرحلة. تنقسم العمليات في هذه الجبهة إلى عدة اتجاهات هجومية على طول خط المواجهة من “إيزيوم” شمالًا نزولًا إلى “دونيتسك” جنوبًا. بدأت القوات الروسية في استئناف تحركاتها السابقة جنوب مدينة “إيزيوم”، في إعادة لمحاولات سابقة كانت تستهدف النزول جنوبًا للالتقاء مع القوات الانفصالية في مدينة “دونيتسك”، وإحكام الحصار على القوة الأوكرانية الرئيسية التي تقاتل في دونباس.

تهاجم القوات الروسية حاليًا مدينة “سلافيانسك” جنوب مدينة إيزيوم، بالتزامن مع تحركات للقوات الانفصالية المعززة بالقوات الروسية من الشمال والجنوب نحو مدينة “سفيرودونيتسك” ومدينة “بوباسنا” الواقعة جنوبها، وكذلك تحركات أقل وتيرة شمال مدينة دونيتسك، نحو مدن “أفاد فيكا” و”بيسكي” و”مارينكا”. تضاف إلى تحركات أخرى جنوبها، في اتجاه الشرق، لتدعيم العمليات الروسية في الجبهة الجنوبية. 

جدير بالذكر هنا أن القوات الأوكرانية الموجودة على طول خط المواجهة في دونباس، نفذت منذ عدة أيام محاولة لبدء هجوم مضاد في محور مدينة “إيزيوم”، عبر هجوم بري ودعم جوي من ثلاث قاذفات من نوع “سوخوي-25″، لكن تم إحباط الهجوم من جانب القوات الروسية، وتوثيق إسقاط قاذفة واحدة على الأقل من القاذفات الثلاث.

الجبهة الشمالية الشرقية تضم محورًا وحيدًا، وهو محور مدينة “خاركيف”، التي حاصرتها القوات الروسية جزئيًا خلال المرحلة الأولى من العمليات، ويبدو المجهود الروسي في هذه الجبهة مخصصًا لإجبار القوات الأوكرانية على تخصيص جزء من مجهودها الحربي لصالح هذه الجبهة وبعيدًا عن دونباس، خاصة وأن مستوى التحركات الروسية يظهر منه التحول لإعادة فرض حصار جزئي على المدينة، عبر التحرك شمالها وشرقها، وفي منطقة “تشيرنيهيف” جنوبها.

مرحلة جديدة من الدعم العسكري الغربي لكييف

تتجه استراتيجية القوى الغربية فيما يتعلق بالأسلحة المقدمة إلى أوكرانيا، حثيثًا نحو مستوى أعلى من الدعم، يتعدى المرحلة السابقة التي كانت الصواريخ الكتفية المضادة للطائرات والدبابات هي المحور الأساسي فيها. المرحلة الجديدة تتضمن على ما يبدو الانتقال إلى ناقلات الجند المدرعة وعربات القتال المدرعة، وربما في مرحلة لاحقة دبابات القتال الرئيسية، بحيث يتم تعويض الخسائر الأوكرانية في المدرعات والدبابات.

وفي نفس الوقت، اتخاذ هذا المنحى كورقة تصعيدية ضد روسيا، يتم من خلالها إرسال رسائل تؤكد على استمرار الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا وتصاعده، وهي رسائل تبقى في دائرة المواجهات الدعائية، بالنظر إلى عدم وجود قيمة عملياتية حقيقية لما تم الإعلان عن تقديمه لأوكرانيا في هذا الإطار.

فقد طلبت كييف بشكل رسمي من الدول الأوروبية، تزويدها بدبابات قتال رئيسية وعربات مقاومة للألغام وناقلات جند مدرعة، فطلبت من برلين تزويدها بناقلات جنود مدرعة من نوع “ماردر”، وهو طلب لم يلق تجاوبًا من جانب ألمانيا التي فضلت تزويد كييف ببدائل أقل حداثة، حيث وافق مجلس الأمن الفيدرالي الألماني مؤخرًا على تزويد الجيش الأوكراني بثمانية وخمسين عربة قتال مدرعة من نوع “PBV-501″، التي تعد نسخة من عربات القتال المدرعة سوفيتية الصنع “بي ام بي-1″، كانت تخدم ضمن وحدات الجيش في ألمانيا الشرقية، ومن ثم انتقلت إلى الخدمة في الجيش الألماني عقب توحيد شطري ألمانيا أوائل التسعينيات، وتم بيعها لاحقًا إلى الجيش السويدي عام 1997.

بعد ذلك منح الجيش السويدي إحدى الشركات التشيكية، عقدًا بقيمة 25 مليون دولار، لإعادة تأهيل 350 عربة من هذه النسخة، بحيث تتوافق مع معايير حلف الناتو، وتم هذا بالفعل بين عامي 1998 و2001، لكن تبقى لدى الشركة التشيكية نحو 58 عربة من هذه النسخة، حاولت بيعها للجيش الأوكراني عام 2019، لكن رفضت برلين حينها الموافقة على هذه الصفقة، وهو ما حدث عكسه تمامًا بعد ذلك، وهذا يعتبر من آثار التغيرات الجذرية التي طرأت في العقيدة العسكرية الألمانية.

هذا القرار -رغم دلالته- لا يمثل إضافة معتبرة للجيش الأوكراني، بالنظر إلى أن تسليح هذا النوع من العربات يعتمد على مدفع عديم الارتداد من عيار 73 ملم، وحقيقة أن الجيش الأوكراني يمتلك بالفعل نسخًا أخرى من عربات “بي ام بي-1” السوفيتية. المساهمة الألمانية في مساعدة كييف عسكريًا، لم تقتصر على هذا فحسب، بل وضعت على عاتقها تزويد أوكرانيا بالذخيرة والتدريبات اللازمة على استخدام مدافع الهاوتزر الذاتية الحركة ألمانية الصنع “بي زد أتش-2000″، التي سترسلها هولندا -بموافقة ألمانية- إلى أوكرانيا.

أستراليا من جانبها، استجابت لمناشدة رئيس الوزراء الأوكراني فلوديمير زيلينكسي، تزويد بلاده بعربات مدرعة مقاومة للألغام، ووافقت على إرسال عدد غير محدد من عربات القتال المقاومة للألغام “بوشماستر”، التي تنتجها بشكل مشترك كل من شركة “تاليس أستراليا” و”أوشكوش” الأمريكية، وبدأت أستراليا في التفكير في تصنيعها أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن أثارت وزارة الدفاع الأسترالية مسألة احتمال إنزال قوات معادية على الشواطئ الأسترالية الشمالية، وبالتالي طالبت بضرورة وجود عربات مدرعة قادرة على الحركة بشكل سريع لنقل الجنود بشكل آني لمحاصرة أي اختراق من هذا النوع.

تمتلك أستراليا نحو 1000 عربة من هذا النوع، وقد ذكر رئيس الوزراء الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال خطابه أمام البرلمان الأسترالي هذا النوع بشكل محدد، وإن كان هذا قد تم في إطار طلبات لأنواع أخرى من الأسلحة والمنظومات القتالية. وقد تجاوبت أستراليا بشكل سريع مع الطلب الأوكراني. 

بشكل عام يمكن للجيش الأوكراني استيعاب هذه العربات وتشغيلها بشكل سريع، خاصة أن أوكرانيا تقوم بإنتاج أنواع مماثلة من العربات المدرعة، فضلًا عن أن جيوشًا أقل خبرة من الجيش الأوكراني -مثل فيجي وجامايكا- تقوم بتشغيلها واستخدامها.

بالنسبة للدبابات، تبدو الدول الأوروبية حذرة فيما يتعلق بتزويد أوكرانيا بها، وإن كانت تقارير عدة ترجح نقل جمهورية التشيك ودول أخرى دبابات سوفيتية الصنع إلى أوكرانيا، لتعويض الخسائر الناجمة عن المعارك الأخيرة، خاصة ناقلات الجند المدرعة “بي ام بي-1” ودبابات “تي-72”. أما فيما يتعلق بالطائرات المقاتلة، فقد صدر الأسبوع الجاري تصريح مفاجئ من جانب المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، تحدث فيه عن تسلم كييف عدد من الطائرات المقاتلة، جعل إجمالي ما تمتلكه حاليًا منها أكبر مما كان الحال عليه قبل أسبوعين. 

وقد أعاد هذا التصريح إلى الأذهان الاقتراح البولندي السابق حول منح كييف مقاتلات “ميج-29” السوفيتية، وهنا لابد من أن نذكر أن رومانيا -التي أوقف سلاحها الجوي تشغيل مقاتلات “ميج-21” السوفيتية- بدأت في التفكير جديًا في منح كييف هذه المقاتلات، أملًا في أن تحصل على مقاتلات أمريكية حديث بدلًا منها.

الولايات المتحدة الأمريكية من جانبها وسعت بشكل أكبر مروحة مساعداتها العسكرية المقدمة لأوكرانيا، حيث أعلنت هذا الأسبوع عن توريد أسلحة وذخائر إلى أوكرانيا بقيمة 800 مليون دولار، تتضمن لأول مرة ثمانية عشر قطعة مدفعية ميدان من نوع “أم-777″، مع ذخائرها، بجانب رادارات للرصد الأرضي والجوي. 

المثير للاهتمام في هذه الوجبة من المساعدات العسكرية -بجانب تضمنها قطع مدفعية ثقيلة- أنها تشمل إحدى عشر مروحية سوفيتية الصنع من نوع “مي-17″، كانت الولايات المتحدة قد اشترتها لصالح الجيش الأفغاني، كما تشمل هذه الوجبة مائتي ناقلة جند مدرعة من نوع “إم-113″، ومائة عربة عسكرية من نوع “هامفي”، بجانب 500 صاروخ مضاد للدروع من نوع “جافلين”، وثلاثمائة ذخيرة جوالة من نوع “سويتش بلايد”.

عمليات تدريب القوات الأوكرانية دخلت أيضًا مرحلة جديدة بعد أن تم تعليقها قبيل بدء المرحلة الأولى من العمليات العسكرية الروسية، فقد أعلنت واشنطن انها ستستأنف عمليات التدريب، لكن ستتم هذه العمليات خارج أوكرانيا، وقد تكون دول مثل بولندا او التشيك هي مستضيفة هذه التدريبات، التي ستشمل تدريب وحدات المدفعية الأوكرانية على استخدام قطع المدفعية الأمريكية الجديدة. هذا يترافق مع وصول تعزيزات أمريكية جديدة إلى ليتوانيا، تتضمن جنود ومدفعية ذاتية الحركة.

بريطانيا هي الأخرى، وعلى لسان وزير قواتها المسلحة، جيمس هيبي، أعلنت عن وصول دفعة من الجنود الأوكرانيين إلى لندن الأسبوع القادم، للتدريب على استخدام العربات المدرعة، علمًا بأن بعض الضباط الأوكرانيين، صرحوا للصحافة البريطانية أن ضباطًا بريطانيين استأنفوا بالفعل تدريب الجنود الأوكرانيين على الأراضي الأوكرانية. 

جدير بالذكر أن بريطانيا تبحث تزويد كييف بعدة أنظمة قتالية نوعية، من بينها صواريخ مضاد للسفن، مثل صواريخ جو-أرض الموجهة بالليزر “بريمستون”، التي تبحث بريطانيا تثبيتها على منصات ذاتية الحركة. يضاف إلى هذا نسخ ذاتية الحركة من أنظمة الدفاع الجوي “ستار سترايك”، وهي الأنظمة التي زودت لندن كييف بمنصات ثابتة لها خلال الأسابيع الماضية.

ملف صواريخ “بريمستون” يمكن الربط بينه وبين طلب كييف من واشنطن، تزويدها بطائرات هجومية بدون طيار من نوع “إم كيو-9 ريبر”، التي تستطيع حمل هذا النوع من الصواريخ، وقد تم بحث ملف هذه الطائرات ضمن لقاء جمع مسؤولين أوكرانيين الأسبوع الماضي مع ممثلين عن شركة “جنرال أتوميكس” المنتجة لهذه الطائرات، التي سيشكل دخولها للخدمة في الجيش الأوكراني، نقلة تصعيدية في التسليح النوعي لكييف. 

يضاف كل ما سبق إلى ما أعلنته بعض الدول الأخرى، من مخصصات مالية وعينية على المستوى العسكري، لدعم كييف، من بينها كوريا الجنوبية التي تعتزم تقديم مساعدات بقيمة تقترب من 2 مليار دولار، والنرويج التي قدمت مائة صاروخ مضاد للطائرات إلى كييف.

خلاصة القول، إنه وبالتزامن مع بدء المرحلة الثانية من العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، بدأ تصاعد واضح لكم ونوع المساعدات العسكرية الغربية المرسلة إلى كييف، وهو ما يحمل في طياته احتمالات جدية لإطالة أمد هذا النزاع، واحتمالات أخرى لتوسعه خاصة في ضوء الأدوار المتزايدة لدول جوار أوكرانيا في دعم المجهود العسكري لكييف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى