تركيا

“أردوغان في أماسيا”… خطاب غير واقعي يكرس الانفصال عن الحاضر

عدة رسائل خارجية حملها خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي ألقاه عبر الفيديو خلال حفل تدشين طريق سريع جديد، في ولاية أماسيا شمالي تركيا.  في الواقع، لم يتناول هذا الخطاب الحدث الأساسي الذي تم من أجله إقامة هذا الحفل وهو تدشين الطريق الجديد سوى بجزء يسير، في حين كان تركيز أردوغان الأكبر هو في تعداد مناقب إدارته للبلاد، وكيفية تحول بلاده داخليًا وخارجيًا إلى قوة عظمى تهابها الدول الأخرى، في تكريس جديد للانفصال الذي يعانيه أردوغان عن الواقع المعاش في تركيا داخليًا وخارجيًا.

بدأ أردوغان خطابه بتهنئة أهالي المدينة التي تقع شمال البلاد قرب ساحل البحر الأسود على تدشين الطريق الدائري الذي يمر عبر الجانب الغربي للمدينة، ويبلغ طوله نحو 11.3 كيلو متر، وعدد أردوغان في هذه الفقرة من خطابه، مميزات هذا الطريق، الذي حسب قوله يقطع مسافة كانت تستغرق في السابق نصف ساعة في سبع أو ثماني دقائق فقط الآن، مما سيوفر 110 مليون ليرة سنويًا من الوقود.

لكن لم يأتِ أردوغان في هذه الفقرة على ذكر مشكلة ارتفاع أسعار البنزين والمشتقات النفطية في بلاده، فحسب بيانات نقابة أصحاب محطات الوقود التركية رفعت الحكومة التركية منذ السادس عشر من مايو الماضي سعر اللتر الواحد من وقود الديزل والبنزين، ستة مرات متتالية، آخرها كان أوائل الشهر الماضي، وفيها تم رفع سعر لتر البنزين بمعدل 37 قرشًا للتر الواحد، ولتر الديزل بمعدل 32 قرشًا للتر الواحد.

هذه الزيادات طالت حتى السيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي، حيث رفعت الحكومة التركية في الثالث من الشهر الماضي، سعر المتر المكعب من الغاز المسال بمعدل 19 قرشًا للمتر المكعب الواحد. 

بعد ذلك تحدث أردوغان عن المشاريع الأخرى التي قامت حكومته بها في هذه المدينة، التي تشتهر بأنها مدينة (الشهزادة) أو مدينة الأمراء العثمانيين، مثل تمديد الطريق الداخل إلى المدينة، من 29 كيلومترًا إلى 270 كيلومترًا، وزيادة سعة المسافرين في مطار مرزيفون بمعدل 12 مرة خلال عامين فقط. لكن الحقيقة هي أن القطاع السياحي التركي الذي تُعدُّ مدينة أماسيا جزءًا أصيلًا فيه يسير في منحدر هابط منذ سنوات.

فقد أظهرت بيانات وزارة السياحة التركية في مارس 2019 تراجع أعداد السائحين الزائرين للبلاد بنسبة 8.12%، مقارنة بالشهر نفسه من عام 2018. وهذا العام، أظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي تراجع إيرادات السياحة التركية في الربع الأول من العام الحالي، بنسبة 11.4%، علماَ بأن القطاع السياحي التركي كان يوفر للخزينة العامة في أنقرة حتى عام 2018، نحو 32 مليار دولار.

وقد كانت مفارقة لافتة أن يأتي أردوغان على ذكر الإنترنت وأحواله في بلاده، فتفاخر في هذا الخطاب بقدرة حكومته على زيادة أعداد المشتركين في خدمات الإنترنت المنزلي بمدينة أماسيا الذين وصل عددهم الإجمالي إلى 329 ألف مشترك، يتوقع أردوغان أن تتحسن الخدمات المقدمة أليهم أكثر، بعد الانتهاء من مد كابل للألياف الضوئية، يبلغ طوله 2000 كيلو متر. 

المفارقة هنا، أن هذا الخطاب يأتي بالتزامن مع تقديم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بمعية أحزاب أخرى موالية مثل حزب الحركة القومية مشروع قانون في البرلمان التركي يدعم تشديد سيطرة الحكومة التركية على الإنترنت بصفة عامة، ومواقع التواصل الاجتماعي بصفة خاصة. ويحتوي هذا القانون على عشرات البنود المقيدة لحرية التعبير والتصفح في الشبكة العنكبوتية، منها ضرورة استجابة الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي لطلبات إزالة المحتوى الذي يراه المسؤولون الأتراك غير قانوني، وذلك في غضون 48 ساعة، أو مواجهة غرامة تصل إلى أربعة ملايين دولار. يضاف إلى ذلك اقتراح بتخزين البيانات الشخصية الخاصة بمستخدمي هذه المواقع من تركيا، على الخوادم المحلية، مما يسمح للسلطات بملاحقتهم والقبض عليهم.

جدير بالذكر، أنه وفقًا لوكالة (بلومبرج) الأمريكية، تحتل تركيا المرتبة الرابعة عالميًا، ضمن أكثر الدول تقييدًا لحرية تصفح مواطنيها للمواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت، وقد سبق وحجبت حكومة أردوغان عام 2014 موقعي تويتر ويوتيوب بعد نشر تسجيلات صوتية تشير إلى تورط أردوغان والدائرة المحيطة به في قضايا فساد.

مؤخرًا، وتحديدًا في نهاية مارس الماضي، أعلنت وزارة الداخلية التركية أنه تم اعتقال نحو 2000 من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب (منشوراتهم المستفزة) على هذه المواقع بشأن التعامل التركي الحكومي مع انتشار جائحة كورونا. كما تم منح المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون التركي سلطة تنظيم ومراقبة المنصات عبر الإنترنت، بما في ذلك المسلسلات على منصات التلفزيون الرقمي، والبث الإخباري على “يوتيوب” ومنصات التواصل الاجتماعي التي تقدم الأخبار بشكل منتظم، وقررت إدارة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات التابعة لهذا المجلس منع تصفح الأتراك لموقع ويكيبيديا.

بعد ذلك، عرج أردوغان في خطابه على ما رأى أنه (أعلى مستوى من الخدمات الصحية)، قدمته حكومته خلال مكافحتها لجائحة كورونا، علمًا بأن تركيا التي تعدى عدد المصابين فيها 225 ألف مصاب، مازالت تسجل يوميًا ما بين 900 إلى 1000 إصابة، رغم إعلان الحكومة التركية الشهر قبل الماضي سيطرتها على الجائحة، لكن أثبتت الوقائع أن الحكومة قلصت من عمليات الفحص والتحليل، وجعلتها قاصرة على من تظهر عليه أعراض واضحة ومكتملة، لهذا عادت بعض المناطق لتكون بؤرة لهذه الجائحة، مثل منطقة ديار بكر التي تم فيها الكشف هذا الشهر عن إصابة 200 عامل بأحد مصانع النسيج في المنطقة الصناعية بالمدينة.

حديث أردوغان عن جائحة كورونا، تبعته إشارة منه للنهوض الاقتصادي الذي حققته بلاده مؤخرًا، وفي هذا مغالطة كبرى لا تخفى على أحد داخل تركيا وخارجها، فالاقتصاد التركي يعيش منذ أغسطس 2018 في أزمة طاحنة طالت قيمة الليرة التركية، وهي أزمة أثرت على كافة قطاعات الاقتصاد التركي مثل العقارات والسياحة، بجانب القوة الشرائية للمواطن التركي، في حين ارتفعت الأسعار ونسب التضخم، وتراجع تصنيف المؤسسات المالية الدولية لقدرة الاقتصاد التركي ومدى قوته. وهذا في مجموعه أدى إلى دخول الاقتصاد التركي في حالة الركود التضخمي التي فيها ترتفع أسعار السلع الاستهلاكية وتنخفض مقابلها بشكل سريع القوة الشرائية المتوفرة للمواطن.

ولا أدل على ذلك من بيانات البنك المركزي التركي الصادرة في مايو الماضي، التي أوضحت أن الأصول الاحتياطية الرسمية للبنك قد انخفضت في أبريل الماضي، بنسبة 6.3% بالمائة، وارتفع عجز ميزان المعاملات الجارية التركي إلى 4.92 مليار دولار في مارس الماضي، بسبب زيادة العجز التجاري وانخفاض الدخل السياحي، كما سجل الرصيد النقدي للحكومة التركية عجزًا قيمته 1.4 مليار دولار في مايو الماضي.

وفي إشارة إلى الوجود التركي في العراق وسوريا وليبيا، أكد أردوغان في خطابه أن بلاده ليست لها أية أطماع في أراضي وثروات أي دولة خارجية، وهذا أيضًا تخالفه الوقائع، فإذا نحينا جانبًا عمليات تهريب الوقود والمواد الغذائية من الأراضي السورية في اتجاه تركيا، والتي وصلت لدرجة تفكيك المصانع السورية ومحطات الكهرباء وآخرها محطة زيزون الحرارية في محافظة إدلب، التي فككتها الفصائل الموالية لتركيا، ونقلتها إلى الداخل التركي. إذا ما وضعنا هذا جانبًا، سنجد أن التدخل التركي في الملف الليبي، يستهدف بشكل أساسي إيجاد موطئ قدم لتركيا في ملف غاز شرق المتوسط، الذي تلقت فيه أنقرة ضربات موجعة، بجانب الاستفادة من النفط الليبي، والفرص الاقتصادية الكبيرة التي يوفرها السوق الليبي، للمنتجات والشركات التركية.

ليس هذا فحسب، بل تشير الوقائع، إلى أن أنقرة قد بدأت في تلقى الأموال الليبية، منذ أوائل العام الجاري، حيث وقعت أنقرة مذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق حصلت بموجبها على نحو 2.7 مليار دولار كتعويض عن المشروعات التركية المتوقفة في ليبيا، مقسمة على النحو التالي، خطاب ضمان بقيمة مليار دولار، بجانب تعويض عن المعدات والآلات التركية المتضررة تبلغ قيمته 500 مليون دولار، إضافة إلى مبلغ 1.2 مليار دولار فوائد ديون غير مسددة.

هذه المبالغ، تم بالفعل تسديدها من جانب حكومة الوفاق، لتنضم إلى نحو أربعة مليارات دولار هي قيمة الأرصدة الليبية المجمدة في البنوك التركية منذ عام 2011، ومن ضمنها حصص للبنك المركزي الليبي في البنوك التركية. لم تكتفِ أنقرة بذلك، بل تلقت مؤخرًا ما مجموعه 28 مليار دولار على الأقل، من الأموال الليبية، وذلك خلال ثلاثة اجتماعات متتالية، جمعت بين محافظ البنك المركزي الليبي، الصديق الكبير، وبين الرئيس التركي أردوغان، وصهره بيرات البيرق، خلال الفترة ما بين 26 يونيو و1 يوليو.

تم الاتفاق على تحويل ودائع ليبية في أوروبا تبلغ قيمتها ثمانية مليارات دولار إلى البنك المركزي التركي من أجل دعم الليرة التركية، خاصة وأن هذه الودائع تم إيداعها في تركيا، بدون فائدة، ولمدة أربعة سنوات كاملة. كما تم الاتفاق أيضًا على تلقى أنقرة مبلغ 20 مليار دولار تخص غرامات حكم بها القضاء التركي، نتيجة لعدم تنفيذ التعاقدات التي تم الاتفاق عليها في الفترة ما قبل عام 2011. 

ويتوقع أن تحصل أنقرة على مزيد من الأموال الليبية، بعد أن تمت مناقشة هذا الملف، خلال الزيارة الأخيرة لرئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، ورئيس البنك المركزي الليبي.

اختتم أردوغان خطابه بالحديث عن الوضع الإقليمي، فقال إن بلاده باتت الآن بلدًا يريد الجميع التعاون معه، وأن كافة الخطوات الخارجية التي اتخذتها حكومته من أجل حفظ (حقوق تركيا السيادية)، هي خطوات محترمة من جانب المجتمع الدولي. ما قاله الرئيس التركي، يعاكس تمامًا الوضع الجيوسياسي المحيط بأنقرة، فالدول القريبة والمحيطة بها، مثل أرمينيا واليونان وقبرص وفرنسا وألمانيا على خلافات عميقة مع النظام التركي بسبب قضايا أساسية مثل الملف الليبي والقضية القبرصية وجزر بحر إيجة وملف ناجورنو كاراباخ، ناهيك عن العقوبات العسكرية، التي فرضتها بعض الدول على أنقرة، على خلفية شن الأخيرة عملية (نبع السلام)، شمالي سوريا، في أكتوبر 2019، منها السويد وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وهولندا وبريطانيا وفنلندا والنرويج والولايات المتحدة.

كما أن ملف شرق المتوسط وضع أنقرة في مواجهة مع كافة دول ساحل شرقي المتوسط، مثل مصر وإيطاليا واليونان وقبرص وإسرائيل، نظرًا لعدم اعتراف تركيا بالجروف القارية والحدود البحرية الدولية للجزر اليونانية. وبالتالي وصلت أنقرة إلى خانة باتت فيها معزولة إقليميًا ودوليًا، ومنخرطة في كم كبير من النزاعات الدولية. 

لم يخلُ خطاب أردوغان من لهجة تصعيدية، حين أبدى استعداده لمواجهة الدول التي تعارض سياساته التوسعية والعدوانية في المنطقة، لكنه يعلم يقينًا أن ما يريد فعله في منطقة الشرق الأوسط من المستحيل أن يتم القبول به إقليميًا ودوليًا، خاصة في ظل وجود تكتلات أساسية مثل منتدي غاز شرق المتوسط، وفي ظل وقوف دول أساسية في المنطقة مثل مصر وفرنسا واليونان في وجه الأطماع التركية التي لا تضع أي وزن للقوانين الدولية.

ولعل المجتمع الدولي بات الآن، وعلى ضوء ملف (آيا صوفيا)، على دراية تامة بأن العالم ربما يكون على موعد مع استنساخ جديد لأحد أقطاب النازية والفاشية الذين أدى السكوت على أفعالهم وخططهم في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي إلى حرب عالمية مدمرة، راح ضحيتها ملايين البشر، من كافة الجنسيات والأديان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى