تركيا

المستشار الأكاديمي للمركز المصري: الحديث التركي عن مصالحة مع مصر مجرد وهم مؤقت

خلال مشاركته في حلقة الليلة من برنامج (بانوراما) على شاشة قناة العربية، تناول المستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية الدكتور محمد مجاهد الزيات أسباب ومغزى التصريحات التركية الأخيرة الهادئة والمهادنة على غير العادة حيال مصر والعلاقات معها، وما إذا كانت هذه التصريحات تعبر عن توجهات تركية حقيقية نحو التهدئة مع مصر، أم أنها مناورة جديدة من مناورات الرئيس التركي.

جاءت مداخلات الدكتور الزيات خلال هذه الحلقة، في سياق الرد على تحليلات المشاركين الأخرين فيها، وهما المحلل السياسي التركي سمير صالحة، ومن الكويت الدكتور سلطان الأصقة، المتخصص في التاريخ الحديث.

تركزت مداخلات الدكتور الزيات خلال هذه الحلقة، في الرد على بعض النقاط والتصريحات التي صدرت عن الجانب التركي خلال الفترة الماضية، وعبر المحلل السياسي التركي صالحة، ومنها نقطة تتعلق بعرض تركيا مبادرات للتهدئة على مصر، حيث نفى الدكتور أن ما تم تقديمه كان (مبادرات)، بل كانت شروط حاول الرئيس التركي فرضها على مصر، وأضاف “وصف أردوغان ثورة الثلاثين من يونيو بأنها انقلاب، وطالب بعودة الرئيس المخلوع مرسي للحكم مرة أخرى، ورحيل الإدارة المصرية والرئيس المنتخب وكل أركان النظام السياسي الحالي، وبالتالي هذا لا يمكن اعتباره مبادرة تستهدف التصالح وتحسين العلاقات، ناهيك عن أن أنقرة استمرت في إيواء شخصيات وكوادر معارضة للدولة المصرية، واستمرت في دعم العناصر الإرهابية وعملياتها على الأراضي المصرية”.

عطف الدكتور الزيات بعد ذلك على نقطة أخرى أثارها المحلل التركي، وهي ادعائه أن القاهرة تستضيف عناصر محسوبة على محاولة الانقلاب العسكري المزعوم في تركيا، وأكد الدكتور أنه لا يوجد على الأراضي المصرية أية قيادات تنتمي إلى حركة (الخدمة) أو ما يعرف بحركة (فتح الله جولن)، ولكن يوجد في مصر مدرستان أقيمتا طبقًا لقوانين ولوائح وزارة التربية والتعليم، ولهما مجلس أمناء يحرص على التزامهما المستمر بالقوانين المصرية، والغرض الأساسي من إنشائهما هو الاستثمار في قطاع التعليم المصري لا أكثر ولا أقل.

وأضاف الدكتور الزيات أنه يوجد في القاهرة أيضًا مقر لجريدة تعنى بالشأن الثقافي تسمى (حوار)، لا علاقة لها بتناول الشأن السياسي التركي، ولا يمكن اعتبارها وسيلة إعلام مضادة لنظام الحكم التركي، لأن مصر حريصة حتى الآن على عدم حدوث ذلك كي لا تتهم بأنها تستضيف أوساطًا تركية معارضة، مع العلم أنها تمتلك القدرة على فتح الباب واسعًا لهذه المعارضة في حال رغبت في ذلك.

وفي معرض الرد على سؤال حول مدى الجدية التي تتسم بها التصريحات التركية الأخيرة حيال مصر، وما إذا كانت مؤشرًا على توجهات جديدة للتهدئة مع القاهرة اعتبر الدكتور الزيات أن الرئيس التركي أردوغان ومنذ وصوله إلى سدة الحكم عام 2002 استخدم أسلوبًا تخدم فيه تكتيكات متعددة لتحقيق  استراتيجية واحدة وموحدة، فهو يستهدف بشكل أساسي إعادة تكوين الإمبراطورية العثمانية الكبرى، وبدأ أولًا بمحاولة السيطرة على مصر، التي اعتبرها بمثابة (الجائزة الكبرى)، لكن بعد أن فشل مشروعه في مصر، وتمت إزاحة جماعة الإخوان عن الحكم، تعرض مشروعه الأساسي لهزة كبيرة، دفعته إلى إعلان العداء الواضح بينه وبين التوجهات السياسية المصرية الحالية.

وأضاف الدكتور الزيات في هذا الصدد “اليوم يطرح أردوغان خطابه الهادئ اللهجة هذا، دون أن يغير بشكل جذري طريقة الطرح أو الألفاظ المستخدمة فيه، فهو لم يوجه الحديث بصورة مباشرة إلى رئيس الدولة التي يعنيها، وهو الرئيس عبد الفتاح السيسي، لذلك أنا أرى أن لهجته هذه الذي يحاول من خلالها تخفيض التصعيد هي لهجة تم إجباره عليها بفعل الضغوط الشديدة التي يتعرض لها في عدة ملفات، على رأسها ملف شرق المتوسط”.

بعد ذلك انتقل المستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية للحديث حول نقطة بالغة الأهمية تتعلق بما تداولته الأوساط التركية وعلى رأسها الرئيس أردوغان خلال الأيام القليلة الماضية بشأن (مباحثات مزعومة) بين أجهزة المخابرات المصرية والتركية، وقال “أؤكد أن هذه الأنباء المتداولة غير صحيحة، وما حدث تحديدًا كان تبادلًا للرسائل بين الجانبين، إذ أرسل الأتراك رسالة تطالب بفتح باب التعاون الأمني والاستخباراتي مع مصر، وكان رد القاهرة “إن كنتم تريدون ذلك حقًا فيجب أولًا تنفيذ عدة إجراءات، منها تزويدنا بقوائم أسماء العناصر الإرهابية الذي يتحركون ما بين الأراضي التركية وسيناء، وتسليمنا كافة العناصر الإرهابية الموجودة على الأراضي التركية الذين تمت إدانتهم أمام القضاء المصري، وتم تعميم مذكرات لاعتقالهم بواسطة الإنتربول الدولي”. وفي هذه المرحلة توقف التواصل بين الجانبين، وهذه هي حقيقة ما حدث، وليس كما يحاول الرئيس التركي تصويره وكأنه مباحثات وتواصل مستمر بين الأجهزة الأمنية في كلا البلدين”.

نقطة أخرى مهمة انبرى الدكتور الزيات للرد عليها تتعلق بحديث تركيا عن (انخراط واصطفاف مصري في تحالفات إقليمية مضادة لتركيا)، واعتبر أن تحركات مصر في ترسيم حدودها البحرية شرقي المتوسط، تمت طبقًا للقوانين الدولية وبناء على بنود قانون البحار الذي كانت مصر من ضمن الدول الموقعة عليه، ولأن مصر دولة محترمة وتحترم القانون الدولي، لم تتعد بأي طريقة من الطرق على حقوق أي بلد من بلدان شرق المتوسط، وهذا باعتراف أردوغان نفسه منذ عدة أيام، حين أكد أن مصر لم تنتهك الجرف القاري التركي على الإطلاق. 

على المستوى الاقتصادي، أبرز الدكتور الزيات حرص مصر على عدم تأثر علاقاتها التجارية مع تركيا بالنهج المعادي الحالي من جانب نظام الحكم في أنقرة؛ إذ لم تتخذ القاهرة (حتى الآن) أية إجراءات للتضييق على أعمال وأنشطة رجال الأعمال الأتراك على أراضيها، ومازالت المنطقة الصناعية التركية في مدينة السادس من أكتوبر المصرية تعمل بدون أية مشاكل أو عراقيل، ناهيك عن حقيقة أن الصادرات التركية إلى مصر قد تصاعدت خلال الفترة الماضية، خاصة بعد بدء مسلسل الانهيار المستمر لقيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، ولم تتدخل القاهرة أيضًا من أجل محاصرة زيادة الصادرات التركية إليها، رغم أن هذه الصادرات كان لها تأثير سلبي على الصناعة الوطنية في مصر، وهذا كله يعزى إلى رغبة مصرية حقيقية في الحفاظ على علاقات طيبة مع الشعب التركي.

بعد ذلك عاد الدكتور الزيات للحديث عن اللهجة التركية الجديدة التي تحاول ترويج منطق (المصالحة والتهدئة مع مصر)، وأكد أن هذه اللهجة ليس سببها فقط الضغوط التي يتعرض لها نظام أردوغان في شرقي المتوسط، بل أيضًا في كامل الإقليم المحيط به، خاصة في علاقته مع بعض الدول الأوروبية، لذلك يحاول أردوغان من خلال هذه التصريحات كسر الصورة النمطية التي تكرست بشأنه منذ سنوات، والتي جعلته في نظر الجميع رجلًا مثيرًا للتوتر والنزاعات في المنطقة.

وأضاف الدكتور الزيات “أردوغان في توجهه الجديد هذا، نسي أنه لزامًا عليه قبل أي تهدئة أو حوار أن يحدد بشكل واضح موقف نظامه الحاكم من عدة ملفات، مثل التحالف المصري مع الثلاثي الخليجي الذي يضم دول المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة، حيث يعتبر أردوغان أن هذا التحالف موجه ضده، وذهب ليضع قواعد لقواته في قطر، ويقيم علاقات مع إثيوبيا تهدد بصورة مباشرة الأمن القومي المصري، ويؤسس لوجود عسكري دائم في مصراته الليبية، تحدث هو نفسه أنه سيكون نقطة انطلاق لتركيا في كافة دول الشمال الأفريقي”.

واستطرد الدكتور الزيات “رغم كل ما سبق، لم تتخذ مصر إجراءات حادة للرد عليه، لكنها وضعت مؤخرًا خطًا أحمر سيتم في حالة تجاوزه اتخاذ إجراءات صارمة للرد على الخطوات التركية، وهذا الخط نفسه هو ما تسبب في تحريك الموقف الأمريكي الذي كان مهادنًا في الفترات السابقة حيال الأفعال التركية في ليبيا، وحرك كذلك الموقفين الإيطالي والألماني، فبدأت المواقف الأوروبية تحاصر الدور التركي وتضغط عليه، وتلوح بفرض عقوبات على أنقرة، وهذا دفع أردوغان إلى أن يحني رأسه قليلًا للعاصفة، دون أن يقدم أية تنازلات حتى الآن حيال الملفات الشائكة بين أنقرة ومصر”.

فيما يتعلق بالاتهامات التركية الموجهة إلى مصر بشأن التواصل مع بعض المكونات الكردية رأى الدكتور محمد مجاهد الزيات أن هذه التصريحات تبدو غريبة جدًا بالنظر إلى النهج التركي الحالي في الشمال السوري الذي ذهب إلى التحالف مع إيران على حساب المصالح الوطنية السورية، في حين تلقي باللوم على القاهرة حيث تستمر علاقاتها مع كافة القوى السورية، بهدف حماية تماسك الدولة السورية، بداية من النظام الحاكم في دمشق، مرورًا بمنصتي المعارضة السورية في الرياض والقاهرة، وصولًا إلى المكونات الكردية شرقي الفرات، وهي كتلة موجودة في الداخل السوري، وضعت الولايات المتحدة وأوروبا خطوطًا حمراء أمام تركيا لمنع استهدافها. ومصر ذهبت أيضًا إلى ليبيا، وتعاملت مع البرلمان الليبي المنتخب والمعترف به دوليًا، وكافة القوى السياسية، لكن رغم هذا تنتقد أنقرة هذا النهج من جانب القاهرة، رغم منطقيته وشرعيته.

وقال الدكتور الزيات “إذا ما ركزنا جيدًا، في بنود إحدى الركائز الأساسية للسياسة التركية، وهو مبدأ صفر مشاكل، سنجد أنها تتضمن الحديث عن المجال الحيوي لتركيا، وتحويل تركيا إلى طرف فاعل في المنطقة، وبالتالي كل الحديث التركي الحالي عن مصالحات وتهدئة، هو كلام مؤقت ولا وزنًا استراتيجيًا دائمًا له، ويأتي فقط تحت تأثير الضغوط الممارسة عليه من جانب التحالف الإقليمي المشكل ضده من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة والبحرين، ولا يمكن أن تضحي مصر بدورها في هذا التحالف، مقابل وعود صدرت عن رئيس تتسم مواقفه دائمًا بالتناقض والهوائية وعدم الثبات، خاصة وأن تصعيده ضد الدول العربية لم يتوقف، ورهانه ودعمه لجماعة الإخوان مازال مستمرًا”.

وفي نهاية مداخلته، أفاد المستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية أن ما تطرحه بعض الأوساط التركية حول ضرورة أن تكون العلاقات بين أنقرة والقاهرة بمعزل عن مستوى وواقع العلاقة بين الرئيسين المصري والتركي هو طرح غير واقعي؛ لأن الخلاف بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأردوغان ليس خلافًا بين أصدقاء أو زملاء، فالرئيس السيسي هو رئيس أكبر دولة عربية، وما حدث هو تجاوز بحقه وبحق الدولة المصرية بأكملها، وهو تجاوز لا يمكن التقليل منه أو السكوت عليه تحت أي حجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى