روسيا

استعراض للعضلات أم غزو مرتقب … أبعاد الحشد الروسي على تخوم أوكرانيا

أعاد مشهد الأرتال العسكرية الروسية المتدفقة منذ اوائل الشهر الجاري على النطاق الحدودي الفاصل بين غربي روسيا وشرقي أوكرانيا، وكذا المتدفقة على شبه جزيرة القرم جنوبي أوكرانيا، التذكير بالشروخ العميقة التي تشوب العلاقة التاريخية بين موسكو وكييف، فيما استرجع كل من يتابع هذا الملف الخطة الروسية التي تم تنفيذها بشكل خاطف وحاسم لضم شبه جزيرة القرم عام 2014.

فهل يمكن اعتبار التحركات العسكرية الروسية الأخيرة محاولة لإكمال خطة يُعتقد أن موسكو تعمل عليها من سنوات، لمد الحدود الغربية لروسيا الاتحادية، لتصبح ممتدة من الحدود الإيرانية جنوباً، وحتى لاتفيا واستونيا شمالاً، أم أن هذه التحركات تأتي في إطار لعبة “استعراض العضلات” التي تتبادل روسيا مع حلف الناتو التنافس فيها في حقبة ما بعد الحرب الباردة؟

الجذور التاريخية للأزمة الروسية – الأوكرانية

ربما كان التنوع العرقي المتجذر في الطبيعة الأوكرانية، من أهم أسباب هذا التجاذب المستمر منذ عقود بين موسكو وكييف، حيث توطنت القومية الروسية في المناطق الشرقية والجنوبية من أوكرانيا منذ عقود، في حين كانت الأغلبية الأوكرانية متركزة في المناطق الوسطى والغربية من البلاد.

كانت اوكرانيا لقرون تحت الحكم الروسي، وهذا أدى بشكل تدريجي إلى تأصل التواجد الروسي فيها، فواحد من كل ستة أوكرانيين، ينحدر من أصول روسية، وواحد من كل ثلاثة أوكرانيين يتحدث اللغة الروسية.

هذا الوضع أدى إلى ترسيخ انقسام كبير بين القطاعات الشعبية الأوكرانية بشأن الدور الروسي في أوكرانيا، ما بين من يرى أن موسكو كانت دوماً تريد الهيمنة على الثروات الأوكرانية، وبين ما يرى أن موسكو تعد الملجأ المنطقي والحليف الطبيعي لأوكرانيا، خاصة في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

المثير للاهتمام في هذا الصدد، أن محاولات موسكو لترسيخ النفوذ الروسي في أوكرانيا، بدأت فعليا في القرن الثامن عشر، وذلك على يد الإمبراطورة الروسية “كاثرين الثانية”، التي وضعت اليد الروسية بشكل كامل على أوكرانيا، عن طريق فرض مجموعة من الإجراءات الصارمة، مثل توطين المئات من الروس في الأراضي الأوكرانية، وإقامة تمركزات عسكرية روسية دائمة في المناطق الوسطى والشمالية من أوكرانيا، وفرض قوانين تفرض على المدارس الأوكرانية تعليم اللغة الروسية بدلاً من اللغة الأوكرانية، التي تم حظرها بشكل تام في القرن التاسع عشر.

استمر هذا الوضع خلال العقود اللاحقة، لكن شابت هذه المرحلة بعض الأحداث التي ساهمت في توسيع الفجوة الذهنية والعرقية بين الروس والاوكرانيين، مثل دور الزعيم السوفيتي ستالين في تفشي المجاعة التي قضت على ملايين الأوكرانيين في ثلاثينيات القرن الماضي، وكذا الاشتباكات العرقية التي تمت بين الروس من جهة، والسكان من أصل تتري وأوكراني من جهة اخرى، بسبب عمليات التوطين التي أشرفت عليها السلطات السوفيتية، خلال أربعينيات القرن الماضي، خاصة في المنطقة الجنوبية من البلاد، التي تضم شبه جزيرة القرم، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان أساسي في الصراع بين موسكو وكييف.

سقوط الاتحاد السوفيتي … وتجذر التنافر بين موسكو وكييف

في الفترة ما بين عام 1991 “انهيار الاتحاد السوفيتي” وبين عام 2004 “الانتخابات الرئاسية الأوكرانية”، تزايدت حدة التباعد والتنافر بين موسكو وكييف، نظراً لعدم قدرة أوكرانيا على حلحلة أزمة الهوية الوطنية التي باتت متجذرة في ثنايا المشهد الداخلي فيها، ما بين الموالاة لروسيا وبين الموالاة للغرب، وهي الأزمة التي يمكن اعتبارها عنوان اساسي لكل التطورات التي حدثت في المشهد الأوكراني بعد عام 1991. الاستحقاقات الانتخابية التي تمت خلال هذه الفترة، أوضحت هذه الأزمة بشكل جلي، فعلي سبيل المثال كانت نسبة التصويت في الاستفتاء على انفصال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 في المناطق الشرقية والجنوبية هي الأدنى “وهي مناطق ذات أغلبية روسية”، في حين كانت النسبة هي الأعلى في المناطق الشمالية والغربية.

النسبة الأدنى على الإطلاق في هذا الاستفتاء كانت من نصيب شبه جزيرة القرم، التي كانت منذ عام 1954 عملياً تحت السيطرة الأوكرانية، بعد ان قرر رئيس الوزراء السوفيتي الراحل نيكيتا خروتشوف نقل تبعيتها الإدارية من جمهورية روسيا إلى جمهورية أوكرانيا، وظل هذا الوضع قائماً حتى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، حيث لم تعترض موسكو على بقاء شبه الجزيرة تحت الإدارة الأوكرانية “في شبه حكم ذاتي”، مقابل أن تحتفظ موسكو بوجود عسكري بحري في قاعدة أسطول البحر الأسود في مدينة “سيباستوبول” الساحلية، لكن على ما يبدو كان الموقف الروسي مؤقتاً إلى أن تحين اللحظة الإقليمية المناسبة.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية عام 2004 كانت بداية تشكل الظروف الملائمة بالنسبة لموسكو كي توسع من هامش مناورتها في الداخل الأوكراني، حيث تمكنت من دعم المرشح الموالي لها “فيكتور يانكوفيتش” عبر سكان المناطق الجنوبية والشرقية ذوي الأصول الروسية، وهذا كان واضحاً بشكل اكبر من خلال نسب التصويت التي حاز عليها يانكوفيتش في هذه المناطق، خاصة شبه جزيرة القرم وإقليمي “دونيتسك” و”لوهانسك“.

شابت فترة حكم يانكوفيتش خلافات حادة بينه وبين قطاعات سياسية عديدة، بسبب مقاومته لمحاولات البعض إجباره على التوقيع على اتفاقيات للتكامل التجاري مع الاتحاد الأوروبي، بدت مقدمة لضم البلاد إلى الاتحاد في نهاية المطاف، وقد أدى هذا التجاذب الداخلي إلى نشوب احتجاجات شعبية على الأرض، تركزت في غربي البلاد، وحاولت وحدات الشرطة الأوكرانية المسماة “بيركوت” إخمادها، لكن تصاعدت هذه الاحتجاجات بشكل أكبر منذ أواخر عام 2013، إلا أنه بحلول فبراير 2014، سقطت الحكومة الأوكرانية، وأضطر يانكوفيتش إلى مغادرة البلاد إلى روسيا، وفي هذا التوقيت بالتحديد، بدأت موسكو في تنفيذ خطتها للسيطرة على شبه جزيرة القرم.

السيطرة على شبه جزيرة القرم … تأكيد النوايا الروسية

بدأت وحدات روسية خاصة، بالتزامن مع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت أواخر عام 2013 في كييف، بالتحرك بشكل مستتر في كافة مناطق شبه جزيرة القرم، سواء عبر التحرك من قاعدة أسطول البحر الأسود في “سيباستوبول”، أو من خلال الانتقال بحرياً من الأراضي الروسية عبر مضيق كيرتش، وحشدت من أجل هذا الغرض، قوة عسكرية أساسية بلغ مجموع عناصرها ستة عشر ألف جندي، تألفت من لواء مشاة بحري وكتيبة مشاة مساندة، بجانب كتيبة مشاة اخرى محمولة جواً وكتيبة قوات خاصة.

لواء المشاة رقم 810 التابع لقيادة أسطول البحر الأسود، الذي يتمركز أساسا في سيباستوبول، كان قوة الانتشار الرئيسية في شبه الجزيرة، بجانب كتيبة مشاة البحرية رقم 727 التابعة لأسطول بحر البلطيق. وقد تمكنت هذه الوحدات بمساندة من وحدات مسلحة محلية من قومية “القوزاق” الروسية التي تستوطن هذه المنطقة، في السيطرة بشكل سريع على عاصمة القرم “سمفروبل” ومدينة سيباستوبول ومحاصرة عدة نقاط بحرية أوكرانية هي “نوفوزيرونى” و”شيرنومورسكويوفيودوسيا”، وإحكام السيطرة على مداخل الطريقين المؤديين إلى شبه جزيرة القرم من جهة الشمال

انيطت مهمة السيطرة على المطارات الموجودة في الإقليم إلى الكتيبة 76 المحمولة جوا، التي تم إبرارها جوا عن طريق مروحيات مي 17 الروسية بحراسة من المروحيات القتالية مي28 ومي35، في اتجاه المطار الرئيسي في شبه الجزيرة وهو مطار “جيفارديسكايا” شمال عاصمة القرم سمفروبل، وفي اتجاه قاعدتي “بيلبيك” و”كاشا” العسكريتين، وقد تمكنت هذه الكتيبة في أقل من ساعة من السيطرة على هذه المطارات، ما سمح بهبوط طائرات النقل العسكري الروسية. الكتيبة 45 التابعة لقوات “سبيتسناز” الخاصة، تم تكليفها بمحاصرة عدة مواقع عسكرية اوكرانية داخل شبه الجزيرة، مثل قاعدة “بيلبيك” الجوية ومقرات عسكرية أخرى مهمة مثل قيادة حرس السواحل الأوكراني في سيباستوبول، وقيادة البحرية الأوكرانية في بالاسلافا.

تمكن الجيش الروسي بشكل خاطف وسريع في السيطرة بشكل كامل على شبه جزيرة القرم، بشكل لم يمكن الوحدات العسكرية الأوكرانية المتواجدة على داخلها من إبداء أية مقاومة، وفشل السواد الأعظم من القطع البحرية الأوكرانية الموجودة داخل موانئ القرم من الهروب منها، وأعلنت معظم اطقمها الولاء لأسطول البحر الأسود الروسي. الجيش الأوكراني حشد بشكل سريع خارج حدود القرم لواءين مدرعين ولواء مشاة وفوج مشاة ميكانيكي ولواء مدفعية، لكن التحرك السريع للقوات الروسية داخل شبه الجزيرة، جعل من محاولة استخدام كييف لهذه القوات مهمة شبه انتحارية، وهو ما مهد بشكل سريع للاستفتاء الذي تم داخل القرم على انضمامها للاتحاد الروسي، وهو الضم الذي تم فعلياً في مارس من نفس العام، وتبعته خطوة ميدانية أخرى لا تقل اهمية عنه.

لوهانسك ودونيتسك … موسكو تتحرك في الخاصرة الشرقية لأوكرانيا

في أبريل 2014، بدأت مجموعات انفصالية مدعومة من موسكو، تحركات عسكرية ميدانية تركزت في مقاطعتي “دونيتسك” و”لوهانسك” في أقصى شرقي أوكرانيا، وتحديداً في إقليم “الدونباس” الواقعة على الحدود مع روسيا، وتزامنت هذه التحركات مع احتجاجات شعبية عمت كافة مقاطعات هذا الإقليم، وخاصة مقاطعة “خاركيف” شمالي مقاطعة لوهانسك.

وحدات الجيش الأوكراني اشتبكت منذ ذلك التوقيت وحتى الآن مع هذه المجموعات الانفصالية، وتمكنت بحلول شهر أغسطس من نفس العام، من تحقيق تقدم ميداني كبير أمام تلك المجموعات، الا أن القوات الأوكرانية منيت بخسائر كبيرة في عدة معارك، خاصة في منطقتي “ديالتسيفي” و”إيلوفيسك”، كان الدعم الروسي المباشر للمجموعات الانفصالية سبباً أساسياً في هذه الهزائم، ما أجبر الحكومة الأوكرانية على التوقيع على اتفاقيتين لوقف النار، وهو ما كرس بشكل أو بآخر الوضع القائم حالياً لكلا المقاطعتين، اللتين أعلنتا استقلالهما بشكل منفرد أوائل عام 2015، ومنذ ذلك التوقيت لم تتوقف المعارك على خط الجبهة بين قوات المقاطعتين والقوات الأوكرانية.

النقطة المهمة في هذه المرحلة كانت بدء أوكرانيا في دق ناقوس خطر باتت تراه محدقاً بأراضيها، حيث قدرت وزارة الدفاع الأوكرانية اوائل عام 2015، أن التحركات الروسية في شرق وجنوب أوكرانيا، هي جزء من خطة أكبر للسيطرة على كامل الأراضي الأوكرانية أو أجزاء إضافية منها، وفي هذا الصدد تم طرح سيناريوهات عديدة، الأول سيناريو يتم فيه توسيع خط السيطرة الميدانية للقوات الانفصالية المدعومة من موسكو، ليشمل مقاطعة “خاركيف” شمالي لوهانسك، أو جنوباً في اتجاه مقاطعة “أوديسا”، بهدف خلق ممر مسيطر عليه من روسيا، بين منطقة الدونباس شرقاً، وشبه جزيرة القرم جنوباً، بما في ذلك مدينة “ماريوبل” الساحلية، ومدينتيزابوريزهزيا” و”ميليتوبول“.

السيناريو الثاني الذي تم طرحه في هذه المرحلة، كان يفترض أن التحركات الروسية الميدانية ستتوسع أكثر لتشمل كافة الأراضي الواقعة شرق نهر “دنيبر” بما في ذلك المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية والشمالية الشرقية لأوكرانيا، والعاصمة كييف، وهذا السيناريو قامت بتوسيعه بعض مراكز الأبحاث الأوروبية، ليصبح خطة للسيطرة على كامل الأراضي الأوكرانية. هذه السيناريوهات ظل تحققها محل شكوك كبيرة خلال السنوات الماضية، إلا أن الحشود العسكرية الروسية الأخيرة أعادت طرح هذه السيناريوهات بقوة، وهي سيناريوهات يضيف إليها البعض سيناريو يبدون خيالياً بعض الشئ، يقتضي توسع روسيا غرباً وجنوباً، نحو الحدود مع أثران ومولودفيا والمجر وبولندا.

ما وراء الحشود الأخيرة للجيش الروسي قرب أوكرانيا

نظرياً وعملياً، يبدو الحشد العسكري الروسي المستمر منذ مارس الماضي حول أوكرانيا، أكبر وأكثر أهمية من الحشود التي تم الدفع بها خلال عامي 2014 و2015، فالتقديرات تشير إلى أنه تم نقل ما بين 80 إلى 110 ألف جندي روسي، إلى محيط المناطق الجنوبية والشرقية لأوكرانيا، في الفترة بين منتصف مارس الماضي ومنتصف الشهر الجاري، وذلك انطلاقا من نقاط حشد أساسية تقع شمال شرق، وشرق، وجنوب شرق، وجنوب، وغرب أوكرانيا. التعزيزات التي تم إرسالها من منطقة موسكو العسكرية، جرى دفعها نحو منطقة الحدود مع أوكرانيا عبر نقطتين أساسيتين، هما مدينتي “فولجوجراد” و”فورونيج”، وتبعد تلك الأخيرة نحو 180 كيلو متر فقط عن خط الحدود، حيث تم توزيع القوات في عدة اتجاهات تشترك جميعها في أنها تحيط بالأراضي الأوكرانية.

ففي اتجاه الشمال الشرقي تم الدفع بالقوات إلى مدينتي “بيلوجراد” و”لاجوف”، وشرقاً باتجاه مدينتي “روستوف دون” و”تاجنوروج”، ومنها بحراً نحو التخوم الشرقية لمدينة “ماريوبل” التي تسيطر عليها اوكرانيا. أما جنوباً فتم الدفع بالقوات في اتجاه مدينتي “ستافروبول” و”كراسوندار”، ومن ثم عبر الجسر العابر لمضيق كيرتش في اتجاه شبه جزيرة القرم. يضاف إلى ماسبق، تعزيزات وصلت إلى الوحدات الإنفصالية في شرقي أوكرانيا، تركزت بشكل أساسي على المدفعية الصاروخية ومدفعية الميدان، كما كان لافتاً رصد تحركات عسكرية لوحدات موالية لروسيا، في جمهورية “ترانسنيستريا” في مولودفيا، وهي جمهورية انفصالية تريد الانضمام للاتحاد الروسي، وتقع على الحدود الغربية لأوكرانيا.

موسكو من جانبها قالت ان هذه الحشود هي جزء من برنامج المناورات السنوية التي تجريها وحدات المنطقة العسكرية الجنوبية وأسطولي البحر الأسود وبحر البلطيق، لكن الدلائل المتوفرة تشير إلى أن بعض الوحدات التي تم نقلها – والتي تشمل صواريخ تكتيكية ودبابات وطائرات مقاتلة – ظلت في أماكن تمركزها الأخيرة ولم تعود إلى قواعدها الأصلية. بشكل عام لا يمكن اعتبار هذه الوحدات بشكل قاطع جزء من تشكيل هجومي مكتمل الأركان، نظراً لأن ما تم نقله من كتائب كان غائباً عنه منظومات الدفاع الجوي ذاتية الحركة، ولا يمكن التعويل فقط على بطاريات صواريخ الدفاع الجوي “أس-400” المتواجدة في قاعدة أسطول البحر الأسود في القرم، كوسيلة وحيدة لحماية القوات الروسية من هجمات الطيران الأوكراني في حالة شن هجوم روسي واسع.

إذن نظرياً لا يعتبر انفتاح القوات الروسية في الوقت الحالي انفتاحا قتالياً، لكن لا يمكن استبعاد هذه الفرضية، نظراً للقدرة اللوجستية الكبيرة التي يتمتع بها الجيش الروسي، خاصة فيما يتعلق بعمليات النقل السريعة للآليات والوحدات المتخصصة. إذا ما وضعنا هذه النقطة جانباً، وعدنا إلى السيناريوهات التي تم طرحها عام 2015، سنجد أن السيناريو الأقرب في الوقت الحالي هو ان الحشود الروسية تعد جزءاً من استعراض واسع للقوة الروسية، بالنظر إلى احتمالية عقد مباحثات قمة بين موسكو وواشنطن في المدى المنظور، وقد يتضمن هذا الاستعراض مزيداَ من الدعم العسكري للقوات الانفصالية في شرق أوكرانيا، وقد يؤدي هذا إلى تغير في خط الجبهة الحالي في الدونباس، ومد سيطرة الانفصاليين إلى مقاطعة “خاركيف”، خاصة وأن وتيرة الاشتباكات المدفعية بين الانفصاليين والقوات الأوكرانية تزايدت منذ مطلع الشهر الجاري.

في ما يتعلق بسيناريو الجسر البري بين الدونباس وشبه جزيرة القرم، هناك ما يدعمه في التحشيد الروسي الحالي، ألا وهو ملف سد “خيرسون”، الذي يقع شمالي شبه جزيرة القرم، ويعد بمثابة الشريان الوحيد لمياه الشرب لسكان شبه الجزيرة، وفي هذا الصدد تتخوف موسكو من تخفيض كييف لتدفقات المياه التي تصل إلى الإقليم، وهو ما لوح به سابقاً عدة مسئولين حكوميين في كييف، وبالتالي هذا قد يقتضي – حالياً او مستقبلاً – السيطرة على منطقة السد وهو ما يعني عملياً دخول مدينتي “ماريوبل” و”بيرديانسك”، وبالتالي تحقق سيناريو تحقيق الاتصال البري بين الدونباس والقرم، وهذا السيناريو يدعمه ايضاً فرض البحرية الروسية فعلياً حصار بحري على النقاط الأوكرانية المطلة على بحر أزوف شمالي البحر الأسود، ما يمنع أية وحدات بحرية أوكرانية من التحرك خارجه، ويضعها في نفس الموضع الذي كانت فيه قطع البحرية الأوكرانية في القرم عام 2014.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من التحشيد الروسي ربما يمكن وصفه بأنه موقف “حذر”، فقد تكثفت بشكل واضح طلعات الاستطلاع الأمريكية فوق البحر الأسود وفي محيط شبه جزيرة القرم والتخوم الغربية لإقليم الدونباس، ونفذ حلف الناتو خلال الأسابيع الأخيرة، تدريبات على النقل الجوي العاجل لمنظومات المدفعية الصاروخية من ألمانيا إلى رومانيا، لكن يبدو في الأفق خلافاً أوروبياً – أمريكياً بشأن درجة التعاطي مع الدور الروسي في أوكرانيا، خاصة في ظل تباين مواقف دول اوروبية مثل فرنسا وألمانيا مع الموقف الأمريكي من روسيا، خاصة في ما يتعلق بملف خط انابيب “السيل الشمالي”، الذي تدعمه ألمانيا مثلاً، في حين ترى كييف وواشنطن فيه تدعيماً للمكانة الروسية في سوق الغاز، وتهديداً للأمكانيات الحالية لأوكرانيا في مجال نقل الغاز من روسيا إلى أوروبا، وهو مجال كان سابقاً من أهم أسباب الخلاف بين موسكو وكييف.

واشنطن من جانبها لوحت خلال الأسابيع الأخيرة أنها تبحث في تزويد الجيش الأوكراني بمنظومات قتالية جديدة – خاصة في ما يتعلق بالقوات الجوية – وهو ما يمكن قراءته أيضاً في سياق التوتر الحالي بين روسيا وأوكرانيا، لكن هذا لا ينفي أن الواقع العسكري للجيش الأوكراني – وتحديداً سلاح الجو – يمثل نقطة ضعف خطيرة في الاستراتيجية الدفاعية الأوكرانية، التي لا يمكن أن تعتمد على مقاتلات تعدى عمر بعضها حاجز ال 40 عاماً، وهي نقطة ضعف بدأت كييف في محاولة معالجتها، عن طريق اقتناء الطائرات التركية دون طيار من نوع “بيرقدار”.

خلاصة القول، أن الحشد العسكري الروسي حول الأراضي الأوكرانية أخطر وأكثر تعقيداً من الحشود المماثلة السابقة خلال عامي 2014 و2015، وتستهدف موسكو من خلالها اقتناص فرصة قد تبدو سانحة لتوسيع نفوذها في أوكرانيا بشكل أو بآخر. سيناريو التحرك العسكري الروسي ستحدده بشكل أساسي القراءة الروسية لردود الفعل الأوروبية والأمريكية المتوقعة في المدى المنظور، وفي هذه المرحلة تبدو الخيارات الروسية كثيرة، ربما أكثر من الخيارات التي كانت متوفرة عام 2015، وهذا كرسته عوامل كثيرة، اهمها النجاح الروسي في ملفات إقليمية أساسية، على رأسها ملف القرم، والملف السوري، وملفات سابقة مثل ملف أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

– مصادر

1- https://n9.cl/bw7dv

2- https://n9.cl/lbv7p

3- https://n9.cl/3ba4yw

4- https://n9.cl/1eosu

5- https://n9.cl/pdn7

6- https://n9.cl/vhww8

7- https://n9.cl/yohwv

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى