تركيا

الدرونز التركية … الاختبار الحاسم في سوريا وليبيا

لعل المشهد الأكثر تعبيرًا، عن النتيجة التي وصلت إليها الدرونز التركية الصنع، بعد خوضها لأشهر طويلة، تجارب قتالية ميدانية بكل من سوريا وليبيا، هو المشهد الذي دارت أحداثه أوائل الشهر الماضي، وفيه وقف عشرات المرتزقة التابعين لأنقرة في سوريا يحتفلون حول الحطام المحترق لإحدى الطائرات، ظنًا منهم أنه يعود لإحدى طائرات لسلاح الجو العربي السوري، لكنه في الواقع كان الحطام يعود إلى درون مسلح تركي الصنع، من نوع (أنكا أس)، أسقطته الدفاعات الجوية السورية في أجواء مدينة سراقب في مدينة إدلب شمالي البلاد.

https://twitter.com/bijelo__polje/status/1234084930600230912

التجربة التركية في مجال الدرونز بشكل عام تستحق الدراسة والمتابعة، وهي من الأمثلة الحية على أن الطموحات الكبيرة والعابرة للحدود، لهذه الدولة أو تلك، في مجال التصنيع العسكري قد تصاب في الميدان القتالي، بانتكاسات خطيرة قد تصل إلى درجة الفشل التام. في الأسابيع الأخيرة، وعلى وقع الأداء القتالي المتواضع للدرونز التركية في معارك طرابلس في ليبيا، ضخت العديد من المواقع ووكالات الأنباء التابعة لأنقرة، سلسلة من التقارير والمقالات، التي تحاول الإيحاء بأن تواجد هذه الطائرات المسيّرة في كل من ليبيا وسوريا، كان نقطة تحول لصالح الجهات التي تدعمها تركيا، وكذا شككت هذه المنصات في دقة التحليلات التي تقوم بها مؤسسات صحفية وبحثية، من بينها المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، حول نشاط الدرونز التركية في هاتين الدولتين. لهذا نتناول تاريخ وحاضر الدرونز التركية في الميادين القتالية.

بداية برنامج الدرونز الاستطلاعية والهجومية في تركيا

(هيرون)

حسب مجمل التقارير التي أصدرتها عدة مؤسسات بحثية، منها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، والمعهد الملكي للخدمات المتحدة، بدأ اهتمام تركيا بشراء وتشغيل درونز الاستطلاع والمراقبة عام 1995، حيث تعاقدت في هذا العام مع شركة (جنرال أتوميكس)، على شراء درون المراقبة والرصد (GNAT-750)، لكن برزت خلال المواجهات المتعددة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، في المناطق الحدودية مع العراق وسوريا، أهمية امتلاك سلاح الجو التركي لدرونز هجومية، لذلك سعت أنقرة عام 2008، لشراء الدرونز الهجومية أمريكية الصنع (بريديتور) و(ريبير)، إلا أن رفض واشنطن إتمام هذه الصفقة دعا أنقرة إلى التعاقد عام 2005 مع تل أبيب على شراء عشرة درونات هجومية من نوع (هيرون)، بموجب صفقة بلغت قيمتها الإجمالية 193 مليون دولار. وعلى الرغم من أن تسليم كامل الصفقة تم بالفعل عام 2012، إلا انه جاء متأخرًا لعامين كاملين، وشابته تأخيرات عديدة، على خلفية التوتر بين البلدين، عقب أحداث سفينة مرمرة عام 2010، ولذلك اتخذت أنقرة قرارًا فعليًا عام 2004، بالبدء في مشروع تطوير درونز محلية الصنع.

(أنكا – بلوك بي)

اعتمدت شركة الصناعات الفضائية التركية، في تصميم طائرتها المسيرة الأولى (أنكا)، على النماذج التصميمية الخاصة بالدرون الإسرائيلي هيرون، مع اعتماد محركات مستوردة من الخارج، وقد فشلت في البداية محاولات تحويل النسخة الأساسية من هذه الدرون (بلوك أيه)، إلى درونز هجومية حاملة للصواريخ، خاصة وان هذا المشروع شهد عدة عقبات نتيجة للاعتماد على محركات مستوردة، وارتباط استيراد هذه المحركات باعتبارات سياسية واقتصادية، ناهيك عن فشل المحاولة الأولى لاختبار النسخة الأولى (بلوك إيه) عام 2010. في عام 2015، تم بنجاح إتمام الاختبار الأول للنسخة الاستطلاعية الثانية من هذه الدرون (بلوك بي)، وكان من المتوقع أن يتم تحويلها إلى نسخة هجومية، عن طريق تزويده بصواريخ (سيريت)، وهي صواريخ موجهة بالليزر من إنتاج شركة (روكيتسان) التركية، إلا أنه تم تعديل هذه الخطة، لتصبح النسخة الهجومية هي نسخة الإنتاج الكمي، المعروفة باسم (أنكا – أس)، وبالفعل طلبت وزارة الدفاع التركية، شراء عشرة درونات من هذا النوع، عام 2013.

الدرون الهجومية التركية (أنكا – أس)

(أنكا – أس)

تعد طائرات (أنكا – أس) واحدة من ضمن نوعين من أنواع الطائرات المسيرة الهجومية العاملة حاليًا في سلاح الجو التركي، وقد نفذت أول تجربة قتالية لها في أغسطس 2018، وتم تزويدها للمرة الأول بمحرك محلي الصنع في ديسمبر من نفس العام، وهي حاليًا في الخدمة بعدد يتراوح بين 16 و30 طائرة.

بالنسبة لمواصفاتها الفنية، حسب ما أعلنت عنه الشركة المصنعة، تمتلك محرك توربيني يعمل بالوقود الثقيل، تبلغ قدرته الإجمالية 155 حصان، يوفر لها القدرة على الوصول لارتفاعات تقترب من 9 كيلو متر، ومدى فعلي يتراوح بين 250 و280 كيلو متر، مع القدرة على التحليق بشكل متواصل في هذا النطاق لمدة يوم كامل. حمولة هذه الدرون القصوى هي 250 كيلو جرام، وهي تشمل حزمة المراقبة والاستطلاع المزود بها، بجانب أربعة صواريخ انزلاقية مضادة للدروع موجهة بالليزر.

الدرون الهجومي التركي (بيرقدار تي بي2)

الدرون الهجومية الثانية في الترسانة التركية حاليًا، هي الدرون (بيرقدار تي بي2)، والتي قامت بتطويره شركة (بايكار) للصناعات الجوية على مرحلتين، الأولى بدأت مطلع عام 2007، وصولًا إلى أواخر عام 2011، وفيها تم البدء في إنتاج النسخة الأولى من هذه الدرون (تي بي1)، والتي كان لها القدرة على حمل صاروخين فقط من نوع (مزراك – يو) التي تنتجها شركة روكيتسان. 

المرحلة الثانية بدأت مطلع عام 2012، واستهدفت تطوير قدرات هذه الدرون وزيادة حمولتها من الذخائر، ومدة تحليقه في كل طلعة، وقد تمت تجربة التحليق الأولى لهذا النموذج بعد تطويره في أبريل 2014، وأواخر نفس العام تسلم سلاح الجو التركي أولى دفعات هذه الدرون، الذي وصلت أعداده حاليًا في كل من وحدات حرس الحدود وسلاح الجو والشرطة في تركيا إلى أكثر من مائة.

حسب البيانات المعلنة من الشركة المصنع (بايكار)، فإن المدى الأقصى لتحليق هذه الدرون في نسختها الأحدث (تي بي2) هو 150 كيلو متر، وتستطيع الطيران إلى ارتفاعات تصل إلى ثمانية كيلو مترات، وتتزود بمحرك تصل قدرته الإجمالية إلى مائة حصان، توفر له القدرة على التحليق بشكل متواصل (ضمن مدى 150 كيلو متر) لمدة 24 ساعة، مع العلم أنه تم كسر هذا الرقم، في تجربة طيران أجرتها هذه الدرون في الكويت في يوليو عام 2019، وخلالها حلقت الدرون بشكل متواصل لمدة 27 ساعة.

بالنسبة لحمولة هذه الدرون الإجمالية، فهي تبلغ 150 كيلو جرام، موزعة ما بين حزمة المراقبة والتصوير (ما بين 45 و55 كيلو جرام)، بجانب تسليحها المكون من أربعة صواريخ موجهة بالليزر، بواقع صاروخين من نوع (مام سي)، يبلغ وزن كل منهما 6.5 كيلو جرام، وصاروخين من نوع (مام أل)، يبلغ وزن كل منهما 22 كيلو جرام، وجدير بالذكر هنا أن الدرون (أنكا أس) تم تسليحها مؤخرًا بنفس هذين النوعين من الصواريخ.

الواقع التصديري للدرونز التركية الصنع

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\140bc977-c6ab-4206-8381-fcd3425efea7.jpg

(أنكا-أس في تونس)

بالتأكيد كانت الاعتبارات الاقتصادية هي الأساس في عمليات تطوير هذه الدرونز، بجانب الاعتبارات العسكرية التي من خلالها أرادت تركيا إيجاد طريقة فعالة وسريعة للتعامل مع التهديدات التي يشكلها مقاتلو حزب العمال الكردستاني في المناطق الحدودية بين تركيا وكل من سوريا والعراق. لكن بالمقارنة بالسجل التصديري للدرونز الهجومية المماثلة للدرونز التركية، في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والصين، سنجد أن الدرونز التركية تأتي في المرتبة الأخيرة بين هذه الدول. درون (أنكا – أس) تم تصديرها إلى دولة واحدة فقط وهي تونس، التي وقعت في مارس 2020، عقدًا بقيمة 240 مليون دولار، مع شركة الصناعات الفضائية التركية، خلال فعاليات المعرض الدولي للفضاء والدفاع، الذي انعقد في مدينة جربة التونسية، وبموجب هذا العقد ستحصل تونس على 6 طائرات من هذا النوع، بجانب ثلاثة وحدات للتحكم بها، بجانب النقل المستقبلي لتكنولوجيا التصنيع، بحيث يتم تجميع هذه الدرون محليًا على الأراضي التونسية. وقد فشلت محاولات تركيا تصدير هذا النوع من الدرونز إلى مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وباكستان.

(الدرون بيرقدار في قطر)

فيما يتعلق بدرون (بيرقدار تي بي2)، فقد أتمت قطر تسلم ستة درونات من هذا النوع في فبراير 2019، بموجب عقد تم توقيعه في مارس 2018. أوكرانيا كانت الدولة الثانية التي تحصل على هذا النوع من أنواع الدرونز، حيث تعاقدت في يناير 2019، على شراء 12 درون، وتحاول تركيا حاليًا تسويق هذه الدرون في دول مثل إندونيسيا وتونس.

السجل العملياتي للدرونز التركية

(حطام أنكا أس في إدلب)

إذا ما نحينا جانبًا نشاط الدرونز التركية ضد حزب العمال الكردستاني شمالي العراق وسوريا، نجد أن نشاط هذه الدرونز خارج تركيا يتركز في قبرص الشمالية وسوريا وليبيا. درونز (أنكا -أس) اُستخدمت لأول مرة في الأجواء السورية، في فبراير الماضي عقب تعرض الوحدات التركية شمال سوريا، لضربات عنيفة من جانب الجيش السوري، وخلال هذه المشاركة، أسقطت الدفاع الجوية السورية درون من هذا النوع في أجواء ريف محافظة إدلب شمالي البلاد. درونز (بيرقدار تي بي 2)، شاركت أيضًا في هذه العمليات، وتم إسقاط إحداها في أجواء مدينة سراقب.

(حطام بيرقدار في إدلب)

على الرغم من هذين الإسقاطين، كان لنشاط هذين النوعين تأثير واضح على مجمل سير المعارك بين تركيا وسوريا في هذه الفترة، حيث تبادل كلا النوعين المهام، بحيث نفذت درونز (أنكا أس)، مهام التشويش والاستطلاع الإلكتروني، التي تستهدف وسائط الاتصال ومنظومات الدفاع الجوي السورية، في حين نفذت درونز (بيرقدار) مهام الاستهداف والقصف، وقد ساهمت الأوضاع السورية الحالية بعد سنوات طويلة من المعارك، والضعف الكبير في فعالية وتغطية شبكة الدفاع الجوي السورية، في نجاح هذه الدرونز في تدمير عدد من الدبابات والآليات العسكرية السورية.

(حطام بيرقدار في ليبيا – يلاحظ هنا بقايا صواريخ مام أل)

في ليبيا، كانت التجربة أكثر فداحة وصعوبة بالنسبة للدرونز التركية، فقد وصلت حصيلة الدرونز التي أسقطها الجيش الوطني الليبي حتى الآن، إلى 31 درون، أولها كان في نوفمبر من العام الماضي، وهذه الحصيلة تضم فقط الدرونز التي تم إسقاطها أثناء تحليقها، ولا تضم الدرونز التي تم استهدافها أثناء الإقلاع أو داخل أماكن تخزينها. يضاف إلى ذلك، إسقاط درون واحد من نوع (أنكا – أس)، هذا الشهر، وهذا يعد الظهور الأول لهذا النوع في المعارك الليبية.

(حطام أنكا أس في طرابلس)

العيوب الأساسية لدرون (بيرقدار) التي ظهرت خلال المعارك الليبية، تمثلت بالإضافة إلى حمولتها المحدودة من الذخائر، ارتباطها بمحطة التوجيه، وهو ما يحد من مداها الذي لا يتعدى 150 كيلو متر. يضاف إلى ذلك، المعدات الأرضية المتعددة التي يحتاجها هذا الدرون لتشغيله، من محطات للتحكم والسيطرة، ومحطات لأستقبال البيانات وإرسالها، ومحطات للفيديو، بجانب هوائيات التوجيه، وبالتالي يكون من السهل اكتشاف موقع غرفة التحكم التي تدير عمليات تحليق هذا الدرون، ومن ثم استهدافها. جدير بالذكر هنا أن الوضع الميداني كان أيضًا نقطة رجحت كفة الدرونز التركية في سوريا، على عكس الوضع في ليبيا، ففي سوريا كانت مطارات انطلاق هذه الدرونز هي مطارات جنوب تركيا، في منأى عن النيران السورية، وبالتالي كان لديها القدرة على العمل على الحدود وعبرها، بجانب مصاحبة تحليقها لعمليات تشويش واسعة على وسائط الاتصال والرادارات السورية، الوضع في ليبيا كان أكثر اختلافًا، ففي غياب عمليات التشويش المكثفة، وفي ظل محدودية المدارج التي يمكن استخدامها في إقلاع هذه الدرونز، أصبحت هذه الأخيرة أمام اختبار أوضح وأكثر مصداقية، ظهرت فيه بجلاء قدراتها الحقيقية.

المقارنة ليست في صالح الدرونز التركية

(الدرون الصيني وينج لونج)

تركيا ضخت خلال السنوات الماضية، نحو 105 مليون دولار، لدعم عمليات التطوير المستمر للدرونز الهجومية، وصاحبت ذلك عمليات بناء وتشييد سريعة الوتيرة، لشبكة من مواقع تمركز الدرونز في مطارات جنوب البلاد وساحل بحر إيجة، ومواقع أخرى في قبرص الشمالية، وهذا كله ضمن محاولات أنقرة، منافسة الدول الرائدة في مجال صناعة الدرونز الهجومية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وإسرائيل والصين، لكن بالمقارنة بين منتجاتها الحالية، وأبرز منتجات هذه الدول، نجد أن الميزان يميل بشدة إلى منتجات هذه الدول الخمس، على حساب ما أنتجته تركيا حتى الآن من درونز هجومية.

بل أننا إذا قارننا بين (بيرقدار) و(أنكا أس) من جهة، ودرون (هيرون) الإسرائيلية من جهة أخرى، سنجد أن هذه الأخيرة تتفوق بمسافات عنهما، خاصة في المدى العملياتي (أكثر من ألف كيلو متر)، والحمولة (2700 كيلو جرام). علمًا أن تصميم درون أنكا أس، تم بناء على تصميم درون هيرون.  من الأمثلة الأخرى، الدرون الصيني (وينج لونج 2)، الذي تبلغ حمولته القتالية 480 كيلو جرام. تركيا تعي تمامًا هذه الفروق الشاسعة، ولذلك هي حاليًا في خضم عدة مشروعات لتطوير درونز هجومية ثقيلة، من بين هذه المشاريع درون (أكينسي)، التي تطورها شركة (بايكار)، وأجرت أول تجربة تحليق لها في ديسمبر الماضي، ويتوقع أن تتعدى حمولته القتالية 1000 كيلو جرام، موزعة على ست نقاط تعليق خارجية. بالإضافة إلى هذه الدرون، تطور شركة الصناعات الفضائية التركية درون هجومية تحت اسم (أكسونجور)، تم تحليقها الاختباري الأول في مارس 2019، ويتوقع أن تبلغ حمولتها القتالية 750 كيلو جرام، موزعة أيضًا على ست نقاط تعليق، لكنها حتى الآن لم تدخل إلى مرحلة الإنتاج الكمي، مثلها في ذلك مثل درون (أكينسي).

الخلاصة، أن ربما بالغت تركيا بشكل كبير في تقدير مستوى صناعتها العسكرية في مجال الدرونز، وقد حاولت من خلال مشاركة الدرونز القتالية الخاصة بها في المعارك بسوريا وليبيا، تسويق هذه الدرونز على المستوى الدولي، إلا أن الواقع يقول أن أداء هذه الدرونز في ميدان عسكري متوازن مثل الميدان الليبي، كان مخيبًا للآمال، ناهيك عن الفجوة الكبيرة المستمرة بين هذه الدرونز ومثيلاتها في الدول الخمس المصنعة للدرونز الهجومية، وبالتالي مازال الوقت مبكرًا جدًا لاعتبار تركيا بشكل نهائي، القوة السادسة في عالم الدرونز الهجومية، بل أن الوصف الأدق هنا أنها مازالت تحاول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى